العراق... "عقدة المالكي" بين مباركة خامنئي ورفض ترمب

خياران كلاهما مرّ

رويترز
رويترز
صورة أرشيفية للبرلمان العراقي اثناء جلسة في 2022

العراق... "عقدة المالكي" بين مباركة خامنئي ورفض ترمب

بما أننا نعيش في أيام يحكم فيها الولايات المتحدة الأميركية الرئيس دونالد ترمب، فعلينا أن لا نستغرب من أي موقف يعلن عنه أو تصريح له يخص بلداننا في الشرق الأوسط. إلا أن إعلانه عبر منصته على "تروث سوشيال" رفضه اختيار "الإطار التنسيقي" نوري المالكي كمرشح لرئاسة الحكومة القادمة، وأن يذكره ترمب بالاسم ويصفه بأنه "خيار سيئ للغاية"، هو ما لم يكن في الحسبان ولم يخطر على تفكير السياسيين ولا المراقبين!

صحيح أننا مع دونالد ترمب لا يمكن أن ننتظر القرارات فقط عن طريق المؤسسات الرسمية، وقد تدخّل هذه المرة في اختيار رئيس الحكومة العراقية القادمة. وبعيداً عن التأويلات ونظرية المؤامرة، فإن هذا التدخل من أكثر المؤشرات جدية بشأن الرؤية الأميركية للتعامل مع الملف العراقي، بعد أن كان الكثير من "عباقرة" و"دهاة" السياسة في العراق، يتوقعون بأن ترمب لن ينشغل بالشأن العراقي وتفصيلاته.

صحيح أن بيانات الرفض وربما الاستنكار لتدخّل الرئيس الأميركي في اختيار المرشح لرئاسة الوزراء، كانت حاضرة. ولكن الاهتمام بصياغة كلماتها جاءت بلغة دبلوماسية ناعمة وبعيدة عن شعارات المواجهة. كما هي عادة خطاباتهم في رفض "الإملاءات الخارجية"، و"التدخلات في القضايا السيادية"، و"رفض الوصايا على إرادة العراقيين". ربما هم يدركون جدياً أن هذه الهتافات الحماسية لا تأتي بنتائج مع ترمب، ولن يقتنع بها الجمهور الذي شاهد في نشرات الأخبار كيف أرسل طائرات "B-2" لقصف المفاعلات النووية الإيرانية، وكيف اعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو اليوم يحشد قواته في الخليج العربي لتهديد إيران.

محنة "الإطار التنسيقي"

عندما اختار "الإطار التنسيقي" نوري المالكي كمرشح لرئاسة الحكومة التاسعة، كان الاختيار بالأغلبية وليس بإجماع قوى "الإطار". وكانت القوى التي تحفظت على اختيار المالكي تبدي تحفظها على استحياء، وكأنها تريد الحفاظ على شعرة معاوية بينها وبين المالكي المعروف بشخصنة الخصومة. ولكن بعد موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه ترشيح المالكي، بدأت الأصوات المعترضة تتعالى، من داخل قوى "الإطار" وخارجه.

بعد إعلان ترمب اعتراضه على ترشيح المالكي، باتت قوى "الإطار" المعترضة أكثر حيرة من قبل. إذ أصبحت خياراتها بين الاعتراض على مباركة خامنئي أو القبول برفض ترمب، والخياران كلاهما مرّ

إعلان ترمب اعتراضه على اختيار "الإطار التنسيقي"، استثمره جيداً تحالف "قوى الدولة" الذي يترأسه عمار الحكيم. فهو أول من سجل تحفظه على ترشيح نوري المالكي، من خلال مطالبته بضرورة أن يقترن هذا الاختيار بقبول الفضاء الوطني ومقبولية المحيط الإقليمي والدولي.

بيد أن مواقف قوى "الإطار التنسيقي" أصبحت أكثر حيرة، فاختيار نوري المالكي حظي بمباركة قائد جمهورية إيران الإسلامية علي خامنئي. ومن ثم، أحرج العناوين المتحفظة أو الرافضة لترشيح المالكي. وهذا ما يفسر عدم رفضها الصريح على ترشيحه، واكتفت بالتلميحات التي تؤشر جملة من الاعتراضات. لأن رفض مباركة المرشد الأعلى في إيران يعارض المبنى الأيديولوجي لمن يؤمن بولاية الفقيه المطلقة، ويعني أيضاً الخروج من عباءة الولاء والطاعة لخامئني، ومن يفعل ذلك عليه أن يتحمل عواقب الرفض التي ربما تكون خسارة الحضور السياسي.

