تمر منطقة المغرب العربي بمرحلة دقيقة من تاريخها الحديث، تُعتبر الأكثر تحولا منذ نصف قرن. وقد تُؤدي إلى تغيّرات جيوستراتيجية، وتفرز خارطة توازنات سياسية وأمنية جديدة، في غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.
وتبدو هذه المتغيرات مرتبطة بمشاريع تأسيس نظام عالمي جديد، يقوم على التعددية، والقوى الإقليمية الصاعدة، بدأها الرئيس دونالد ترمب بمبادرات "سلام القوة" في عدد من النزاعات. وتعتقد الإدارة الأميركية أن نزاع شمال أفريقيا، هو مفتاح استقرار وازدهار لمنطقة توازي مساحة الولايات المتحدة، وتزخر بالمعادن الحيوية والنادرة، والطاقات المختلفة، وتقع على ممر الملاحة التجارية العالمية.
لكن واشنطن تصدم بواقع على الأرض غير مساعد، يعكسه الفتور والتوتر في العلاقات بين الجزائر والمغرب، هو الأكثر سوءا منذ عقود، وتتجلى تداعياته في سباق رهيب للتسلح، قدره "معهد السلام الدولي" في استكهولم بنحو 60 مليار دولار عام 2026. وهو "خط أحمر"، كما كتبت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، تتفق عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. وترى في "مزيد من التسلح الجزائري تمويلا غير مباشر لحرب روسيا في أوكرانيا". وتقود الولايات المتحدة مدعومة من الأمم المتحدة، ودول أوروبية وعربية أخرى، مساعي مفاوضات مباشرة للتوصل إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب في صراع المغرب العربي. عبر تنزيل قرار مجلس الأمن الدولي 2797، المصادق عليه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وينص على منح سكان الصحراء الغربية حكما ذاتيا تحت سيادة المغرب.
اجتماع مدريد وبداية الحل
واستضافت السفارة الأميركية في مدريد مؤخرا، أول طاولة مفاوضات مباشرة في عهد الرئيس ترمب في حضور الفرقاء الأربعة المعنيين: (وزراء خارجية الجزائر والمغرب وموريتانيا وممثل جبهة بوليساريو). ورأس الاجتماع مستشار ترمب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في حضور الممثل الأممي للصحراء ستيفان دي ميستورا، ووزير خارجية أسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، باعتبار بلاده المستعمر السابق للإقليم. وأعلنت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة في بيان، أن "وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة قامت بتيسير مناقشات في مدريد، في إطار متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) المتعلق بقضية الصحراء، وفق مقاربة تقوم على الحوار بين الأطراف المعنية".

