رواية "سنوات المغر" وسؤال الهوية المعلقة

كيف يمكن أن تبنى حياة على أساس مؤجل؟

Al Majalla
Al Majalla
غلاف رواية "سنوات المغر"

رواية "سنوات المغر" وسؤال الهوية المعلقة

تنهض رواية "سنوات المغر" للكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني (مركز أبوظبي للغة العربية، 2025) على أرض وجودية رخوة، حيث البطل معرض منذ الصفحة الأولى لأن يدفع خارج تعريفاته المستقرة، وأن يعاد إنتاجه ككائن معلق بين الأمكنة، محكوم بتجربة نقص دائم لا تستكمل. والسؤال الذي يحكم السرد يتشكل تدريجيا: ما الذي يتبقى من الإنسان حين تتآكل شروط الاعتراف، وحين تتحول الهوية إلى مسألة إجرائية، وحين تغدو العودة فكرة أخلاقية مثقلة بالحنين والعجز معا؟

هذا السؤال يتسرب إلى النسيج السردي عبر التفاصيل اليومية، عبر العمل، وعبر العلاقات المكسورة، وعبر الجسد الذي يختزن آثار التجربة. ذلك أن الرواية تكتب سيرة تشظ طويلة، لا سيرة فرد، ويدخل القارئ فيها إلى عالم يتحرك على إيقاع الحرمان المؤجل، حيث الزمن يتراكم من دون أن ينتج يقينا، وحيث التقدم في العمر لا يقابله تقدم في الاستقرار.

تحيل كلمة "سنوات" في العنوان إلى امتداد زمني ثقيل، متراكم، قابل للزيادة، وغير قابل للحصر، وهي هنا تحمل معنى الاستهلاك البطيء للحياة، لا معنى التطور أو التقدم، وتراها تقاس بما يستنزف فيها من الجسد والذاكرة والقدرة على الحلم، أكثر مما تقاس بما تحققه من إنجاز أو تحقق ذاتي. أما "المغر"، فالكلمة تحمل طبقات دلالية متراكبة. في معناها المباشر، تحيل إلى التراب الأحمر، إلى مادة العمل القاسي، إلى المنجم، إلى الأرض التي تحفر وتقلب وتستخرج منها القيمة الاقتصادية، لكنها في الرواية تتجاوز هذا المعنى الفيزيائي لتتحول إلى حالة وجودية، ووضع إنساني، ولون يلتصق بالجسد، ويصير علامة لا تمحى، وذاكرة مادية ترافق الشخصيات حتى خارج حدود المكان.

أمكنة

تتشكل الأمكنة في الرواية بوصفها شبكة حركة واستنزاف، وليس باعتبارها فضاءات إقامة مستقرة. هناك جزيرة أبو موسى تمثل المركز المكاني الأثقل. جزيرة محكومة بالعمل والمناجم، معزولة نسبيا، وتفرض إيقاعها القاسي على الجسد والذاكرة. منها يتفرع المسار وإليها يعود، باعتبارها فضاء يوفر الرزق ويعمق الإحساس بالعيش على الحافة. وهناك المغر والمناجم تمثل جوهر الاستنزاف. والبحر يحضر كحد وممر في آن، وهو يرتبط بالطفولة والرحيل والحلم المؤجل بالعودة. كما أن المرافئ والمطارات تبقى فضاءات عبور وانتظار. أماكن تتكثف فيها الهشاشة، وتظهر فيها سلطة الوثيقة والسؤال والرقابة.

المكان في الرواية دائرة تتكرر داخلها التجربة بصيغ مختلفة، وتستهلك فيها السنوات ضمن فضاءات لا تمنح اكتمالا

ضمن هذا المسار، تظهر مدن مثل الشارقة ودبي والكويت وغيرها بوصفها محطات عمل وذاكرة وتنقل. وهذه الأمكنة مجتمعة ترسم خريطة دوران لا تقود إلى مركز. الجغرافيا تتبدل، والشرط يبقى حاضرا: عمل، انتظار، وهوية مؤجلة. المكان في الرواية دائرة تتكرر داخلها التجربة في صيغ مختلفة، وتستهلك فيها السنوات ضمن فضاءات لا تمنح اكتمالا.

