من السجن إلى المقصلة... كيف تستكمل الإبادة داخل الجسد الأسير

حين يصبح إلغاء الجسد موازيا لإلغاء الذاكرة والوجود

HAZEM BADER / AFP
HAZEM BADER / AFP
جنود إسرائيليون يقيّدون معتقلا فلسطينيا خلال دهم في دورا جنوب الخليل، 31 أكتوبر 2024

من السجن إلى المقصلة... كيف تستكمل الإبادة داخل الجسد الأسير

لا يمكن قراءة قرار الحكومة الإسرائيلية إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفه إجراء قانونيا جديدا، ولا حتى بوصفه تصعيدا أمنيا ضمن سياق حرب مستمرة. فمثل هذه القراءة تبقي القرار في مستوى الحدث، بينما ما نحن أمامه هو تحول بنيوي في وظيفة القانون ذاته. هنا لا يعمل القانون كأداة لضبط العنف أو الحد منه، بل كوسيلة لإنتاجه، وتكثيفه، ودفعه في اتجاه تطرف أكبر.

ما يميز هذا التحول ليس فقط ما ينص عليه القرار، بل المنطق الذي يحمله: منطق لا يتعامل مع الأسير كذات قانونية، بل كجسد فائض، كحمل زائد على النظام، ووجود لا يمكن احتواؤه إلا عبر محوه. في هذا السياق لا يعتبر الإعدام عقوبة على فعل، وإنما هو حل سياسي مشبع بالعنف لمشكلة الوجود نفسه.

من هنا، يصبح من غير الممكن فهم قرار إعدام الأسرى بمعزل عن سياق الإبادة القائمة والمستمرة، فهو يمثل انتقال الإبادة من فضائها المفتوح، حيث تمارس بالقصف والتجويع والتدمير، إلى فضائها المغلق: جسد الأسير ذاته. انتقال من قتل جماعي صاخب إلى قتل فردي صامت، من إبادة ترى إلى إبادة تدار.

الإعدام ليس عقوبة

تفترض العقوبة، في معناها القانوني الكلاسيكي، وجود أفق ما: إصلاح، ردع، أو حتى إعادة إدماج مشروط. فهي تقوم نظريا على الاعتراف بالفاعل بوصفه ذاتا قانونية تخضع للضبط والردع والتهذيب. أما الإعدام، كما يطرحه الاحتلال الاسرائيلي في سياق الأسرى الفلسطينيين، فلا ينتمي إلى هذا الأفق. إنه لا يعاقب فعلا، ولا يسعى إلى "تقويم سلوك"، بل يعمل على إلغاء الوجود نفسه. من هنا، لا يمكن فهمه بوصفه عقوبة، وإنما فعل محو.

الإعدام هنا لا يجسد نهاية لمسار قانوني، بل ذروته المنطقية. فقبل الوصول إلى لحظة القتل، يكون الأسير قد خضع لمسار طويل من التفريغ التدريجي: تجويع، تعذيب، إهمال طبي، عزل، استنزاف، وإلغاء للاسم والزمان والعلاقة بالعالم. وعليه، لا يعود الإعدام حدثا منفصلا، إذ يصبح استكمالا لمسار بدأ منذ لحظة الاعتقال. مسار لا يستهدف الجسد دفعة واحدة، بل يستنزفه، يضعفه، ويعيد تشكيله كجسد قابل للمحو.

تباعا، يتحول السجن من فضاء احتجاز، حتى في أكثر صوره قمعا، إلى فضاء قتل مؤجل. وفي سياقه لا ينظر الى السجن كمكان لتعليق الحياة، بل مكان لإدارتها نحو نهايتها. والزمن داخل السجن لا يعود زمن انتظار أو محاكمة، يصبح زمن استهلاك بطيء للجسد. الإعدام أيضا ليس قفزة مفاجئة، بل يصير لحظة أخيرة واستكمالا لسلسلة متصلة من نزع الحياة.

يتحول السجن من فضاء احتجاز، حتى في أكثر صوره قمعا، إلى فضاء قتل مؤجل. وفي سياقه لا ينظر الى السجن كمكان لتعليق الحياة، بل مكان لإدارتها نحو نهايتها

وبالنظر الى الأمر من منطق أوسع: حين تتعذر الإبادة أو يصعب إتمام أهدافها في الحيز العام، يعاد إنتاجها في الحيز المغلق. حين تفشل آلة القتل في إنهاء الفلسطيني جماعيا، أمام الكاميرات، ورغم ضغط الرأي العام، تنسحب الإبادة إلى الداخل، إلى الأماكن غير المرئية، إلى الزنازين. هناك، يعاد تعريف الجسد الأسير بوصفه موقعا بديلا للإبادة، ومسرحا صامتا لاستكمالها.

