من الأسد إلى مادورو... الترويج لسردية "الحلفاء غير الموثوقين"

وظيفة هذه السردية واضحة إلى حد بعيد. فهي تعمل كسيناريو استباقي، يقوم على توقع تخلي الشركاء عند تصاعد الضغوط

رويترز
رويترز
أفراد من الجيش الغاني يتدربون على الرماية خلال برنامج مكافحة الإرهاب السنوي المسمى "عملية فلينتلوك"، في دابويا، غانا، 2 مارس 2023

من الأسد إلى مادورو... الترويج لسردية "الحلفاء غير الموثوقين"

برزت في الآونة الأخيرة نغمة متكررة، في التحليلات العابرة للأطلسي والتعليقات الإعلامية، مفادها أن روسيا والصين "تتخليان عن حلفائهما" ما يثير قلقا متصاعدا في أفريقيا. وتتردد هذه الفكرة ضمن طيف واسع من التقارير والمقالات، منها على سبيل المثال، فصل منطقة الساحل الأفريقية، في تقرير ميونيخ للأمن بعنوان "الساحل: شراكات مهجورة" وإحاطات عدة حول غرب أفريقيا، ومقالات تحمل عناوين من قبيل "مادورو اكتشف بالطريقة الصعبة أن روسيا حليف غير موثوق"، وتعرض حالتا سوريا وفنزويلا بوصفهما درسين تحذيريين لأنظمة الساحل، وسائر شركاء موسكو وبكين.

في هذا الطرح قدر من المعقولية. فريهذه الأزمات تثير بالفعل أسئلة مشروعة، حول حدود الدعم الخارجي، غير أن نقل السردية إلى السياق الأفقي، يحولها من أداة تحليل إلى إطار تفسيري مسبق، يسعى إلى صياغة توقعات الأزمات المقبلة، أكثر مما يسعى إلى تفسير سلوك الفاعلين الأفارقة كما هو قائم.

بل إن العبارة ذاتها، "قلق في أفريقيا" تكشف خطأ تحليليا جوهريا- يكمن في النزعة الجوهرانية- لا يتعلق بزلة أسلوبية أو اختزال صحافي، بل بخلل في منطق الاستدلال، يفضي إلى استنتاجات واهنة منهجيا. يختزل هذا التحليل قارة بأكملها، تضم عشرات الدول والأنظمة وتشكيلات النخب، في شعور جمعي متخيل. ولا يكتفي هذا الاختزال بتبسيط الواقع، بل يفرغ الفاعلية من مضمونها، ويستبدل القرارات والمصالح الملموسة بـ"مزاج" عام. إن الحديث عن "قلق أفريقيا" من دون تحديد حكومات أو مؤسسات أو آليات صنع قرار يعني الاستيلاء على حق التحدث باسم المنطقة. ومن هذا المنظور، لا تمثل الجوهرانية مجرد زينة خطابية، بل ركيزة حاملة للبناء التحليلي، فإذا أزيلت انهار البناء بأكمله.

وعند النظر إلى المؤشرات المؤسسية القابلة للرصد، يظل الأساس التجريبي لتعميق مزاعم "عدم موثوقية" روسيا والصين في السياق الأفريقي محدودا. فلم تشهد السياسات العامة للدول الأفريقية، موجة واضحة من إنهاء أو تعديل اتفاقات أمنية استنادا إلى فقدان الثقة بموسكو أو بكين، كما لم تصدر بيانات رسمية تدرج "عدم الموثوقية" سببا حاسما لإعادة توجيه السياسة الخارجية. وهذا لا ينفي طبعا احتمال إعادة تقييم المخاطر على نحو غير معلن أو وجود شكوك كامنة. وقد ظهرت بالفعل مقالات في أفريقيا والشرق الأوسط تتساءل عن القيمة الفعلية للضمانات الروسية والصينية بعد توقيف مادورو، وتتحدث عن "قلق صامت" بين بعض النخب. غير أن الأمر يظل في الوقت الراهن طبقة تفسيرية، لا نمطا مؤسسيا راسخا في صنع القرار. والتمييز هنا أساسي، ففي هذه النقطة بالذات ينتقل الخطاب من التحليل إلى الفعل السياسي.

