مريناليني موخيرجي في واقعية سحرية آتية من الهند

تمزج تاريخ بلادها الحديث بالسوريالية والأحلام

Henry Nicholls / AFP
Henry Nicholls / AFP
زوار يتأملون العمل الفني، "فانشري"، للفنانة الهندية مريناليني موخيرجي خلال معاينة صحافية لمعرض "تفكيك: قوة وسياسة النسيج في الفن"، مركز باربيكان بلندن، 12 فبراير 2024

مريناليني موخيرجي في واقعية سحرية آتية من الهند

عام 2019 استضاف متحف "متروبوليتان" للفنون بنيويورك معرضا استعاديا لأعمال الفنانة الهندية مريناليني موخرجي (1949 ــ 2015) بعد وفاتها بأربع سنوات، في عنوان "الطبيعة الاستثنائية: مريناليني موخرجي". في مراجعتها للمعرض، كتبت الناقدة الفنية ناجين شيخ: "لعل الدرس الأهم الذي يستخلصه المؤرخون والنقاد والمشاهدون من معرض استعادي مذهل كمعرض موخرجي هو كيف يمكن الفن أن يقاوم النظر إليه ضمن إطار منهجي غربي. فإنتاجها الضخم ليس تمثيليا بالكامل ولا تجريديا تماما. إنه مستلهم من تاريخها وتقاليدها المحلية، بينما يعلمنا في الوقت نفسه طرقا جديدة للتفاعل مع دقة أعمالها".

تلك الملاحظة الدقيقة يمكن أن تعيننا في فهم الأهمية الاستثنائية التي ينطوي عليها فن موخيرجي، وهو بالضبط السبب الذي يقف وراء حماسة الأكاديمية الملكية بلندن لإقامة معرض استعادي لا يشمل أعمالها النحتية فقط بل يتعداها إلى أعمال أفراد الحلقة الفنية التي أحاطت بها، بدءا بوالديها ليلا موخرجي وبينود بيهاري موخرجي، اللذين درسا في كالا بهافانا في سانتينيكيتان، وهي مدرسة الفنون الرائدة التي أسسها الشاعر والموسوعي رابيندراناث طاغور. كما يحتفي المعرض بشخصيات بارزة في المشهد الثقافي الهندي، من بينهم كي جي سوبرامانيان، وجاغديش سواميناثان، ونيليما شيخ، وغلام محمد شيخ.

يتتبع هذا المعرض قرنا من تاريخ فن جنوب آسيا، من ثلاثينات القرن العشرين الى يومنا هذا، من خلال الشخصيات والأماكن التي أثرت في النحاتة الهندية مريناليني موخرجي التي تمزج أعمالها الفنية بين التجريد والشكل البشري، مستلهمة تجليات الطبيعة والتقاليد المعمارية والحرفية المحلية والفن والتصميم الحداثي العالمي.

واقعية سحرية بلغة بصرية موروثة

تتمتع منحوتات مريناليني موخرجي بارتباطها بجذور عريقة ورائعة، واضحة بوعي اللحظة الجمالية في الفن الهندي أو ما يسميه القيمون على المعرض بفن جنوب آسيا، وهي تسمية أجدها فضفاضة وغير ذات معنى. منحوتات مريناليني تستمد قوتها من تاريخ حافل بالملاحظة الطبيعية ومشاهد الكوبرا ذات القلنسوة والآلهة برؤوس الفيلة والأجساد الراقصة والحرية التجريدية التي ينطوي عليها بغموض تصوير "الإله شيفا" في تكوين أسطواني.

تستوحي مريناليني موخرجي واحدة من أهم منحوتاتها المنسوجة من القنب، من سداة الزهرة. تلك المنحوتة، يعني عنوانها "الزهرة الأولى"، وهي نبتة غريبة الشكل تتفتح بإيحاءات إيروتيكية. إنها متجذرة بوعي وذكاء في أديان وفنون الهند، وتترك جميع الفنانين الآخرين في ظلها العميق.