IRGC/WANA
زوارق سريعة تابعة لبحرية الحرس الثوري الإيراني تتحرك خلال مناورة في جزيرة أبو موسى، في صورة نُشرت في 2 أغسطس 2023

 في هذا السياق المكاني، تتقدم مسألة الوثيقة بوصفها جوهرا سرديا عميقا. الهوية الورقية تظهر كشرط وجودي يحدد مصير الشخصيات لا كأداة إدارية فقط. من يفتقدها يعيش على هامش القانون، وعلى هامش الذاكرة العامة، وعلى هامش المستقبل. الرواية تظهر كيف يتحول غياب الوثيقة إلى منطق يحكم الحياة اليومية: اختيار العمل، إمكان الحركة، حدود الطموح، وحتى العلاقات العاطفية. الإنسان هنا حاضر جسديا، غائب رسميا، ومعلق أخلاقيا في منطقة رمادية، لا يملك القدرة على الاحتجاج ولا على الاستقرار.

هذا الغياب يفتح الباب أمام تحول الجسد إلى سجل بديل. الجسد في الرواية محمل علامات العنف، الجرح، التعب، النزف، والاختلال النفسي. الجسد يحتفظ بما لا يدون، ويشهد على ما لا يعترف به. حين تغلق الأبواب أمام الورق، يصبح الجسد الذاكرة الوحيدة المتاحة.

شخصيات

تتشكل الشخصيات ضمن بنية سردية تقوم على التعدد والتقاطع، حيث لا يحتكر صوت واحد الحكاية، وحيث تكتب التجربة من زوايا مختلفة، لكل منها حدوده ووعيه الخاص. فهناك جوديث، الراوية الأساس والإطار السردي الأوسع. تحكي بضمير المتكلم، وتعمل كمجمعة للشهادات ومنسقة للذاكرة. حضورها قائم على المراقبة والمكاشفة، وعلى تسجيل الأثر لا تفسيره. تنتقل بين الأمكنة والأزمنة، وتفسح المجال لأصوات أخرى كي تقول تجربتها. وعيها متردد، حساس، ويعرف أن الحكاية أكبر من القدرة على الإحاطة.

وهناك غريب، وهو الشخصية المحورية المرتبطة بالعمل والمنجم والهوية المؤجلة. صوته يتبلور من الجسد والتعب والصمت، ويعبر عن الداخل الذي يعيش الشرط اليومي من دون مسافة تحليلية. كما أن هناك سهيلة التي تحضر بوصفها صوتا أنثويا مرتبطا بالبيت والأمومة والخسارة والعمل غير المرئي. وكذلك العمة غاية، تمثل صوت البيت والطفولة والرعاية المشوبة بالعنف الصامت. في حين أن الأب المرتبط بابنه آرون يظهر عبر اعتراف عن الفقد والانكسار.

REUTERS/Jorge Silva/File Photo
مركبة تعدين ذاتية القيادة تعمل في منجم كراجاس للحديد بولاية بارا في الأمازون البرازيلي، 7 أكتوبر 2025

إلى جانب هؤلاء، تحضر شخصيات عمالية وثانوية من دون تفصيل نفسي واسع. عمال، نساء، أطفال، يمرون في السرد كامتدادات للبنية نفسها. حضورهم العابر مقصود، لأنه ينسجم مع فكرة الاستهلاك البشري داخل دورة العمل والانتظار.

زمن العودة

الزمن في الرواية متكسر، لا يخضع لترتيب خطي. الماضي يتداخل مع الحاضر، والذاكرة تقطع السرد، واللحظة الراهنة تستدعى دائما مثقلة بما سبقها. هذا التكسر الزمني يعكس حالة الشخصيات التي تعيش في انتظار دائم لا يقود إلى نقطة حسم. السنوات تمر، والعمل يتكرر، والأمكنة تتبدل، فيما الشعور الجوهري باللااكتمال يظل حاضرا. الزمن هنا زمن تجربة داخلية، لا زمن أحداث متعاقبة.

