"السوشيال ميديا" والمجتمع... الرعاية بدل الوصاية

لماذا يتقدم الضبط الذكي على التقييد الشامل؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
فتى يبلغ من العمر 13 عامًا أمام منزله في سيدني، وهو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على هاتفه المحمول، في 8 ديسمبر 2025

"السوشيال ميديا" والمجتمع... الرعاية بدل الوصاية

انضمت مصر إلى ركب متزايد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تدرس تشديد تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، فأعلنت عزمها تكليف البرلمان بإعداد مشروع قانون ينظم استخدام القُصّر لهذه المنصات.

ويأتي هذا التحرك ضمن مراجعة عالمية أوسع للدور الذي تؤديه المنصات الرقمية في تشكيل السلوك الاجتماعي، وسلامة اليافعين، ومسارات الحياة الاقتصادية. وقد ترسخت في الخطاب العام مخاوف تتعلق بالإفراط في الاستخدام، والتعرض للمحتوى الضار، والصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وهي مخاوف مشروعة تعززها الأبحاث التجريبية يوما بعد يوم.

في الوقت نفسه، تغلغلت وسائل التواصل الاجتماعي في عمق البنى الاقتصادية. ولم تعد هذه المنصات أدوات هامشية للتواصل أو الترفيه، بل باتت تؤدي وظائف أقرب إلى بنية تحتية للأسواق، وباتت وسيطا للتشغيل ومحركا للنمو القائم على البيانات. ويضفي هذا الواقع المركب مزيدا من التعقيد على عملية صنع السياسات، فوسائل التواصل الاجتماعي تولّد مخاطر اجتماعية، ولا سيما لدى المستخدمين الأصغر سنا، ولكنها في الوقت ذاته تسند سبل العيش، وترعى ريادة الأعمال، وتوسع نطاق المشاركة الاقتصادية. ومن ثم لا تكمن المعضلة في تقرير الحاجة إلى التنظيم، وإنما في صياغة أطر ضبط تعكس تعدد الأدوار التي تؤديها هذه المنصات اليوم. وتزداد هذه المسألة إلحاحا في الشرق الأوسط، حيث تسجل معدلات الاستخدام مستويات مرتفعة.

المخاطر الاجتماعية... المنطلق لا النهاية

تتزايد الأدلة على المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالاستخدام المفرط أو غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي. إذ تربط دراسات راجعتها هيئات صحية دولية بين الاستخدام المكثف للمنصات لدى المراهقين وبين القلق واضطرابات النوم وتراجع القدرة على التركيز. كما ترصد الأنظمة التعليمية في مناطق مختلفة تحديات مماثلة، خصوصا حين تدفع الخوارزميات بالمحتوى نحو إطالة زمن التصفح عوض تشجيع الاستخدام الهادف.

أضحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات اقتصادية متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها أدوات للتفاعل الاجتماعي إلى أطر إنتاج وتوزيع وتسويق

وقد دفعت هذه الديناميات حكومات عدة إلى إعادة النظر في كيفية تفاعل الأطفال مع المنصات الرقمية. فأقرت دول أوروبية مثل فرنسا والنرويج اشتراطات للموافقة الأبوية والتحقق من العمر بالنسبة إلى القُصّر، في حين يلزم قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي المنصات بتقييم المخاطر التي تطال المستخدمين الأصغر سنا والعمل على الحد منها. وسلكت أستراليا مسارا مماثلا عبر تشديد واجب الرعاية في المسائل المتعلقة بالأطفال. وتندرج النقاشات الجارية في مصر ضمن هذا المسار الدولي، وتعكس إدراكا بأن السياسات الاجتماعية واجهت صعوبة في مجاراة وتيرة التبني التكنولوجي المتسارعة.

ومع ذلك، تظل وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما تنطوي عليه من أضرار اجتماعية، حلقة وصل حيوية في المنظومات الاقتصادية، وهو دور يتجلى بوضوح أكبر في الأسواق الناشئة.

