غوستاف فلوبير والكتابة ضد البلاهة

موريس نادو يعيد قراءة مؤسس الرواية الحديثة

غلاف كتاب "غوستاف فلوبير: الكاتب"

غوستاف فلوبير والكتابة ضد البلاهة

ليس غوستاف فلوبير (1821 – 1880) مجرد واحد من كبار كتاب القرن التاسع عشر، كما يختزل غالبا. و"مدام بوفاري" و"التربية العاطفية"، اللتان يعرف من خلالهما، ليستا أفضل عملين في منجزه الروائي. هذان النفيان، إن دلا على شيء، فعلى أن معرفتنا بهذا الكاتب لا تزال منقوصة، ضحلة، على الرغم من مرور 146 عاما على رحيله، ومن غزارة الدراسات والأبحاث الجادة التي وضعت حوله.

الحقيقة التي يجهلها كثيرون هي أن فلوبير هو مؤسس الرواية الحديثة بلا منازع، ومرجع أدبي يتعذر تجاوزه. وهو، إلى ذلك، معلم في فن الكتابة، استبق بهواجسه الأسلوبية ومسيرته الأيديولوجية انشغالات السورياليين، باعتراف أندره بروتون نفسه، الذي لم يكن يكيل المديح بخفة، وعلى رغم نفوره من الكتابة الروائية عموما، عبر عن افتتانه بــ"سالامبو" و"تجارب القديس أنطونيوس".

لكن كم من القراء اليوم يستطيعون حقا الادعاء بأنهم قرأوا رائعتي فلوبير المذكورتين؟ الجواب البديهي عن هذا السؤال هو ما يبرر التوقف هنا عند البحث الذي وضعه عنه كاتب أفضل مدخل إلى تاريخ السوريالية، الناشر والناقد الفرنسي الكبير موريس نادو، الذي أشرف أيضا على إصدار أعمال فلوبير الكاملة.

بين السيرة والتاريخ الأدبي

في هذا البحث المرجعي، الذي عرف طبعات عدة منذ صدوره عام 1969، وها هو يصدر للمرة الأولى في طبعة جيب، يمزج نادو بين السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي لتسليط الضوء على التصورات التي كان فلوبير يحملها عن "مهنة الكتابة" و"الإبداع الأدبي". وعلى امتداد الصفحات، يقدم قراءة نافذة لكل نص من نصوصه. قراءة تنير مشروعه الكتابي في كليته، والعبقرية التي تقف خلفه.

لا يزال كتابه مرجعا سواء لمن يقترب من فلوبير للمرة الأولى، أو لمن لا يكتفي بقراءة أعماله، بل يسعى إلى فهمها في عمقها

منذ صدور هذا الكتاب للمرة الأولى، توالت الدراسات النقدية التي تناولت فلوبير وأعماله. وقد جاء معظمها ليؤكد تلك "الفكرة المحددة" التي كوّنها نادو عنه: عن كده، عن نظرته إلى إلحياة والفن والرواية، بل وأبعد من ذلك، عن ثمار هذا الكد والآفاق التي فتحها داخل حداثتنا. ولهذا لا يزال كتابه مرجعا سواء لمن يقترب من فلوبير للمرة الأولى، أو لمن لا يكتفي بقراءة أعماله، بل يسعى إلى فهمها في عمقها.

في هذا الكتاب، لا يدافع نادو عن أطروحة بعينها، ولا يدعي إنجاز عمل بحثي أكاديمي أو سيرة روائية. الذريعة الوحيدة لنشره هذا المؤلف هي الإعجاب الذي كنه لفلوبير، بعد معاشرة امتدت سنوات، وقراءات لا تحصى لأعماله ومراسلاته، انتهت به إلى تكوين فكرة واضحة وعميقة عنه، تشكلت شيئا فشيئا، وكذلك عن المشروع الذي كان يطمح من خلاله إلى أن يصير فنانا.

Photo by JOEL SAGET / AFP
الناشر والناقد الأدبي موريس نادو في باريس، 23 مايو 2006

إنجاز هذا المشروع، عبر كم هائل من التقلبات، ونوبات الغضب العاجز، وفترات طويلة من اليأس، بدا لنادو مثاليا بحيث اكتفى بسرده، من دون أن يسعى إلى فحص الدوافع التي حملت فلوبير على خوضه، إذ رآها افتراضات لا تسمح ببناء صورة حقيقية تماما لهذا الكاتب.