في تقارير وإحاطات صادرة عن مراكز تفكير أوروبية وأميركية، يقدم سقوط الأسد وأزمة مادورو كـ"درس" شامل للأنظمة الأفريقية، مفاده أن روسيا والصين، تفتقران إلى الموارد والإرادة السياسية الكفيلتين بتأمين دعم طويل الأمد

ومن اللافت أن الدافع الأول لهذه السردية ينبع في الأساس من خارج المنطقة، من الفضاء التحليلي العابر للأطلسي. ففي تقارير وإحاطات صادرة عن مراكز تفكير أوروبية وأميركية، يقدم سقوط الأسد وأزمة مادورو كـ"درس" شامل للأنظمة الأفريقية، مفاده أن روسيا والصين، تفتقران إلى الموارد والإرادة السياسية الكفيلتين بتأمين دعم طويل الأمد. وتذهب بعض الصياغات إلى حد القول صراحة إن على القادة الأفارقة أن يدركوا أن موسكو وبكين لن تجازفا من أجل بقاء الأنظمة، كما فعل الغرب سابقا مع حلفائه.

ويُطرح هذا المنطق عادة بقدر أكبر من التحفظ في أوساط النخب الأفريقية، ويصاغ كسؤال عملي عن حدود الدعم الممكن، لا كحكم نهائي قاطع. هذا التباين بين مصدر السردية والممارسة السياسية في المنطقة يشير إلى أن الفكرة لا تتشكل من تجربة محلية مباشرة، بل تروج كتفسير جاهز للتداول.

أ.ف.ب
وزراء خارجية النيجر باكاري ياو سانغاري، ومالي عبد الله ديوب، وبوركينا فاسو كاراموكو جان ماري تراوري، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرهم الروسي سيرغي لافروف، موسكو في 3 أبريل 2025

وظيفة هذه السردية واضحة إلى حد بعيد. فهي تعمل كسيناريو استباقي، يقوم على توقع تخلي الشركاء عند تصاعد الضغوط، ويهيئ النخب لتبني افتراض مسبق، مفاده أن الدعم الحاسم لن يأتي عند اشتداد الأزمة. جمهورها المقصود ليس الرأي العام، بل دائرة ضيقة من صناع القرار: رؤساء الدول، القيادات العسكرية العليا، أجهزة الأمن والاستخبارات، ومراكز المصالح الاقتصادية الكبرى. إن هذه التصورات في لحظات الأزمات كثيرا ما ترجح الخيار بين التماسك والصمود، أو تسوية مرحلية، أو التفكك وإعادة الاصطفاف. ومن هذا المنظور، لا تقتصر السردية على وصف الواقع، بل تتدخل فيه، إذ تعيد تشكيل حسابات النخب قبل أن تتبلور الأزمة ذاتها.

الحالتان اللتان تستند إليهما هذه السردية، سوريا وفنزويلا، تكشفان حدود الدعم الخارجي، لكن ضمن صورة أعقد مما يشيع في الخطاب المتداول. في سوريا، كان للتدخل الروسي والإيراني أثر حاسم في منع هزيمة النظام عسكريا وفي صون جوهر مؤسسات الدولة. تصوير بشار الأسد كـ"حليف مخذول" لا ينسجم مع سجل الوقائع، إذ تعزز الدعم في أكثر مراحل النزاع حرجا. في المقابل، أظهرت التجربة السورية سقف ما يمكن أن يبلغه الإسناد الخارجي. فهو يوفر وقتا ويعزز قدرة عسكرية، لكنه لا يعالج اختلالات بنيوية، ولا يعيد شرعية مفقودة، ولا يعوض تدهورا اقتصاديا طويل الأمد. حجم الدعم وحده لا يحول بنية داخلية هشة إلى بنية مستقرة.