وسائل التواصل الاجتماعي... بنية تحتية في مصر والخليج

أضحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات اقتصادية متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها أدوات للتفاعل الاجتماعي إلى أطر إنتاج وتوزيع وتسويق. فعلى الصعيد العالمي، يسهم الاقتصاد الرقمي بما يتراوح بين 15 و25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتؤدي المنصات الاجتماعية دورا محوريا في خفض تكاليف التسويق، وتيسير وصول المستهلكين إلى المنتجات، وفتح مجالات جديدة لأنماط العمل الرقمي.

شترستوك
فضاء إلكتروني ثلاثي الأبعاد بواجهات متحركة لوسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب فيديو عبر الإنترنت، ومقاطع فيديو رائجة، ومحتوى إنترنت

في مصر، يتجلى هذا البعد الاقتصادي بوضوح متزايد. إذ يسهم الاقتصاد الرقمي بنحو 4 إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستحوذ الأنشطة القائمة على وسائل التواصل الاجتماعي على حصة معتبرة من تسويق الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتجارة غير الرسمية، ودخل صناع المحتوى. ويزيد عدد مستخدمي هذه المنصات على 50 مليون مستخدم، يعتمد كثير منهم على تطبيقات مثل "فيسبوك"، و"إنستغرام"، و"تيك توك"، و"واتساب"، بوصفها أدوات رئيسة للمبيعات، والتواصل مع العملاء، وبناء العلامات التجارية. وتمثل هذه الوسائل بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تستوعب غالبية العاملين في القطاع الخاص، بديلا ميسور الكلفة عن البنية التقليدية للإعلان والتجزئة. أما المشروعات متناهية الصغر، ولا سيما التي تديرها نساء أو تنشط من المنازل، فغالبا ما تتخذ من هذه المنصات واجهتها التجارية الكاملة.

نظرا إلى تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في مفاصل الحياة الاقتصادية، تحمل التنظيمات المقيدة أو غير المحسوبة مخاطر جسيمة

في الخليج، تتسع هذه الديناميات على نطاق أكبر. إذ يقدر إسهام الاقتصاد الرقمي في دول مجلس التعاون الخليجي بما يتراوح بين 8 و12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوما بارتفاع مستويات الاتصال، وانتشار أنظمة الدفع الرقمي، واتساع التجارة القائمة على المنصات. ويبلغ الإنفاق الإعلاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الخليج مليارات الدولارات سنويا، فيما تتصدر المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أسواق الإعلان الرقمي في المنطقة. وفي السعودية، ينشط أكثر من 90 في المئة من مستخدمي الإنترنت على هذه المنصات، فتسهم في نمو اقتصاد صناع المحتوى وتوسع التجارة الإلكترونية وتسريع رقمنة الشركات الصغيرة والمتوسطة في إطار رؤية 2030. أما في الإمارات، حيث تسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بنحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فتشكل المنصات الاجتماعية قنوات حيوية للنفاذ إلى الأسواق ضمن بيئة أعمال تتسم بارتفاع التكاليف وشدة المنافسة.

وهكذا غدت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر والخليج جزءا من البنية التحتية الاقتصادية، بما يقيد هامش فرض قيود واسعة على الوصول إليها من دون إحداث آثار اقتصادية ملموسة.

مخاطر التقييد الهيكلية

نظرا إلى تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في مفاصل الحياة الاقتصادية، تحمل التنظيمات المقيدة أو غير المحسوبة مخاطر جسيمة. وتبين تجارب دولية أن الحجب المفاجئ للمنصات أو فرض قيود متشددة على الوصول إليها يربك الشركات الصغيرة، ويقلص عوائد صناع المحتوى والعاملين المستقلين، ويدفع النشاط الاقتصادي إلى مساحات رقمية غير رسمية أو أقل خضوعا للرقابة. وكثيرا ما تفضي هذه المسارات إلى إضعاف الأهداف الاجتماعية التي ابتغى التنظيم صونها.

أ.ف.ب
آباء وأمهات يقفون بجانب مجسمات لهواتف ذكية ضخمة تضم صور أطفال فقدوا حياتهم بسبب أضرار الإنترنت، في لوس أنجلوس، كاليفورنيا، 13 فبراير 2026

وتكشف الاحتجاجات التي أعقبت حجب نيبال لمنصات التواصل الاجتماعي عام 2025 هذه الدينامية بوضوح، إذ تحول التدخل التنظيمي سريعا إلى مسألة معيشية بعدما فقد مستخدمون شباب مصادر دخلهم، وشبكاتهم المهنية، وفرصهم العابرة للحدود. وفي اقتصادات ترتفع فيها معدلات البطالة بين الشباب، كما هي الحال في عدد من دول الشرق الأوسط، يرجح أن تكون آثار اضطرابات مماثلة أشد وطأة وأوسع نطاقا.

