هل تنجح أميركا بالتطبيع بين الجزائر والمغرب... وانهاء "نزاع الصحراء"؟

تصطدم واشنطن بواقع على الأرض غير مساعد

أ ف ب
أ ف ب
صورة التُقطت من منطقة وجدة المغربية تُظهر حرس الحدود الجزائريين وهم يقومون بدوريات على طول الحدود مع المغرب في 4 نوفمبر 2021.

هل تنجح أميركا بالتطبيع بين الجزائر والمغرب... وانهاء "نزاع الصحراء"؟

تمر منطقة المغرب العربي بمرحلة دقيقة من تاريخها الحديث، تُعتبر الأكثر تحولا منذ نصف قرن. وقد تُؤدي إلى تغيّرات جيوستراتيجية، وتفرز خارطة توازنات سياسية وأمنية جديدة، في غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.

وتبدو هذه المتغيرات مرتبطة بمشاريع تأسيس نظام عالمي جديد، يقوم على التعددية، والقوى الإقليمية الصاعدة، بدأها الرئيس دونالد ترمب بمبادرات "سلام القوة" في عدد من النزاعات. وتعتقد الإدارة الأميركية أن نزاع شمال أفريقيا، هو مفتاح استقرار وازدهار لمنطقة توازي مساحة الولايات المتحدة، وتزخر بالمعادن الحيوية والنادرة، والطاقات المختلفة، وتقع على ممر الملاحة التجارية العالمية.

لكن واشنطن تصدم بواقع على الأرض غير مساعد، يعكسه الفتور والتوتر في العلاقات بين الجزائر والمغرب، هو الأكثر سوءا منذ عقود، وتتجلى تداعياته في سباق رهيب للتسلح، قدره "معهد السلام الدولي" في استكهولم بنحو 60 مليار دولار عام 2026. وهو "خط أحمر"، كما كتبت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، تتفق عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. وترى في "مزيد من التسلح الجزائري تمويلا غير مباشر لحرب روسيا في أوكرانيا". وتقود الولايات المتحدة مدعومة من الأمم المتحدة، ودول أوروبية وعربية أخرى، مساعي مفاوضات مباشرة للتوصل إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب في صراع المغرب العربي. عبر تنزيل قرار مجلس الأمن الدولي 2797، المصادق عليه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وينص على منح سكان الصحراء الغربية حكما ذاتيا تحت سيادة المغرب.

اجتماع مدريد وبداية الحل

واستضافت السفارة الأميركية في مدريد مؤخرا، أول طاولة مفاوضات مباشرة في عهد الرئيس ترمب في حضور الفرقاء الأربعة المعنيين: (وزراء خارجية الجزائر والمغرب وموريتانيا وممثل جبهة بوليساريو). ورأس الاجتماع مستشار ترمب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في حضور الممثل الأممي للصحراء ستيفان دي ميستورا، ووزير خارجية أسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، باعتبار بلاده المستعمر السابق للإقليم. وأعلنت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة في بيان، أن "وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة قامت بتيسير مناقشات في مدريد، في إطار متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) المتعلق بقضية الصحراء، وفق مقاربة تقوم على الحوار بين الأطراف المعنية".

المبادرات المغربية في دول الساحل الأفريقي، لربطها بالموانئ المغربية في الصحراء، وإطلاق مشروع أفريقيا الأطلسية، تتوافق مع المصالح الأميركية في القارة الأفريقية

وخلال الاجتماع تم الاتفاق على إحداث لجنة تقنية تتولى دراسة المبادرة المغربية، خاصة الجوانب المرتبطة بالأمن والضرائب والقضاء وغيرها. وكتبت صحيفة "أل باييس" الأسبانية أن الرباط وبوليساريو "وافقتا على خارطة طريق إجرائية قدمتها الإدارة الأميركية، لإبرام اتفاقية إطار شامل في مايو/أيار المقبل". وكتبت الصحافة الأسبانية: "إن الهدف الأميركي من المحادثات هو التوصل خلال فترة 3 أشهر إلى اتفاق إطار يتم توقيعه في واشنطن لإنهاء النزاع"، ويشمل في تفاصيله أيضا تطلعا لـ"تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب، يشمل إعادة فتح الحدود المغلقة منذ 1994، وتشغيل أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، واستئناف النشاط الجوي للرحلات التجارية". ويعتقد مراقبون أن الإدارة الأميركية في عجلة من أمرها لتسوية نزاع دول المغرب العربي، وتعتبره مساعدا على تسوية ملفات أخرى في الشرق الأوسط ودول الساحل وبقية العالم.

رويترز
مسعد فارس بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، خلال مؤتمر لدعم السلام والازدهار في منطقة البحيرات الكبرى، في باريس، فرنسا، في 30 أكتوبر 2025.

