إذا أخفقت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق نووي أو اتفاق أوسع، فستؤول الأمور إلى حرب، وفق ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وإذا وقع ذلك- وهو ما يزداد ترجيحه في ضوء الفجوة في التصورات بين واشنطن وطهران- فكيف سترد إيران على هجوم أميركي؟
يعرف الجميع أن قوات إيران المسلحة، القديمة وسيئة التجهيز، لا تملك أي فرصة في مواجهة أقوى جيش على هذا الكوكب. وإذا شن ترمب حربا واسعة النطاق ضد إيران، فستكون لدى الأخيرة خيارات عسكرية محدودة للرد. ويمكنها إمطار القواعد الأميركية في المنطقة، وإسرائيل، والدول العربية الخليجية بالصواريخ. ويمكنها إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل مؤقت، لإحداث صدمة كبيرة في الاقتصاد الدولي. ويمكنها تنفيذ هجمات إرهابية ضد الأميركيين داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويمكنها شن عمليات سيبرانية ضد أهداف مدنية أميركية.
لكن سلاح طهران النهائي وميزتها على الولايات المتحدة ليست عسكرية بطبيعتها، بل نفسية وسياسية، إذ تملك قدرة أكبر بكثير على تحمل الخسائر البشرية. وخلال حربها التي استمرت ثماني سنوات مع العراق، ومع مجموعة من الدول الأخرى بينها الولايات المتحدة، بين عامي 1980 و1988، فقدت إيران ما بين 500 ألف و750 ألف شخص، ومع ذلك لم يبد النظام أي تردد، ولم تتساقط الرؤوس عقب انتهاء النزاع. وفي الأسابيع الأخيرة، قتل النظام آلافا من شعبه في حملة قمع وحشية ضد المتظاهرين، ولم يقع انشقاق واحد داخل المنظومة، ولم تظهر ذرة مساءلة.
هكذا تتصرف الأنظمة الراديكالية ذات الرؤى الخلاصية. ورأينا ذلك في الحرب العالمية الثانية مع ستالين وهتلر، إذ لم يجد أي منهما مشكلة في التضحية بالملايين من مواطنيه دعما لقضية أعلى لا تقبل المساومة.
تقوم استراتيجية إيران في حال اندلاع مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة على فكرة بسيطة، وهي أن تصمد أمام الموجة الأولى من الضربات الأميركية، ثم ترد باستهداف أصول رمزية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وأن توقع خسائر في صفوف القوات الأميركية، وأن تطيل أمد الصراع. ولن يكون هدف رد إيران مواجهة الولايات المتحدة مباشرة ومحاولة تقويض قدراتها، لأن ذلك انتحاري وغير واقعي، بل سيكون هدفها فرض كلفة سياسية مرتفعة بما يكفي على ترمب لإجباره على وقف الجهد الحربي.
وهذه هي الاستراتيجية نفسها التي اتبعتها "حماس" و"حزب الله" عندما خاضا حروبا مع إسرائيل. فهدفهما ليس هزيمة إسرائيل على الصعيد العسكري، وهو أمر مشكوك فيه إن لم يكن مستحيلا، بل حرمان قادتها من تحقيق أهدافهم مهما كلف الأمر، ثم الخروج من تحت الرماد وادعاء "نصر إلهي". فهما يفوزان حين يضمنان أن لا تفوز إسرائيل.
ولا تحتاج إيران إلى قتل عدد كبير من الجنود الأميركيين، أو من المواطنين إذا لجأت إلى الإرهاب، كي تحشد الرأي العام الأميركي ضد ترمب، وتزيد الضغط السياسي عليه، وتدفع خصومه السياسيين إلى التحرك. وعلى الرغم من أن ترمب يسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فإن نحو ربع الأميركيين فقط يؤيدون أن يبدأ حربا جديدة ضد إيران.
كما أن قواعد حركة "ماغا" ليست متحمسة لنزاع مفتوح بلا أفق في الشرق الأوسط أيضا، وللمفارقة، دافع ترمب عن ذلك خلال حملتيه الرئاسيتين. وإذا بدأ هؤلاء بالضغط على ممثليهم الجمهوريين لوقف حرب يطلقها ترمب، فقد يصبح المشهد فوضويا ومكلفا للرئيس.