العودة تصبح أفقا ذهنيا، مساحة للتعويض النفسي، ومحاولة لإعادة ترتيب الذات، حتى حين يكون الواقع غير قابل لذلك

العودة بوصفها فكرة مركزية، تقدم في الرواية بوصفها وعدا أخلاقيا أكثر منها مسارا واقعيا. الشخصيات تحلم بالعودة، تتحدث عنها، تبني عليها تصوراتها عن الخلاص، ثم تصطدم باستحالتها العملية. العودة تصبح أفقا ذهنيا، مساحة للتعويض النفسي، ومحاولة لإعادة ترتيب الذات، حتى حين يكون الواقع غير قابل لذلك. الرواية لا تسخر من هذا الحلم، ولا تقدسه، وإنما تضعه في سياقه الإنساني المعقد، حيث الحاجة إلى المعنى تتقدم على القدرة على التحقيق.

وتصاغ العلاقات الإنسانية في النص داخل هذا الإطار الهش. العائلة، الصداقة، الحب، كلها علاقات تتأثر بغياب الاستقرار وبضغط المكان والعمل. الشخصيات تقترب وتبتعد، تتعلق وتنسحب، في حركة دائمة تعكس خوفا من الفقد، وخشية من الالتزام في عالم غير مضمون. تظهر الرواية كيف يتسرب العجز البنيوي إلى العلاقات الخاصة، ويعيد تشكيلها وفق منطق الحرمان.

أرشيف الذاكرة

يركز السرد في الرواية بوضوح على الجانب التاريخي والتوثيقي، من دون أن يغادر فضاء الرواية أو يتحول إلى تسجيل أرشيفي مباشر. هذا الالتفات يتم عبر التفاصيل والأمكنة وحركة الأشخاص وتراكم الوقائع الصغيرة التي ترسم خلفية زمنية دقيقة لعقود من العمل والتنقل والاقتصاد القائم على الجهد البشري غير المعترف به. والتاريخ هنا لا يقدم كوقائع كبرى أو أحداث مفصلية، وإنما كحياة يومية متكررة، تعاد بصيغ متشابهة عبر السنوات، وتترك أثرها على الأجساد والبيوت والعلاقات.

الجانب التوثيقي يظهر أيضا في الإحالات إلى الوثائق، والهويات، وأوراق العمل، وإجراءات العبور، بوصفها جزءا من الواقع المعيش. هذه العناصر تمنح النص صدقية زمنية ومكانية، وتدخل القارئ في مناخ تاريخي محدد، حيث يتقاطع الفردي مع العام، والخاص مع البنية الاقتصادية والسياسية الأوسع.

REUTERS/Mohammed Salem
ركّاب يقفون في طوابير داخل مطار دبي في 12 مارس 2007، بعد إعادة فتحه إثر إغلاقه لأكثر من سبع ساعات عقب حادث لطائرة تابعة للخطوط الجوية البنغالية أثناء الإقلاع

هذا الالتفات إلى التاريخ لا يهدف إلى إعادة كتابة الماضي، وإنما إلى كشف كيف يعاش داخل الحاضر، وكيف يواصل تأثيره على المصائر الفردية. الرواية تنجز هذا الاشتغال بهدوء، عبر السرد والذاكرة، وتحول التاريخ من خلفية صامتة إلى قوة فاعلة، تحكم الحركة وتحدد الإمكان وتبقي التجربة مفتوحة على السؤال.

الرواية تعمل على كتابة الهامش من داخل الجغرافيا، من دون استعارة خطاب جاهز، ومن دون ادعاء تمثيل شامل. النص يفتح مساحة لقراءة الإنسان العامل، الإنسان العابر، الإنسان الذي يساهم في بناء المكان من دون أن يمنح حق الانتماء الكامل إليه. في هذا المعنى، تراها تعيد مساءلة مفاهيم العمل والنجاح والاستقرار، وتكشف تناقضاتها حين تفصل عن العدالة الاجتماعية والاعتراف القانوني.

الرواية تعمل على كتابة الهامش من داخل الجغرافيا، من دون استعارة خطاب جاهز، ومن دون ادعاء تمثيل شامل

لا تسعى مريم الزرعوني في النهاية إلى الإغلاق، تراها تترك القارئ في مواجهة سؤال مفتوح، سؤال يتجاوز مصائر الشخصيات إلى مصير الفكرة نفسها: كيف يمكن أن تبنى حياة على أساس مؤجل؟ كيف يمكن الإنسان أن يستقر في عالم يطالبه بالعمل والانضباط، ثم يؤجل اعترافه به إلى أجل غير مسمى؟ هذا السؤال يظل معلقا، يرافق النص حتى آخره، ويمنحه ثقله الأخلاقي.

font change