BASHAR TALEB / AFP
عائلة ترافق شابا فلسطينيًا محررا بعد وصوله إلى خان يونس، 2 ديسمبر 2025

وعليه، لا يقرأ قرار الإعدام بوصفه إجراء استثنائيا، بل باعتباره نقلا لوظيفة الإبادة من الجغرافيا المفتوحة إلى الجسد الفردي، من تدمير المدن إلى تصفية الأجساد، من القصف الجماعي إلى القتل الإداري. الإبادة لا تتوقف، إنها تغير شكلها فحسب.

الحقد السياسي

في المنطق الاستعماري، لا ينظر إلى الأسير باعتباره إنسانا منزوع الحرية، بل فائض خطر. خطر لا يكمن في ما يستطيع فعله وحسب، بل في كونه لا يزال موجودا. وجوده حيا، حتى وهو مقيد، يمثل خللا في منظومة السيطرة، وشقا مفتوحا في سردية الدولة عن الهيمنة الكاملة. لذلك، قد لا يقاس الأسير في نظرهم بما ارتكبه، بقدر ما يقاس بما يذكّر به: فشل السيطرة في لحظة ما، واستمرار هذا الفشل طالما ظل الجسد حيا. من هنا، لا يأتي قرار الإعدام نتيجة جريمة، إنما نتيجة عجز. عجز الدولة عن كسر الإرادة، عن تحويل الأسير إلى كائن مطواع أو منسي، عن إفراغ وجوده من المعنى. حين تفشل أدوات السيطرة، كالسجن والعزل والتعذيب والإهمال، في تحقيق الإخضاع الكامل، يستدعى القتل بوصفه الأداة الأخيرة. ليس كعقوبة، وإنما باعتباره حلا سياسيا لمشكلة استعصت على الضبط.

BASHAR TALEB / AFP
عناق بين أسير فلسطيني محرر وأسرته لدى وصوله إلى خان يونس، 2 ديسمبر 2025

هنا يأتي البعد الأكثر خطورة للإعدام، إذ أنه من فائض حقد، أكثر مما من فائض قوة. حقد سياسي لأن الأسير يذكّر الدولة بهزيمتها الرمزية، بحقيقة أن العنف لم ينجح في إنتاج الطاعة الكاملة. حقد وجودي لأن الفلسطيني، حتى وهو مكبل، لا يزال شاهدا على الجريمة، وعلى الاستعمار، وعلى هشاشة الادعاء الأخلاقي. وجوده يتجاوز الحيز البيولوجي، ليصبح ذاكرة حية لا يمكن ضبطها بالكامل ولا يمكن هزيمتها.

AFP
طاقم مجمّع ناصر الطبي يفرغ جثامين أسرى فلسطينيين أعيدت ضمن صفقة تبادل في خان يونس، 31 أكتوبر 2025

بالتالي تجد آلة القوة العسكرية الإسرائيلية في الإعدام محاولة لإغلاق هذا الشق المفتوح. ليس عبر إنهاء حياة فرد وحسب، بل عبر محو ما يحمله هذا الجسد من إمكان الشهادة. فالجسد الأسير لم يعد جسدا محايدا، إنما تحول الى مخزن للذاكرة، حامل للتجربة، وإمكان سرد مؤجل. قتله يعني تعطيل هذا الإمكان قبل أن يتحول إلى رواية، إلى شهادة، إلى خطاب قادر على اختراق السردية الرسمية لاحقا.