ورغم التكتم حول مخرجات المؤتمر، نُقل القول عن مسعد بولس إن "إنهاء نزاع شمال أفريقيا يشكل هدفا استراتيجيا للأمن القومي الأميركي". وهو تعبير تردد أكثر من مرة، وعلى لسان أكثر من مسؤول في الإدارة الحالية. يُستشف منه أن دول المغرب العربي أصبحت ضمن الرادار الأميركي، لوضع حد لمشكل الصحراء بين الجزائر والمغرب قبل نهاية العام. لأنه مفتاح حل الأزمة الليبية، ونزع فتيل الحرب في دول الساحل، وتقليص الوجود الروسي والصيني (أمنيا واقتصاديا) في مجموع المنطقة. والتحكم مستقبلا في الثروات المعدنية، من خلال "مبادرة المعادن النادرة" التي أطلقها وزير الخارجية ماركو روبيو الأسبوع الماضي من واشنطن، وهي تكملة لـ"مجلس مبادرة السلام" حول الشرق الأوسط التي أعلنها الرئيس ترمب من دافوس في سويسرا مطلع العام.

وقال محللون: "إن المبادرات المغربية في دول الساحل الأفريقي، لربطها بالموانئ المغربية في الصحراء، وإطلاق مشروع أفريقيا الأطلسية، تتوافق مع المصالح الأميركية في القارة الأفريقية. وهو مشروع يعمل من أجله ستيف ويتكوف ومسعد بولس مساعدا الرئيس ترمب لجعل أميركا قوية من جديد".

اجتماع ثانٍ مرتقب في واشنطن

وضرب مسعد بولس موعدا لاجتماع ثانٍ في واشنطن مايو المقبل، للتوقيع على الصيغة النهائية لبداية تنزيل خطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وقالت الإدارة الأميركية إن "دراسة تفاصيل المبادرة المغربية تدخل حصرياً ضمن اختصاص اللجنة التقنية التي ترأسها واشنطن"، لتجنب تدخل أي طرف آخر، أو تغيير مسار المفاوضات. وأوضح بولس، في تدوينة على منصة "إكس"، أن التوجه الأميركي يستند على الأولويات السياسية للإدارة الحالية، ويدعم المبادرات الجدية الرامية للتوصل إلى تسوية سياسية نهائية، وإرساء سلام مستدام وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستقرار الإقليمي. وأضاف أن "موقف واشنطن واضح وثابت، وداعم لحل سياسي يرتكز على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لإنهاء النزاع الطويل".

هناك فريق آخر يدعم خطة مسعد بولس داخل الإدارة الأميركية، يدرك أهمية الجزائر في المنطقة، ويرغب في منحها هامشا من المناورة في الخطاب الإعلامي لإنقاذ ماء وجهها

ترى الجزائر في الاندفاع الأميركي نحو الحل السياسي بالطريقة المعروضة في المفاوضات الحالية، انسياقا غير متوازن، يخدم مصالح المغرب في المنطقة، ويعزز مكانتها كقوة إقليمية على حساب جيرانها. وهو ما يجعلها في وضعية صعبة أمام جمهورها الداخلي، في ظل واقع جيوسياسي جديد، تفرضه القوى العظمى، بعد سقوط حلفاء "ممانعين" أو تراجع نفوذهم، من فنزويلا وكوبا إلى "حزب الله" وإيران. ويعتقد محللون أن الجزائر تسعى لكسب رهان الوقت، إلى حين حدوث تغيير في الإدارة الأميركية، أو تبدل في التوازنات الجيوسياسية. خاصة أن تكتل الاتحاد الأوروبي في اجتماعه الشهر الماضي في بروكسل دعم وجهة نظر الرباط بشأن قضية الصحراء. وترى بروكسل ومعها "الحلف الأطلسي" أن الأسلحة التي باتت متوفرة في جنوب البحر الأبيض المتوسط تمثل تهديدا وجوديا لدولها، مع تنامي خطاب العداء والتطرف في الاتجاهين، بعد الأزمة الحالية بين الجزائر وفرنسا.

أ ف ب
يلوح المغاربة بالأعلام الوطنية خلال إحياء ذكرى ما يسمى بالمسيرة الخضراء لعام 1975، عندما سار 350 ألف مغربي إلى حدود ما كان يُعرف آنذاك بالصحراء الإسبانية للضغط على مدريد لتسليم الإقليم، في ساحة المشوار في العيون، 6 نوفمبر 2025.

