لا يمكن قراءة قرار الحكومة الإسرائيلية إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفه إجراء قانونيا جديدا، ولا حتى بوصفه تصعيدا أمنيا ضمن سياق حرب مستمرة. فمثل هذه القراءة تبقي القرار في مستوى الحدث، بينما ما نحن أمامه هو تحول بنيوي في وظيفة القانون ذاته. هنا لا يعمل القانون كأداة لضبط العنف أو الحد منه، بل كوسيلة لإنتاجه، وتكثيفه، ودفعه في اتجاه تطرف أكبر.
ما يميز هذا التحول ليس فقط ما ينص عليه القرار، بل المنطق الذي يحمله: منطق لا يتعامل مع الأسير كذات قانونية، بل كجسد فائض، كحمل زائد على النظام، ووجود لا يمكن احتواؤه إلا عبر محوه. في هذا السياق لا يعتبر الإعدام عقوبة على فعل، وإنما هو حل سياسي مشبع بالعنف لمشكلة الوجود نفسه.
من هنا، يصبح من غير الممكن فهم قرار إعدام الأسرى بمعزل عن سياق الإبادة القائمة والمستمرة، فهو يمثل انتقال الإبادة من فضائها المفتوح، حيث تمارس بالقصف والتجويع والتدمير، إلى فضائها المغلق: جسد الأسير ذاته. انتقال من قتل جماعي صاخب إلى قتل فردي صامت، من إبادة ترى إلى إبادة تدار.
الإعدام ليس عقوبة
تفترض العقوبة، في معناها القانوني الكلاسيكي، وجود أفق ما: إصلاح، ردع، أو حتى إعادة إدماج مشروط. فهي تقوم نظريا على الاعتراف بالفاعل بوصفه ذاتا قانونية تخضع للضبط والردع والتهذيب. أما الإعدام، كما يطرحه الاحتلال الاسرائيلي في سياق الأسرى الفلسطينيين، فلا ينتمي إلى هذا الأفق. إنه لا يعاقب فعلا، ولا يسعى إلى "تقويم سلوك"، بل يعمل على إلغاء الوجود نفسه. من هنا، لا يمكن فهمه بوصفه عقوبة، وإنما فعل محو.
الإعدام هنا لا يجسد نهاية لمسار قانوني، بل ذروته المنطقية. فقبل الوصول إلى لحظة القتل، يكون الأسير قد خضع لمسار طويل من التفريغ التدريجي: تجويع، تعذيب، إهمال طبي، عزل، استنزاف، وإلغاء للاسم والزمان والعلاقة بالعالم. وعليه، لا يعود الإعدام حدثا منفصلا، إذ يصبح استكمالا لمسار بدأ منذ لحظة الاعتقال. مسار لا يستهدف الجسد دفعة واحدة، بل يستنزفه، يضعفه، ويعيد تشكيله كجسد قابل للمحو.
تباعا، يتحول السجن من فضاء احتجاز، حتى في أكثر صوره قمعا، إلى فضاء قتل مؤجل. وفي سياقه لا ينظر الى السجن كمكان لتعليق الحياة، بل مكان لإدارتها نحو نهايتها. والزمن داخل السجن لا يعود زمن انتظار أو محاكمة، يصبح زمن استهلاك بطيء للجسد. الإعدام أيضا ليس قفزة مفاجئة، بل يصير لحظة أخيرة واستكمالا لسلسلة متصلة من نزع الحياة.





