منذ مجموعاته القصصية الأولى، راهن الكاتب العماني محمود الرحبي على الكثافة والاقتصاد والتقاط اللحظة الهاربة. كتب الرواية أيضا، فوسع أفق تجربته السردية، وراكم وعيا ببنية الحكاية وتعدد الأصوات، غير أن القصة القصيرة ظلت الحقل الأكثر التصاقا بنبرته الداخلية.
في مجموعته القصصية الأحدث، "لا بار في شيكاغو"، الصادرة عن "محترف أوكسجين" (2025)، يعود الرحبي إلى الحقل الذي صاغ اسمه في المشهد السردي العماني والعربي، إلى القصة القصيرة بوصفها فنا للكثافة واللمحة الخاطفة والجرح المفتوح، إذ يحمل نبرة كاتب تمرس في الرواية وراكم تجربة سردية طويلة، ثم اختار أن يعود إلى المساحة الأكثر توترا، حيث كل كلمة تقف على حافة المعنى.
تضم المجموعة الجديدة أربع عشرة قصة في ثمان وثمانين صفحة، تبدو دفتر نجاة لأناس يعيشون على هامش الصورة الرسمية للعالم، فكل قصة محاولة لتسجيل أثر صغير قبل أن تبتلعه العتمة. فيما يحمل عنوان المجموعة الرئيس شحنة دلالية مركبة، فشيكاغو هنا ليست مدينة بعينها، بل رمز لمدينة متخيلة في وعي شخصيات تبحث عن ملاذ أو استراحة. البار في المخيال السردي فضاء اعتراف ومساحة هروب وركن لتخفيف وطأة اليوم.
في قصة "لا بار في شيكاغو"، يتحول مشوار مالان نحو البار إلى رحلة عبر ذاكرته المعطوبة، فعكازه علامة على انكسار سابق، على حادثتين شكلتا منعطفين حاسمين في حياته، دون أن يكون مجرد أداة مساعدة. بينما يصبح المشي استعارة للزمن، وكل خطوة تستدعي وجها أو خيبة أو فرصة ضاعت. خلال هذا المسير، يحاول مالان أن يملأ وحدته بتفاصيل يختار أن يراها جديدة، كأنه يعيد ترتيب العالم حوله كي يظل قابلا للاحتمال، ويتحول البار إلى فكرة أكثر منه مكانا.
ينتمي أبطال المجموعة إلى فئة غير مرئية في الخطابات الكبرى، فيهم المتقاعد الذي أزيح عن دائرة النفوذ، والمهاجر الذي يبحث عن عمل، والصياد الذي يراقب البحر كأنه يراقب مصيره، والمعدم الذي يكتفي بتقليل الخسائر اليومية، هؤلاء لا يحملون صفات بطولية تقليدية، غير أن السرد يمنحهم بطولة من نوع آخر: بطولة التحمل.