ولا يطعن هذا الطرح في مبدأ التنظيم نفسه، بل يشدد على ضرورة الدقة في تصميمه. فعندما تعجز الأطر التنظيمية عن التمييز بين المخاطر الاجتماعية والوظائف الاقتصادية، فإنها تعرّض الثقة العامة والمشاركة المجتمعية ومشروعية السياسات للاهتزاز.

التنظيم وحده لا يكفي. فمع تحول المنصات الرقمية إلى عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يغدو ترسيخ الثقافة الرقمية منذ سن مبكرة هدفا استراتيجيا للسياسات، وليس اعتباره مسألة ثانوية

في سياق متصل، تسلط تطورات حديثة في الولايات المتحدة الضوء على تصاعد الرقابة القانونية المفروضة على منصات التواصل الكبرى. ففي فبراير/شباط 2026، مثل مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا" أمام القضاء في لوس أنجلوس للإدلاء بشهادته في محاكمة مدنية بارزة تمحورت حول اتهامات بأن منصات الشركة، ولا سيما "إنستغرام" صممت بأساليب تسهم في الإدمان وتلحق أضرارا بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين. ودافع زوكربيرغ أمام هيئة المحلفين عن سياسات السلامة في "ميتا". ونفى تعمد استهداف الشباب أو السعي إلى استدراج المستخدمين إلى أنماط استخدام قهري، مؤكدا أن مؤشرات التفاعل ترتبط بقيمة الاستخدام لا بالتبعية المرضية، وذلك رغم عرض وثائق داخلية وشهادات خبراء طعنت في هذه الرواية أمام المحكمة. وقد تفضي هذه القضية إلى آثار بعيدة المدى في كيفية تنظيم المنصات الرقمية دوليا، وفي مساءلة شركات التكنولوجيا عن تبعات خيارات التصميم وآثارها الاجتماعية.

الضبط حسب الغرض هو الحل الأكثر فاعلية

يتمثل النهج التنظيمي الأكثر فاعلية في الضبط الموجه حسب الغرض، وهو مسار يقر بتعدد الوظائف التي تؤديها وسائل التواصل الاجتماعي، وما يستتبعه ذلك من تباين في الاستجابات المطلوبة على مستوى السياسات العامة. فعندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين، تبرز الحاجة إلى ضمانات أكثر صرامة بوصفها ضرورة مبررة. إذ تسهم معايير التصميم الملائمة للعمر، وفرض قيود على التعزيز الخوارزمي، واعتماد آليات موافقة الوالدين، وتقييد الإعلانات ذات الطابع الاستغلالي، في تقليص الضرر بصورة ملموسة من دون قطع سبل الوصول كليا. وقد غدت هذه التدابير معايير معتمدة في اقتصادات رقمية متقدمة، وتعكس ملامح إجماع دولي آخذ في التشكل.

أ.ف.ب
مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، يغادر محكمة لوس أنجلوس العليا بعد الإدلاء بشهادته، لوس أنجلوس، كاليفورنيا في 18 فبراير2026

أما بالنسبة إلى البالغين وقطاع الأعمال، فينبغي أن ينصرف التنظيم إلى صون نزاهة السوق أكثر من انصرافه إلى تقييد الوصول. فقواعد حماية البيانات الواضحة، وشفافية الإعلانات، وصون حقوق المستهلك، وتعزيز مساءلة المنصات، جميعها تدابير ترسخ الثقة وتشجع الاستثمار من غير أن تقوض المشاركة. وفي ميدان حوكمة المحتوى، تزداد الفاعلية حين ينصب التركيز على مسؤولية المنصات ووضوح إنفاذ القواعد، بدلا من اللجوء إلى مقاربات شاملة تثبت محدودية جدواها وما قد ينجم عنها من أضرار اقتصادية.