منحوتات مريناليني تستمد قوتها من تاريخ حافل بالملاحظة الطبيعية ومشاهد الكوبرا ذات القلنسوة والآلهة برؤوس الفيلة والأجساد الراقصة والحرية التجريدية

في ستينات وسبعينات القرن العشرين، استخدمت موخرجي القنب والجوت المحليين لابتكار تصاميم معقودة خارجة عن نطاق تصاميم وأشكال النسيج الشائعة آنذاك. أقيم أول معرض فردي لها في معرض سريداراني للفنون في نيودلهي عام 1972، فضم أشكالا ملتوية ومنسوجة من ألياف طبيعية مصبوغة وهي سلسلة من الأعمال أكسبتها شهرة واسعة. أطلقت على منحوتاتها أسماء آلهة الخصوبة واعتبرت أعمالها حسية وموحية. حصلت موخرجي على منحة المجلس الثقافي البريطاني للنحت عام 1971 وكان الدافع لتلك المنحة أن الفنانة خرجت بفنها من الفضاء المحلي ليكتسب سمات عالمية.

وبسبب الطابع الاقتصادي لإبداعها، وهو ما وصل بها إلى القمة في ثمانينات القرن الماضي، يميل النقاد إلى اعتبارها فنانة واقعية سحرية. فهي تمزج تاريخ الهند الحديث بالسوريالية والأحلام والصور الخيالية لمناظر طبيعية محلية آسرة. ومن ذلك المزيج انتجت موخرجي مشاهد ساحرة ومتدفقة من الطيور والزهور والآلهة والوحوش، تتوزع بين الرغبة في امتلاك الأحلام والخوف منها. تمثالها "زهرة الليل الثانية"، الذي هو من مقتنيات المتحف البريطاني، يتخذ شكل شخص جالس في وضعية زهرة اللوتس، لكنه في الحقيقة زهرة أخرى هي من نسج الخيال، مصنوعة من خزف أخضر هش، مطلي جزء منه بلون أحمر قان.

في اللوحة التعريفية نقرأ أن التمثال يبدو أنثويا لكنه يعود بالذاكرة إلى تماثيل بوذا  جالسا وإلى الحكماء الذين يتجاوزون المفهوم المباشر للجنس كما يوحي لأول وهلة. إنه عمل فني مليء بالتناقضات، يجمع بين السكينة الروحية والعنف الحسي، ويحمل في طياته التوتر الذي يفارق من خلاله الصنيع الفني مرحلة الاعجاب والإثارة الحسية إلى النظرة الخالدة.

من المحلي إلى العالمي

تميزت معظم أعمال موخرجي المبكرة باستخدام ألياف القنب الطبيعية، ثم لجأت في مراحل متقدمة إلى فن الخزف من غير أن تكون خزافة، كما أنها صبت أعمالها النحتية بالبرونز مبتعدة عن موادها التقليدية، فكانت تلك لحظة فارقة في مسيرتها المهنية، برزت من خلالها باعتبارها نحاتة معاصرة .ظهرت أعمالها البرونزية في العقد الأول من الألفية الثانية عندما بدأت الفنانة بصب أشكال مشكلة مباشرة من الشمع باستخدام تقنية الشمع المفقود التقليدية، ثم قامت بتشطيب سطوحها بأدوات حصلت عليها من طبيب أسنان محلي. ذلك ما أكده المقربون منها.

