في ظل الديناميكيات الإقليمية المتسارعة التي أعقبت اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل/نيسان 2023، برزت أدوار المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر بوصفهما قوتين محوريتين في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، ليس من حيث الثقل السياسي والاقتصادي فحسب، بل أيضا من حيث إدراكهما العميق لمخاطر انهيار الدول المجاورة.
فخبرة العقد الماضي- من سوريا إلى ليبيا واليمن وقبلهما العراق والصومال- رسخت لدى الجميع في المنطقة قناعة مفادها أن تفكك الدولة الوطنية لا يبقى محصورا داخل حدودها، بل يتحول سريعا إلى تهديد عابر للحدود يتمثل في نمو شبكات الإرهاب، والهجرة غير النظامية، وتهريب السلاح والمخدرات، وتآكل سلاسل الإمداد، واضطراب الممرات التجارية والبحرية بالإضافة الي جحيم من المعاناة الإنسانية.
سيناريوهات التشرذم البنيوي، والتقسيم الجغرافي، والانزلاق إلى الفوضى الممتدة لا تنسجم مع التصورات الاستراتيجية ولا مع التوجهات السياسية المؤسسية للدول الكبرى ذات الرسوخ المؤسسي والتقاليد العميقة، كالسعودية ومصر، لأنها تدرك أن تفكك الدول في محيطها الإقليمي لا يُنتج فراغا محايدا، بل يولّد بيئات اضطراب مزمنة سرعان ما تنعكس على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. لهذا تبقى استراتيجيات التفكيك والتقسيم هي من شيم الصغار والفاعلين محدودي الأفق، الذين يراهنون على مكاسب ظرفية قصيرة الأمد.
غير أن هذا التوجه السعودي-المصري، الذي يمكن تسميته بـعقيدة الاستقرار، يواجه تحديا متزايدا يتمثل في سياسات جهات إقليمية تعمل- وفق تقارير أممية ودبلوماسية متعددة- على توظيف الفاعلين غير الحكوميين كأدوات نفوذ في مساحات الهشاشة السياسية، بما يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط ككل. وهذا ما يمكن أن نشاهده في حالة ميليشيا "الدعم السريع" في السودان، وفي جنوب اليمن، وفي شرق ليبيا وغيرها من المناطق المشتعلة التي تستثمر بعض الجهات الإقليمية هشاشتها لحصد مكاسبها من النفوذ والمغانم. وهو ما دفع بكل من السعودية ومصر لانتهاج سياسات أكثر وضوحا ومباشرة في سياق عقيدة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
الجغرافيا بوصفها قدرا استراتيجيا
لطالما شكّل السودان امتدادا جيوسياسيا مباشرا لكل من القاهرة والرياض. تمتد الحدود البرية بين مصر والسودان لمسافة تقارب 1,276 كيلومترا، ما يجعل الجنوب المصري مفتوحا على أي اضطراب أمني في الأراضي السودانية. أما بالنسبة للسعودية، فيمتد الساحل السوداني لنحو 853 كيلومترا، على الضفة المقابلة من البحر الأحمر مقابل الساحل السعودي الذي يتجاوز 1,760 كيلومترا (بما يجعل السودان صاحب ثاني أطول حدود بحرية مباشرة مع السعودية بعد اليمن التي تمتد حدودها مع السعودية لنحو 1,307 كيلومترات).
تستند القاهرة في مقاربتها للسودان إلى ثلاثة اعتبارات أساسية:
أمن الحدود الجنوبية ومنع تسلل السلاح أو المجموعات المسلحة. إذ يمتد الخط الحدودي بين مصر والسودان لنحو 1,276 كيلومترا، وهو امتداد صحراوي واسع وقليل الكثافة السكانية، لكنه عالي الحساسية من منظور أمني. هذه الطبيعة الجغرافية المفتوحة نسبيا تجعل أي انهيار مؤسسي في السودان مصدر قلق مباشرا، ليس فقط من زاوية تسلل الأفراد، بل من زاوية تشكل شبكات عابرة للحدود تشمل تهريب السلاح، الإتجار بالبشر، ومرور الجماعات المسلحة. وتجربة العقد الماضي في ليبيا شكّلت مرآة تحذيرية لصانع القرار المصري. فالفوضى الممتدة في الغرب الليبي انعكست عبر تدفقات سلاح ومقاتلين. ومن ثم فإن القاهرة تنظر إلى السودان عبر عدسة منع نشوء فراغ أمني جنوبي يضيف جبهة استنزاف جديدة إلى بيئة أمنية معقدة أصلا.

أمن حوض النيل، حيث يشكل السودان حلقة مركزية في معادلة تقاسم المياه، في ظل النزاع القائم حول سد النهضة الإثيوبي. فالسودان يشكل دولة الممر الأطول للنيل ويضم ملتقى النيلين: النيل الأزرق- النابع من إثيوبيا والذي يرفد مصر بنحو 55–60 في المئة من حصتها المائية– والنيل الأبيض في الخرطوم. ولذلك فإن السودان يمثل، عمليا، الطرف المرجح في أي تفاوض حول مياه النيل مع إثيوبيا. إضافة إلى ذلك، فإن الفوضى داخل السودان قد تهدد أمن البنية التحتية المائية ذاتها من سدود ومنشآت تنظيمية- وقد قصفت ميليشيا "الدعم السريع" بالفعل سد مروي وهو الأكبر في مجرى النيل في السودان خلال العام الماضي عدة مرات، ما يعيد تعريف النزاع بالنسبة لمصر كونه يشكل خطرا ماديا مباشرا على منظومة تدفق واستقرار المياه.