أ.ف.ب
لوحة إعلانية تحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معروضة في وسط ميدان ولي عصر بطهران، في 13 يوليو 2025

مباركة خامنئي، ربما تكون قد رفعت حظوظ المالكي داخل "الإطار التنسيقي". بيد أنها لم تكن كذلك عند الأميركان، ولا عند محيط العراق الإقليمي الذي يريد استكمال مشروع إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة الذي بدأ بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

أما بعد إعلان ترمب اعتراضه على ترشيح المالكي، فقد باتت قوى "الإطار" المعترضة أكثر حيرة من قبل. إذ أصبحت خياراتها بين الاعتراض على مباركة خامنئي أو القبول برفض ترمب، والخياران كلاهما مرّ. فإيران لها سطوتها على ترتيبات البيت السياسي الشيعي، وخيار القفز من مركب طهران إلى مركب واشنطن لن يمر من دون عقوبة في حال تجاوزت إيران خطر تهديد الحرب. والعراق ليس لبنان ولا سوريا ولا حتى اليمن، ويمكن لساسة طهران أن يتقبلوا كسر دائرة نفوذهم في بغداد.

يمكن القول إن ما يجمع تحالف المعترضين على ترشيح المالكي، هو رفض تكليفه. لكن هذا التحالف لا يقف على أرضية صلبة يمكن لها أن تضعف حظوظ المالكي

ومن يرفع شعار الانتماء لمحور "المقاومة" وقائده، داخل قوى "الإطار التنسيقي". لا يعترض على مباركة قائد الجمهورية الإسلامية، ولكنه في الوقت ذاته يريد الاستثمار جيداً في موقف ترمب الرافض لترشيح نوري المالكي. وربما هذه البرغماتية السياسية قد تنجح في المناورة، ولكنها لا يمكن أن تكون بلا تكلفة يجب أن تدفع فاتورتها إذا تم تمرير المالكي رئيساً للوزراء أو ربما بعد أن تنجلي غبرة التهديدات بضربة عسكرية على إيران، وتعيد ترتيب أوراق حلفائها في بغداد. وقد تكون رابحة إذا نفذ ترمب تهديده بضربة عسكرية على إيران.

فرصة المالكي

لا يمكن الرهان على أن يمضي ترشيح المالكي بعد إعلان رفضه من قبل الرئيس الأميركي ترمب، ولكن ربما المالكي ومن يؤيد ترشيحه، يراهنان أيضاً على تغيير موقف ترمب. لأن فرضيات كثيرة كانت تشير بأصابع الاتهام إلى أن رفض الرئيس الأميركي يقف وراءه مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا الذي يعمل تحت تأثير لوبيات سياسية واقتصادية في العراق، والذي تداولت أخبار بإنهاء مهمته قبل أن يمارسها رسمياً في بغداد. وبتغيير سافايا يمكن للمالكي أن يعيد تسويق نفسه أميركياً وربما حتى عبر وسطات إقليمية.

داخلياً، يعد موقف محمد الحلبوسي رئيس حزب "تقدم" أكثر المواقف وضوحاً، وربما أكثرها صلابة في رفض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء. ومن بين قوى الإطار التنسيقي يعد موقف السيد عمار الحكيم والشيخ قيس الخزعلي كاسراً للإجماع السياسي الشيعي داخل "الإطار التنسيقي" الذي يمكن أن يسهل عملية تمرير رئيس الحكومة التاسعة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي يغادر بعد الإدلاء بصوته في مركز اقتراع ببغداد في 11 نوفمبر 2025 خلال الانتخابات البرلمانية العراقية

بيد أن تحالف المعترضين على ترشيح المالكي، يمكن القول إن ما يجمعه هو رفض تكليف نوري لمالكي. لكن هذا التحالف لا يقف على أرضية صلبة يمكن لها أن تضعف حظوظ المالكي في تشكيل حكومته إذا تجاوز رفض ترمب. إذ قد يقامر الحلبوسي ويذهب إلى نهاية الطريق، ويختار عدم المشاركة في حكومة يشكلها المالكي. حتى وإن كانت نتيجة هذا الموقف خسارة نفوذه السياسي مستقبلاً. أما عمار الحكيم وقيس الخزعلي فلا يدركان جيداً تكلفة خيار معاداة نوري المالكي، الذي يجيد الاستثمار في خصوماته السياسية حتى يتمكن من تجفيف محيطهم السياسي ومواردهم الاقتصادية.