في هذا السياق، يكتب نادو: "من المغري جدا ألا نرى في فلوبير سوى ذلك البورجوازي الثائر الذي لجأ إلى الفن جبنا. لكن هذا التبسيط لا يختلف كثيرا عن محاولة تفسير أعمال مالارميه بكونها نتاج مسيرة معلم طالما تعرض لمضايقات تلاميذه، فكتب "أعمدة الحكمة السبعة" تكفيرا عن ذنب، طلبا للغفران من التاريخ". لذلك، يرى الناقد أن مصطلحات مثل "بورجوازي"، و"فنان"، و"ثوري"، ألفاظ هشة وغير ثابتة بما يكفي لإلصاقها بفلوبير واتخاذها مفاتيح وحيدة لفهمه.

ROBERT FRANCOIS / AFP
شخص يحمل صفحة من مخطوطة رواية "مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير في روان، 16 أبريل 2009

مع ذلك، يذكرنا بأن هذا الكاتب الذي نشأ في أسرة بورجوازية ليبيرالية مشبعة بروح فولتير، ظل طوال حياته عدوا شرسا لرجال الدين، ورفض منذ وقت مبكر أي اندماج في عالم الأطباء والمحامين والقضاة وكتاب العدل، أولئك المتواطئين، بوعي أو بغير وعي،  مع عبدة المنفعة الذين يقودون المجتمع: التجار، والصناعيين، والماليين، كما أعلن، منذ وقت مبكر أيضا، أنه لا ينوي أن يؤدي في هذا المجتمع أي دور، سوى أن يكون "سد فراغ".

الحقيقة العارية

في عبارة أخرى، "كان فلوبير يرغب في الانصياع لأعمق رغباته: أن يصبح كاتبا، لكن من دون الانغماس في التنازلات التي يستجلبها فعل الكتابة حين يغدو، بحكم الواقع، سلعة. لقد أقسم، على الأقل، ألا يقع في فخ البقالة الأدبية ولا في أناشيد أصحاب التفكير السليم"، يوضح نادو، مستحضرا قول فلوبير: "إذا ما شاركت يوما مشاركة فعالة في العالم، فسيكون ذلك بصفتـي مفكرا ومقوضا للأخلاق. لن أفعل سوى قول الحقيقة، لكنها ستكون فظيعة وقاسية وعارية".

إذا ما شاركت يوما مشاركة فعالة في العالم، فسيكون ذلك بصفتـي مفكرا ومقوضا للأخلاق. لن أفعل سوى قول الحقيقة، لكنها ستكون فظيعة وقاسية وعارية

وقد أوفى بوعده، فكانت النتيجة، بحسب نادو، أن اتهمه قضاة نابوليون الثالث والنقاد معا بأنه "يتمرغ في الوحل"، ويستخدم في مرسمه "النفايات" بدلا من الألوان، مدفوعا برغبة منحرفة في "تحقير ما يسمو" و"إطفاء ما يلمع": العلم، والموهبة، والوطنية، والاستقلال، والنبل، والحياء، والثروة الحلال، والأناقة الرفيعة، والفضائل الكبرى.

Photo by Sameer Al-DOUMY / AFP
"حجاب تانيت"، مجسّم أسطوري مستوحى من رواية "سلامبو" لغوستاف فلوبير، في متحف الفنون الجميلة بروان، 30 يونيو 2021

"لماذا، بحق السماء، أراد أن يكون "مفسدا للأخلاق"، يتساءل نادو. "أكان ذلك تأثرا بمثال الماركيز دو ساد؟ لا شك في أن فلوبير تعرف إلى ساد في وقت مبكر، وعرف أصدقاءه به، واستقى من أعماله دروسا في "الحكمة" و"الفلسفة"، كما في الفظائع الصغيرة. لكن "الماركيز الإلهي" لم يدخل محرابه الأدبي، فآلهته هم هوميروس عن العصور القديمة، وشكسبير عن الأزمنة الحديثة. وإلى جانب قلة من معاصريه، كان ينهل من مونتين ورابليه. وفي كل من أعجب بهم، كان يرى نموذجا لكتاب لم يساوموا الحقيقة ولم يزيفوها. وبعد انقضاء حمأة الرومنطيقية، أدرك أن قول الحقيقة عن عصره هو مهمته، إذا أراد أن يأمل في مضاهاتهم.

ROBERT FRANCOIS / AFP
شخص يحمل صفحة من مخطوطة رواية «مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير في روان، 16 نيسان 2009.