وعلى الرغم من قوة الدفع الأميركية، ما زالت مواقف جبهة البوليساريو والجزائر تشكل حجر عثرة أمام تسريع وتيرة الحل السياسي في المنطقة المغاربية، وفق المراقبين. وتشير تسريبات من اجتماع مدريد أن الوفد الجزائري اعتذر عن أخذ صورة جماعية للمفاوضات، وانسحب من الباب الخلفي للسفارة لتجنب عدسات الصحافيين. وقال الإعلامي الجزائري وليد كبير على منصة "فيسبوك"، إنه حصل على معلومات من مصادر رسمية تفيد بأن "الرئيس عبد المجيد تبون أبلغ المستشار الأميركي مسعد بولس خلال لقائهما الأخير، موافقة الحكومة الجزائرية على القرار 2797"، الذي يمنح الصحراويين حكما ذاتيا تحت سيادة المغرب، و"استعداد الجزائر الانخراط في مسلسل الطاولات المستديرة لتسهيل التوصل إلى الحل الأممي". لكن الوضع الداخلي- يقول المدون الجزائري- يحتاج إلى فترة لاستيعاب التحولات الجيوسياسية "خوفا من ردود فعل محلية، بسبب كلفة دعم جبهة بوليساريو على حساب التنمية". مما يضع النظام بين سندان المحاسبة الشعبية، ومطرقة العم ترمب.

مواقف جامدة تعرقل جهود الحل الأميركية

من يتابع الدبلوماسية الأميركية يرى أنها تسير بخطتين متوازيتين: واحدة يقودها ستيف ويتكوف تقوم على تحديد وتصنيف الأصدقاء والخصوم، وتسريع التسويات الأمنية، وتقوية الروابط الاستراتيجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية، تشمل المغرب ودول الخليج ومصر والأردن، خاصة مع احتمال مواجهة "عسكرية" ضد خصم عنيد مثل إيران.

وهناك فريق آخر يدعم خطة مسعد بولس داخل الإدارة الأميركية، يدرك أهمية الجزائر في المنطقة، ويرغب في منحها هامشا من المناورة في الخطاب الإعلامي لإنقاذ ماء وجهها. ويعتقد هذا الفريق أن الرئيس تبون قد يكون تحت ضغط جناح عسكري متشدد داخل النظام، له مواقف سلبية من المغرب، ليست قضية الصحراء هي سببها الحقيقي. ويرى هذا الفريق أهمية الحفاظ على تواصل المصالح الأمنية والاقتصادية، ودعم جناح "عسكري" معتدل في مرحلة لاحقة.

تشكل حاليا بعض المناطق الحدودية التي تمتد 1559 كيلومترا من البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء، نقاط تماس بين المغاربة والجزائريين، تستغلها بعض الأطراف، لأعمال استفزازاية، والتشويش على مفاوضات السلام

وفي المقابل عبر عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون في رسالة إلى الرئيس ترمب عن امتنانه لجهوده في تعزيز السلام بين المغرب والجزائر، والدور الهام الذي يقوم به المبعوث الخاص ستيف ويتكوف في المنطقة. وكتب في تدوينته: "إن المستقبل الواعد للجزائر مرهون بعلاقة قوية مع واشنطن، والتخلي عن جبهة بوليساريو"، التي قال إنها "تسعى لزعزعة استقرار المنطقة".

ويستعد صقور في الكونغرس الأميركي لطرح مقترح قانون لتصنيف الجناح العسكري لجبهة بوليساريو "جماعة إرهابية"، في حال فشلت المفاوضات. وهذا موقف صعب تتجنبه الجزائر بكل الوسائل، حتى لا تُصنف "دولة مارقة".

"المينورسو" في مهب الريح

ويعتقد مراقبون أن اجتماع مجلس الأمن الدولي شهر أبريل/نيسان المقبل حول مستقبل "بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية" (مينورسو) سيكون حاسما ومفصليا. بعد توقف بعض الدول المانحة عن التسديد، واتجاه واشنطن نحو استبدالها بـ"اللجنة التقنية لتنزيل الحكم الذاتي في الصحراء الغربية"، التي قد تُسند لها مهمة عودة الصحراويين إلى المغرب، أو ترحيلهم إلى مناطق أصولهم الجغرافية والعرقية، أو بقائهم في مخيمات تندوف الجزائرية. مصادر جد مطلعة تفيد بأن الجزائر ربما لن تمانع في إخلاء المخيمات التي أنشأتها قبل 50 سنة، لكنها في المقابل ستطالب بضمانات أميركية، بأن تتوقف المملكة المغربية عن مطالبها بأراضٍ تاريخية في الصحراء الشرقية، كانت منحتها فرنسا إلى الجزائر سنوات قليلة قبل استقلالها.

وتشكل حاليا بعض المناطق الحدودية التي تمتد 1559 كيلومترا من البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء، نقاط تماس بين المغاربة والجزائريين، تستغلها بعض الأطراف، لأعمال استفزازاية، والتشويش على مفاوضات السلام التي لا تخدم مصالحها.

الحل الأمثل يكمن في إحياء اتحاد مغاربي كبير، تنتفي فيه الحدود، وتتسع الحريات وفرص التنقل والعمل والاستقرار والعيش الكريم للجميع.

font change

مقالات ذات صلة