أما فنزويلا، فتُستدعى كثيرا بوصفها شاهدا على "عدم موثوقية" روسيا. غير أن هذا التأويل يضعف عند الفحص الدقيق. فدعم موسكو وبكين كان محدد الإطار منذ البداية: قروض، إعادة هيكلة ديون، عقود طاقة ودفاع، وغطاء دبلوماسي، من دون التزام بتدخل عسكري مباشر مهما كانت الظروف. حدود هذا الدعم رسمتها موارد الأطراف الخارجية واستعدادها لتحمل المخاطر، كما رسمتها ديناميات الداخل الفنزويلي من تفتت النخب، وطبيعة السيطرة على الأجهزة الأمنية، وحسابات الفاعلين الأساسيين.

هنا تبرز نقطة محورية كثيرا ما يغفلها الخطاب الدارج: إن حدود الدعم ليست قرارا أحاديا، بل نتيجة تفاعل بين طرفين. فحتى مع توافر الإرادة لدى الفاعل الخارجي، لا يمكنه تعويض غياب تماسك النخبة الحاكمة، ولا فرض خيارات سياسية أو أمنية لا يرغب النظام في تبنيها، ولا بناء شرعية مستقرة فوق مؤسسات تتآكل تدريجيا. إن تقييم "موثوقية" الشريك بمعزل عن سلوك النظام نفسه اختلال منهجي، وله تبعات تحليلية خطرة، إذ يغذي وهم الإنقاذ التلقائي، وينقل عبء الصمود من الداخل إلى الخارج.

المقارنة بين سوريا وفنزويلا ودول الساحل لإثبات "عدم قابلية" الضمانات الروسية والصينية للاستمرار، تعاني من ضعف تحليلي بين حرب أهلية عالية الكثافة، وتفتت نخب داخل نظام شعبوي قائم على الريع النفطي

لذلك، نجد أن المقارنة بين سوريا وفنزويلا ودول الساحل لإثبات "عدم قابلية" الضمانات الروسية والصينية للاستمرار، تعاني من ضعف تحليلي بين حرب أهلية عالية الكثافة، وتفتت نخب داخل نظام شعبوي قائم على الريع النفطي، وتمرد غير متماثل في الساحل، تمثل أنماطا مختلفة من الأزمات، لكل منها بنيته الخاصة وهوامش تحرك مختلفة أمام الفاعلين الخارجيين.

في الساحل، تعمل وحدات عسكرية روسية ضمن تفويضات محدودة، إلى جانب جيوش وطنية وأجهزة أمنية وميليشيات محلية، في مواجهة تمردات انفصالية وجهادية، من دون انخراط في تدخلات برية واسعة. وجمع هذه السياقات المتباينة في نموذج تفسيري واحد يخدم سهولة السرد التحذيري، أكثر مما يخدم دقة التقدير أو الفهم العميق لتعقيدات الأمن في أفريقيا.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، والرئيس الصيني شي جينبينغ، والرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف، خلال حضورهم عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، بكين في 3 سبتمبر 2025

ثم يكتسب توقيت تضخيم هذه السردية دلالة قائمة بذاتها، إذ ينبع زخمها من خلفية أزمة النماذج الأمنية الغربية في منطقة الساحل، وتراجع الحضور العسكري الأوروبي، وتصاعد أدوار شركاء بديلين، وترسخ تحالف دول الساحل حول ارتباطات خارجية جديدة. ومع انحسار القدرة على توجيه مسار الأحداث بشكل مباشر من خلال البعثات العسكرية والأدوات المؤسسية، يصبح التحكم في التفسير بديلا عن نفوذ آخذ في التآكل. وتتحول إدارة التوقعات، بما في ذلك التشكيك في "موثوقية" المنافسين، إلى أداة تأثير بديلة في سياق لم تعد فيه آليات الضبط السابقة فعالة كما كانت.