تحالف السوداني-المالكي لن يقبل بمرشح تفرضه الأطراف الأخرى داخل "الإطار التنسيقي"، لا سيما من وقف بوجه وصول السوداني إلى مرحلة الترشيح لولاية ثانية أو من لم يصوتوا على تكليف المالكي

إذن، الصراعات السياسية الداخلية لا يمكن المراهنة عليها كثيرا لعرقلة تكليف المالكي برئاسة الحكومة التاسعة. وإنما العقدة الرئيسة في الرفض الأميركي. والمالكي يعمل على إرسال رسائل عبر تصريحاته الإعلامية وما ينشره عبر منصة "إكس" تريد أن تعطي انطباعا بأنه يتماهى مع الاشتراطات الأميركية للمرحلة القادمة، وأهمها "حصر السلاح بيد الدولة". وقد يقدم المالكي خارطة طريق تتضمن استراتيجيات الاحتواء أو المواجهة لتفكيك السلاح خارج سيطرة الدولة وتقليص شبكات النفوذ الإيراني، لتكون هي مفتاح الأبواب الأميركية المغلقة.

خيارات أخرى

أصبح الانسداد السياسي متلازما مع مرحلة ما بعد الانتخابات، وعلى خلاف التصريحات التي كانت تتحدث عن حكومة تتشكل بسرعة كبيرة بعد المصادقة على نتائج انتخابات 2025. ورغم الإصرار على ضرورة احترام التوقيتات الدستورية باختيار الرئاسات الثلاث، فإن الخلاف الكردي-الكردي بشأن رئاسة الجمهورية ثبّت العرف السياسي الذي يتجاوز الدستور بانتظار التوافقات السياسية.

ربما يستفيد "الإطار التنسيقي" كثيراً من هذا التأخير، في مناقشة خيار التمسك بالمالكي مرشحاً لرئاسة الحكومة القادمة أو الذهاب نحو خيارات أخرى. لكن أي مناقشة جدية لهذا الموضوع يبدو أنها غير مطروحة بجدية على طاولة حوارات "الإطار التنسيقي".

وليس من السهولة تصور أن شخصية مثل المالكي تتنازل بسهولة عن ترشيحها لرئاسة الوزراء، لا سيما أن هذه الفرصة تأتي بعد انتظار 12 عاماً من مغادرة كرسي رئاسة الحكومة. وأيضاً، لا أحد الآن يطرح موضوع التنازل بصراحة ووضوح. وإذا لم يُحسم منصب رئيس الجمهورية وينال الثقة من مجلس النواب، فلن تبدأ النقاشات الجدية بشأن تكليف المالكي أو البحث عن بديل له.

وإن حدث التنازل، فاحتمالية التوافق على شخصية أخرى ليست بالمهمة السهلة. إذ إن تحالف السوداني-المالكي لن يقبل بمرشح تفرضه الأطراف الأخرى داخل "الإطار التنسيقي"، لا سيما من وقف بوجه وصول السوداني إلى مرحلة الترشيح لولاية ثانية أو من لم يصوتوا على تكليف المالكي. وعليه سيكون موقفهم أكثر تصلباً أمام أسماء مرشحي التسوية الذين تقدمهم القوى الإطارية الأخرى.

وستكون المرحلة القادمة تعبيراً عن معركة كسر الإرادات داخل "الإطار التنسيقي"، بين من يريد أن يأتي برئيس وزراء يكون خاضعاً لإرادة من يأتي به من قيادات "الإطار" أصحاب الأوزان الانتخابية الأقل. ومن يريد أن يأتي برئيس وزراء قوي يعبر عن إرادة القوى التي تملك المقاعد الأكثر داخل "الإطار". ويكون قادرا على الوقوف بوجه تغول القوى الصاعدة، وتقليص دوائر نفوذها السياسي وسطوتها الاقتصادية، وتحجيمها مستقبلاً.

font change

مقالات ذات صلة