لكن بما أنه كان يعيش في عالم طغى عليه الزيف، عالم تباع فيه وتشترى كل الأشياء، بما في ذلك مظهر الفضيلة، عالم لا تسوده المنفعة وحدها، بل أيضا الامتثالية، والكذب، والغباء، عالم القوارض والضواري من أمثال السيد أومي (مدام بوفاري)، والأب روك (التربية العاطفية)، مقت هذا العالم، وتعزز اشمئزازه منه لأنه، على رغم تكونه من طبقات اجتماعية متباينة تتصارع في ما بينها، يقف كتلة واحدة ضد عدو مشترك: الفن والفنانين، حماة ما لا نفع منه.

هنا، يذكرنا نادو بأن فلوبير لم يكن يميز بين الكادح وصاحب المصنع، فكلاهما مروض على الاحتقار نفسه والضغينة نفسها إزاء كل ما يدل على حضور إنساني يتوق إلى الجمال والسلام والانسجام. الأول يفعل ذلك عن جهل، والثاني عن سوء نية، وفي الحالتين، تقدس القيم البرجوازية ذاتها. بالتالي، "إذا كان فلوبير يمقت الطبقة التي ينتمي إليها، فإنه كان يخشى، في الوقت نفسه، تلك الجماهير العمياء، المنساقة كالقطيع، التي ستبايع الأمير-الرئيس، وتسلم نفسها، موثوقة الأيدي والأرجل، إلى الطاغية".

لذلك، انعزل في منزله، وانغمس في فردانيته "المعادية لكل سلطة"، بحسب نادو، وهيأ الشروط للاحتفاء بالفن، في صحبة الموتى العظام الذين كان يبجلهم، وممارسة عبادته. لكن الهدف لم يكن "تقديم أضحية لإلهة مجردة تدعى "الجمال"، بل التصدي لعصره، وكشف عيوبه وتشوهاته بالمشرط والمبضع".

مراقبة الجسد الاجتماعي

ولا غرابة في ذلك، فمعلمه كان بلزاك، ومثله أراد فلوبير أن يستخلص، من مراقبة الجسد الاجتماعي، "مشاهد من حياة الأقاليم"، كما "مشاهد من حياة باريس". "لكنه مضى أبعد من مجرد جرد العادات ودراسة الأخلاق، إلى تلك المنطقة التي قادته إليها فلسفته التشاؤمية للحياة، وتمرده على "النظام" الاجتماعي، ورغبته في وضع تشخيص لا يعرف المساومة ولا المجاملة".

أما ما كان يعنيه فلوبير بـ"الجمال"، فلا يرتبط بنبل المواد - التي لا يمكن إلا أن تكون مبتذلة - بل بحسن استخدامها، وفق رؤية شاملة صائبة وضرورية، متناغمة، وقبل كل شيء، بكتابة تمنح الرواية، عبر معالجة غير مسبوقة للنثر، بعدا جديدا.

مؤسس الرواية الحديثة، ذاك الذي استدعاه كافكا وجويس وفوكنر، وسماه بعض الروائيين الجدد "المعلم"

هكذا، بنى فلوبير صرحا من النقد الاجتماعي والفلسفي والأخلاقي. ومن خلال إتقان فائق لكل أشكال السخرية، يعري المظاهر، ويمزج الشفقة بالتهكم، قوض القيم البورجوازية وهدم أسسها. وإلى ذلك، فإن حرصه على صوغ نثر يمتلك الكثافة الإيحائية للشعر جعله فنانا يضارع العظماء.

وإذ توج أبا للواقعية - التي كان يمقتها - وادعى روائيون كثر الانتساب إلى "منهجه"، فإنه في الحقيقة مؤسس الرواية الحديثة، ذاك الذي استدعاه كافكا وجويس وفوكنر، وسماه بعض الروائيين الجدد "المعلم".

Michal CIZEK / AFP
كتب فرانز كافكا معروضة في متجر سياحي في براغ، 19 أكتوبر 2007

ما يشدد عليه نادو، في هذا السياق، هو أن فلوبير "كان أول من أسقط ذلك التمييز الذي لا يزال حيا وضارا بين الشكل والمضمون، بين الفكرة ولباسها، مدركا أنهما لا ينفصلان، وأن أحدهما يفرز الآخر أو يستدعيه بوصفه تجليا له، فلا وجود لأحدهما من دون الآخر".

أما الأسلوب، وعلى رغم أنه ثمرة جهد شاق، فهو نقيض المصنوع أو المصطنع، لأن الكتابة عند فلوبير، بحسب نادو، هي "الاستسلام للموضوعي حتى الذوبان فيه، ثم العمل، بكد أليم وإصرار متعصب ومتفان، على ذلك المركب الذي غدا الشيء المستبطن، أو الأنا المخرجة، لكي يفصح عن ذاته مع الكلمة التي تمنحه الوجود". وفي هذا المعنى، "الأسلوب هو الحياة، هو دم الفكر نفسه"، من دون أن يكون في مقدورنا فهم تلك "الكيمياء المعجزة" التي تفجر في الكلمات عالما آخر، وطبيعة جديدة.