لا تقدّم روسيا والصين نموذج رعاية شبيها بما عُرف في زمن الحرب الباردة، بل يقوم انخراطهما في أفريقيا وخارجها على منطق تبادلي: مساعدات عسكرية محدودة، تزويد بالسلاح والتدريب، غطاء سياسي في المحافل الدولية، ومشروعات اقتصادية

لا تقدّم روسيا والصين نموذج رعاية شبيها بما عُرف في زمن الحرب الباردة، بل يقوم انخراطهما في أفريقيا وخارجها على منطق تبادلي: مساعدات عسكرية محدودة، تزويد بالسلاح والتدريب، غطاء سياسي في المحافل الدولية، ومشروعات اقتصادية، من دون ضمانات أمنية رسمية أو التزام بالتدخل في جميع الأحوال. ولا يدعم السجل التجريبي قراءة هذا النهج، بوصفه تمهيداً لتخلٍ وشيك عن الشركاء، كما لا يبرر اعتباره وثيقة تأمين شاملة ضد الأزمات الداخلية. فالدعم له حدود، وهذه الحدود تتعين بموارد الأطراف الخارجية، كما تتحدد بمدى استعداد الأنظمة وقدرتها على بناء تركيبة سلطة داخلية منسجمة مع هذا الانخراط.

أما بالنسبة إلى الدول الأفريقية، فإن الدرس الأساسي لا يكمن في البحث عن "راعٍ موثوق" يضمن بقاء الأنظمة، بل في صياغة استراتيجية ذاتية. فالمسألة تتعلق بكيفية توظيف الشركاء الخارجيين، سواء كانوا غربيين أم روسا أم صينيين أم إقليميين، لتوسيع هامش الحركة من دون التفريط في التحكم الحيوي بمؤسسات الأمن والسياسة.

أ.ف.ب
وزراء خارجية النيجر باكاري ياو سانغاري، ومالي عبد الله ديوب، وبوركينا فاسو كاراموكو جان ماري تراوري، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرهم الروسي سيرغي لافروف، موسكو في 3 أبريل 2025

وقد بدأ هذا المسار بالفعل. فدول الساحل، بما فيها المنضوية في تحالف دول الساحل، تعمّق تعاونها مع روسيا والصين، مع الحفاظ على علاقات نشطة ومتنامية مع تركيا ودول الخليج. كما تمزج حكومات شرق أفريقيا برامجها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، من دون أن تحصر بنيتها الأمنية في محور واحد. وبهذا المنطق، يُعبّر التنويع عن حساب عقلاني يهدف إلى تقليص التبعية، لا عن "قلق أفريقي" متخيل.

وعند هذه النقطة تحديدا، تصبح سردية "الحلفاء غير الموثوقين" خطرة فعلا، ولا يكمن الخطر في دقة بعض الادعاءات أو عدمها، بل في نقل مركز المسؤولية من الداخل إلى الخارج، وفي ترسيخ توقع التخلي الحتمي داخل أوساط النخب. تؤدي هذه التوقعات إلى إضعاف تماسك الائتلافات الحاكمة، وتشجع على إعادة اصطفاف استباقية، وتسرّع من مسارات التفكك، ثم يُقدَّم هذا التفكك نفسه دليلاً على صحة السردية.

هذه هي الوظيفة المدمرة لتلك السردية. فهي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله من خلال ضبط التوقعات والحسابات السلوكية. ومن هنا ينبع خطرها: ليس لأنها قد تكون خاطئة، بل لأنها حين تستقر في وعي جزء من النخبة، قد تتحول بذاتها إلى عامل من عوامل الأزمة. وعندئذ، يغدو الحديث عن "حلفاء غير موثوقين" أداة ضغط، وقد تتجاوز آثاره حدود أي قيود موضوعية على الدعم الخارجي.

ومهما كان شكل الشراكات الخارجية، فإن مآلات الأزمات الأفريقية ستتحدد في النهاية بمدى استعداد الأنظمة للتعايش مع حدود أي مساعدة خارجية، وتحمل مسؤولية الصمود بوصفه مهمة لا يمكن تفويضها إلى موسكو أو بكين أو غيرهما.

font change

مقالات ذات صلة