ويتجلى هذا النهج متعدد المستويات في تجارب آسيوية عدة. فقد أولت الهند، على الرغم من الجدل القائم بشأن حدود السن، أولوية لحماية البيانات وتعزيز موافقة الوالدين، مع الحفاظ على بيئة داعمة لريادة الأعمال القائمة على المنصات في سوق يضم أكثر من 750 مليون مستخدم للهواتف الذكية. وفي اليابان وكوريا الجنوبية، عززت السلطات شفافية المنصات ومساءلتها، واعتمدت تدخلات مدرسية لمعالجة الأضرار التي تطال الشباب، من غير فرض قيود تمتد إلى الاقتصاد بأسره. أما في أميركا اللاتينية، فيجمع الإطار التنظيمي المتطور في البرازيل بين متطلبات التحقق من العمر واستمرار الانفتاح على الإعلانات الرقمية والتجارة الإلكترونية، إدراكا لدور المنصات في دعم العمالة غير الرسمية والشركات الصغيرة.

الركيزة الغائبة... الثقافة الرقمية كسياسة اقتصادية

غير أن التنظيم وحده لا يكفي. فمع تحول المنصات الرقمية إلى عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يغدو ترسيخ الثقافة الرقمية منذ سن مبكرة هدفا استراتيجيا للسياسات، وليس اعتباره مسألة ثانوية. وسيواصل الأطفال والمراهقون الاحتكاك بوسائل التواصل الاجتماعي بغض النظر عن القيود الرسمية، ما يجعل تمكينهم من مهارات التفاعل النقدي والمسؤول والمنتج أمرا لا غنى عنه.

تقوم الحوكمة الرشيدة لوسائل التواصل الاجتماعي على مبدأ الرعاية المتبصرة أكثر من قيامها على منطق السيطرة

غالبا ما توضع الثقافة الرقمية في إطار اجتماعي أو تعليمي، لكنها في جوهرها قضية اقتصادية أيضا. فأسواق العمل المقبلة تكافئ الطلاقة الرقمية، والقدرة على تمييز المحتوى، والمهارات المرتبطة بالمنصات. والدول التي تبادر إلى الاستثمار في هذه الثقافة تملك فرصة أكبر لتسخير المنافع الاقتصادية للتكنولوجيا مع الحد من مخاطرها. كما تسهم الأنظمة التعليمية التي تدمج مبادئ المواطنة الرقمية، والوعي الإعلامي، والسلامة على الإنترنت في سن مبكرة، في إعداد مستخدمين أكثر وعيا واقتصادات رقمية أكثر استدامة.

بهذا المعنى، يتعين النظر إلى التقييد والتعليم بوصفهما مسارين متكاملين. فالضبط يقلص التعرض للأذى خلال المراحل العمرية الحساسة، في حين يبني التعليم قدرة مستدامة على التفاعل المسؤول والمنتج.

من السيطرة إلى الرعاية

في المحصلة، تقوم الحوكمة الرشيدة لوسائل التواصل الاجتماعي على مبدأ الرعاية المتبصرة أكثر من قيامها على منطق السيطرة. إذ يطلب إلى الحكومات توجيه تقنيات ذات أثر اجتماعي واسع وقيمة اقتصادية لا يمكن إغفالها، عبر صياغة حوافز ومعايير تضبط السلوك من غير أن تخنق المشاركة. ويتطلب ذلك سياسات مستندة إلى الأدلة، وحوارا مستمرا مع أصحاب المصلحة في قطاعات الصحة والتعليم والأعمال، ومرونة في مواكبة تطور المنصات وأنماط الاستخدام.

إن المضي قدما يستدعي ضبطا موجها بالأغراض يتكامل مع ترسيخ ثقافة رقمية مبكرة ومستدامة. فحماية الفئات الضعيفة، وصون المشاركة الاقتصادية، وتهيئة المجتمعات لمستقبل رقمي، أهداف مترابطة يعزز بعضها بعضا. ولا يكفل هذا التوازن إلا حوكمة ذكية ترتكز إلى الأدلة وتعي تشابك البعدين الاجتماعي والاقتصادي، بما يضمن بقاء وسائل التواصل الاجتماعي أداة للفرص ضمن أطر مسؤولية واضحة.

font change

مقالات ذات صلة