. (Photo by FRAN CAFFREY / NEWSFILE / AFP)
صورة غير مؤرخة للكاتب الإيرلندي جيمس جويس، مؤلف "عوليس"

قد يكون هذا حلما فنيا، بلا شك، لكنه "بعيد كل البعد عن التصور الضيق للفن حين يؤخذ على فلوبير رغبته في ألا يكون سوى فنان"، يوضح نادو، معتبرا أن الأمر يتعلق، بالأحرى، "بحلم مبدع، بالمعنى الحديث للكلمة، حلم خالق منخرط في عمله إلى حد يغدو معه سؤال ما إذا كان هذا العمل موجها إلى طبقة اجتماعية معينة سؤالا ساذجا. فلوبير كتب لكل من يملك القدرة على القراءة، بورجوازيا أكان أم كادحا". وقد قال: "ما يبدو لي أسمى ما في الفن – وأصعبه - ليس الإضحاك ولا الإبكاء، ولا إثارة الشهوة أو الغضب، بل التأثير على غرار الطبيعة، أي دفع القارئ إلى الحلم".

صرح يتحدى الزمن

هكذا، منح هذا العملاق الأدب والرواية غايتهما الأكثر ضرورة وفاعلية، في نظر نادو، ولذلك لا تزال أعماله "صرحا قائما يتحدى الزمن، متين البنيان، مرصوص الحجارة، نوافذه مفتوحة على العالم، لكنه عامر بالزوايا المعتمة. صرح مشيد ضد البلاهة، لا لمجرد السخرية منها أو الاستنكار لوجودها - فهي بلاهتنا نحن أيضا - بل لعزلها وتحجيمها، ولفتح فسحة حرية للرقة والحب والشفقة والإحساس بالجمال والحياة، لكل ما يجعلنا بشرا رغم كل شيء".

ويخلص نادو إلى أن أحدا لم يقدم مثالا أكثر نصاعة وعريا على بؤس الكتابة وعظمتها، وعلى سلطاتها الملتبسة، من مثل فلوبير. فـ"بفضل ملكة الإحساس بالأشياء حتى الهلوسة، والتماهي مع الشخصيات حتى المعاناة الجسدية من ألمهم، والنفاذ إلى الطبيعة الحميمة للحجر، والنمو مع النبات، والارتعاش في شعاع الشمس الذي ينير غرفة أو غابة صغيرة، وبفضل الموهبة التي صقلت بأناة ومشقة لإعادة خلق الحياة في تحولاتها المجهرية الداخلية، نجح فلوبير حتما في تحقيق طموحه: ابتكار أعمال فنية تفعل فعل الظواهر الطبيعية".

تمسك بمشروعه ببطولة، لكنه لم يفعل، كتابا بعد كتاب، سوى توسيع الفجوة التي كانت تفصله عن ذاته

الأسف الوحيد الذي يعبر نادو عنه في كتابه هو إخفاق فلوبير في بلوغ كينونته، ولو قليلا، من خلال هذا الإبداع: "لقد اندست الكتابة بينه وبين العالم كغريبة، وأعادته باستمرار، باسم الفن، إلى طبيعة ثانية ليست طبيعته، ولم يتعرف فيها إلى نفسه. لقد تمسك بمشروعه ببطولة، لكنه لم يفعل، كتابا بعد كتاب، سوى توسيع الفجوة التي كانت تفصله عن ذاته منذ سن السادسة عشرة".

 Photo by Sameer Al-DOUMY / AFP
لوحات مستوحاة من أعمال غوستاف فلوبير في متحف الفنون الجميلة بروان خلال معرض "سلامبو: غضب! شغف! فيلة!"

مع ذلك، لا يرى نادو في ذلك "ذنبا اقترفه فلوبير، فحتى العظماء الذين أتوا بعده دحرجوا الصخرة السيزيفية ذاتها". كل ما في الأمر أن "النشاط الفني، بوصفه شكلا من أشكال الخلاص، ليس أكثر جدوى من سائر الأنشطة البشرية. إنه يفضي فقط إلى أشياء أقل عرضة للفناء، جديرة بأن يبذل الإنسان لأجلها جهده وحياته. وفي هذا المعنى، يستحق فلوبير أن يبقى الكاتب النموذجي بامتياز".

font change