حين تفشل أدوات السيطرة، كالسجن والعزل والتعذيب والإهمال، في تحقيق الإخضاع الكامل، يستدعى القتل بوصفه الأداة الأخيرة

يمكن القول إن الإعدام يعمل ضمن ثلاثة مستويات متداخلة: محو الشاهد، محو الذاكرة، ومحو إمكان السرد لاحقا. إنه ليس قتلا لجسد معزول، بل محاولة لإعادة ضبط الزمن السياسي نفسه، عبر منع المستقبل من أن يسمع ما حدث في الماضي. فالشهادة، في جوهرها، تتجاوز فعل الكلام، إلى استمرار الجسد نفسه بوصفه أثرا حيا. لذلك، يصبح قتل الأسير محاولة لقطع هذا الاستمرار، وإغلاق الدائرة عند نقطة الصمت. في هذا المعنى، لا يمكن فصل الإعدام عن الخوف. خوف الدولة من الجسد الذي لم يكسر، ومن الذاكرة التي لم تمح، ومن الشاهد الذي لم يتكلم بعد. وحين يتحول الخوف إلى سياسة، يصبح القتل لغة. لا لغة العدالة، بل لغة الحقد الذي لم يجد وسيلة أخرى للتعبير عن نفسه.

HAZEM BADER / AFP
آليات عسكرية إسرائيلية قرب سجن عوفر قبيل الإفراج عن أسرى فلسطينيين ضمن صفقة تبادل، 13 أكتوبر 2025

حين يصبح القتل إجراء إداريا

ما يكشف خطورة قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس فقط مضمونه، بل بنيته الإجرائية. فالتفاصيل المحيطة به، التي كشفت عنها مصلحة السجون الإسرائيلية اخيرا، وشملت تدريب الطواقم، وتشكيل لجان مختصة، وتحديد جداول زمنية للتنفيذ، والاستعانة بتجارب "نموذجية" من دول أخرى، تشير إلى تحول نوعي في منطق العنف، من كونه فعلا بحد ذاته إلى ممارسة مدارة. لا يعود القتل فعل خرق للنظام، إنما يصبح جزءا من نظامه وسيرورته.

 BASHAR TALEB / AFP
أحد أفراد العائلة يحتضن أسيرا فلسطينيا محررا لدى وصوله إلى خان يونس، 2 ديسمبر 2025

هذا التحول هو ما وصفته حنة آرندت بـ"تفاهة الشر": الشر الذي لا يرتكب بدافع الكراهية المباشرة أو السادية، بل من خلال الطاعة، والامتثال، وتنفيذ الأوامر. يختبئ القاتل خلف ستار وسلسلة من الإجراءات القانونية، على حد وصفه، كي يخفف وطأة الشعور بالذنب أو ثقل فكرة القتل وعبئها. بالنسبة إليه يصير الأمر كأنه لا يحتاج للتحول إلى جلاد متوحش، يكفي أن يصنف نفسه كموظف يؤدي مهمته. هنا القاتل لا يرى نفسه قاتلا، بل هو منفذ لإجراء قانوني. الشر هنا لا يصرخ، بل يعمل بصمت من داخل النظام وباسمه.

Omar AL-QATTAA / AFP
حافلات تقلّ أسرى فلسطينيين محررين تصل إلى مستشفى ناصر في خان يونس، 13 أكتوبر 2025

لكن هذا التطبيع يتجاوز مسألة تفريغ الفعل من شحنته الأخلاقية، ليتعلق بطبيعة السلطة ذاتها. كما يبين ميشال فوكو، لم تعد السلطة الحديثة تمارس فقط عبر القتل المباشر، بل عبر التحكم بالحياة: تنظيمها، ضبطها، وتقرير من يستحق أن يعيش. غير أن ما نشهده هنا هو انزلاق إضافي: فالسلطة لا تكتفي بإدارة الحياة، بل تعيد إدخال الموت بوصفه أداة مشروعة ضمن منظومة التحكم والإدارة.

الأخطر في هذا السياق هو فكرة نزع الاستثناء عن الإعدام، ما يعني أن يفقد القتل حده الأخلاقي. فالإعدام، الذي كان يقدم بوصفه أقصى العقوبات وأكثرها خطورة، يعاد تقديمه كخيار إداري قابل للتفعيل

الأخطر في هذا السياق هو فكرة نزع الاستثناء عن الإعدام، وهو ما يعني أن يفقد القتل حده الأخلاقي. فالإعدام، الذي كان يقدم بوصفه أقصى العقوبات وأكثرها خطورة، يعاد تقديمه كخيار إداري قابل للتفعيل. لا يعود لحظة صادمة، بل احتمال دائما. ما يقتل هنا ليس الجسد وحسب، وإنما القدرة على الصدمة نفسها أيضا، التي بغيابها يتم تطبيع الاعدام دون مرجعية أخلاقية.

font change