 Henry Nicholls / AFP
عمل فني بعنوان "سري" للفنانة الهندية مريناليني موخيرجي خلال معاينة صحافية لمعرض "تفكيك: قوة وسياسة النسيج في الفن"، مركز باربيكان بلندن، 12 فبراير 2024

استلهمت مريناليني موخرجي أشكالها الفنية من ثقافتها بطريقة استفهامية عميقة، وهو ما أهلها لتجاوز حدود المؤثرات المحلية. لذلك لا تزال أعمالها ذات مغزى اليوم كما كانت في حياتها وهي متاحة للجميع، لا لأنها تمثل طريقة مختلفة في النظر إلى العالم وهو أمر مرحب به فحسب، بل لأنها أيضا تملك صلاحية العيش في إطار الفنون المعاصرة في سياق نظرة عالمية. بالنسبة لي، وأنا لم أر من قبل عملا لموخرجي في حين رأيت أعمالا لعشرات الفنانين الهنود الأساسيين، وهبني هذا المعرض فرصة للإطلاع على فن يقع خارج التصنيف الأوروبي. من غير عناء، يتجاوز فن موخرجي بنا سؤال الهوية، كونها حدثا طبيعيا يقع بتلقائية من غير أن تحيطه حذلقة النظريات.

Judith Burrows / Getty Images
زائر في معرض "حكاية الفن في جنوب آسيا – مريناليني موخيرجي ودائرتها"، الأكاديمية الملكية للفنون في لندن

مريناليني موخرجي هي وارثة فن عظيم نجحت في إيقاظ مواقع القوة فيه، مما ساعدها في الخروج إلى العالم بصيغة معاصرة، بمعنى أنها جددت تقنيات وأشكال وموضوعات الفن الذي تعلمته من عائلتها ومدرستها من الداخل، ومن ثم اهتدت إلى المكان الذي يجعل منها فنانة عالمية.

معرض أخطأ طريقه إلى الظاهرة

لو أن المعرض كان مخصصا لأعمال مريناليني موخرجي وحدها لكان حدثا استثنائيا، ولكن منسقي الأكاديمة الملكية شاؤوا أن يصنعوا حدثا من نوع مختلف، يعتقدون أنهم من خلاله إنما يصنعون تاريخا أو على الأقل يظهرون براعتهم في اكتشاف المؤثرات التي تقف وراء ظاهرة اسمها مريناليني موخرجي. وأعتقد أنهم فشلوا في الوصول إلى هدفهم. ذلك لأن أعمال موخرجي التي لا تزال تتفجر بالحياة والجمال وتسحر بتقنياتها الخيالية، أحيطت بأعمال رسم تقليدية مملة، متوسطة الجودة لمناظر طبيعية وتشخيصيات بشرية تعود إلى خمسينات القرن الماضي لم تكن هناك حاجة لعرضها لأنها لا تكشف عن الذائقة الجمالية التي تربت عليها الفنانة.

جددت تقنيات وأشكال وموضوعات الفن الذي تعلمته من عائلتها ومدرستها من الداخل ومن ثم اهتدت إلى المكان الذي يجعل منها فنانة عالمية

علق أحد النقاد الإنكليز على المعرض بقوله "يا له من ذكاء من الأكاديمية الملكية أن تقيم معرضا لهذه الفنانة الحديثة العظيمة! ويا له من غباء أن تخفي موهبتها في مكان متواضع! أظن أنها كانت تدرك تماما مدى تفوقها على عائلتها وأصدقائها".

Judith Burrows / Getty Images
مشهد من معرض "حكاية الفن في جنوب آسيا – مريناليني موخيرجي ودائرتها"، الأكاديمية الملكية للفنون في لندن، يظهر فيه عمل "ساوان 2" للفنانة نيلما شيخ

كانت مريناليني موخرجي هي جوهرة عائلتها التي أيقظت فيها موهبة حب الفن، غير أنها كانت في الوقت نفسه الفنانة التي انفتحت على العالم بفن هندي خالص. ذلك ما لم يكن غائبا عن أذهان منسقي المعرض الذي تخيلوا أن عنوانا من نوع "قصة الفن في جنوب آسيا" سيكون سببا مقنعا لاستعادة فن موخرجي. كانت حساباتهم خاطئة. 

font change

مقالات ذات صلة