النفط والغاز الليبيان لأوروبا... رهان وسط الحرب يقيّده الانقسام والفساد

احتياطي ضخم وقرب جغرافي قد يلعبان دورا رئيسا في أمن الطاقة للقارة العجوز

"المجلة"
"المجلة"

النفط والغاز الليبيان لأوروبا... رهان وسط الحرب يقيّده الانقسام والفساد

فتحت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على إمدادات الطاقة، النقاش حول أهمية ليبيا كمصدر أساس للطاقة للدول المستهلكة في أوروبا. ويسهم في تعزيز هذا التوجه، قربها الجغرافي من القارة العجوز ، وسعي السلطات الليبية لزيادة إنتاج النفط والغاز، عبر استثمارات جديدة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة اليها.

وأدى تخطي أسعار النفط حاجز الـ100 دولار للبرميل في الأسبوع الأول من الحرب في الخليج، إلى حدوث حالة من الفزع في الأسواق العالمية. دفع ذلك بالمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا الى عقد اجتماعات عدة مع الشركات العاملة في إنتاج النفط والغاز في البلاد لبحث احتمالات زيادة الإنتاج واستغلال هذه الفرصة للتسويق للسوق الليبية.

تمتلك ليبيا احتياطيات نفطية تقدر بقرابة 50 مليار برميل من النفط، مما يجعلها تحتل المرتبة الأولى في أفريقيا من حيث الاحتياطيات المؤكدة. كما تمتلك قرابة 70 تريليون قدم مكعبة من احتياطات الغاز المؤكدة، بحسب تصريحات وزير النفط في حكومة الوحدة الليبية خليفة عبد الصادق، فضلا عن تقديرات إجمالية تصل الى 200 تريليون قدم مكعبة.

يسهم قرب ليبيا الجغرافي من أوروبا وتطلع السلطات الليبية لزيادة إنتاج النفط والغاز عبر استثمارات جديدة، الى تعزيز هدف تحول ليبيا إلى مصدر أساس للطاقة للدول المستهلكة

أعلن الوزير عبد الصادق على هامش منتدى ليبيا أفريقيا للغاز في نهاية العام الماضي، انفتاح ليبيا على الشراكات، باعتبارها الجسر الرابط بين أفريقيا وأوروبا، وأنها تمتلك مسارا استراتيجيا جاهزا للتوسع وقادرا على تصدير كميات كبيرة من الغاز نحو الأسواق الأوروبية.

استثمارات دولية لتعزيز إنتاج النفط والغاز الليبيين

تعززت دعوة الوزير الليبي، بتوقيع اتفاقات لتطوير بعض الحقول النفطية بين المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا وشركة "كونوكو فيليبس" الأميركية و"توتال" الفرنسية بقيمة استثمارية تصل إلى 20 مليار دولار، وتمتد لـ25 عاما. تهدف الاتفاقات إلى زيادة إنتاج النفط في ليبيا لتصل إلى أكثر من 850  ألف برميل يوميا، وبصافي إيرادات متوقعة للدولة يفوق 376 مليار دولار، ضمن خطط ليبية في هذا الإطار، مع فتح الباب أمام عقود استكشافية جديدة في البر والبحر.

أ.ف.ب
رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط بالإنابة مسعود سليمان موسى في مؤتمر صحافي في طرابلس، 11 فبراير 2026، لإعلان أول منح جديدة لتراخيص استكشاف وإنتاج النفط منذ 17 عاما

وفي 11 فبراير/شباط الماضي، أسندت ليبيا أول مزايدة لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز منذ أكثر من 17 عاما إلى ست شركات عالمية، بينها "شيفرون" الأميركية و"البترول التركية" و"إيني" الإيطالية و"قطر للطاقة"، وفق المؤسسة الوطنية للنفط. وتسعى ليبيا إلى تنشيط إنتاجها النفطي بعد سنوات من التعثر بسبب الاضطرابات والصراعات التي أعقبت عام 2011.

وقعت ليبيا اتفاقات لتطوير بعض الحقول النفطية مع شركة "كونوكو فيليبس" الأميركية و"توتال" الفرنسية بقيمة استثمارية تصل إلى 20 مليار دولار، وتمتد لـ25 عاما

تشمل جولة الطروحات والمناقصات الأخيرة 22 منطقة يُقدّر أن تحتوي على نحو 10 مليارات برميل من الموارد المتاحة، إضافة إلى 18 مليار برميل غير مكتشفة، وفق تقرير لشركة "إنفيروس إنتليجنس ريسيرش" نقلته "بلومبرغ".

واشنطن لتعزيز حضور شركاتها في ليبيا

يأتي دخول الشركات الأميركية للاستثمار في قطاع النفط الليبي، ضمن جهود الإدارة الأميركية الحالية لتوحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس. وقد أكد الأخير  أن ليبيا تشكل أولوية اقتصادية واستراتيجية للولايات المتحدة، كاشفا عن توجه لتعزيز حضور الشركات الأميركية الكبرى في قطاعي النفط والغاز في ليبيا.

‏وقال بولس في قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في طرابلس، في شهر يناير/كانون الثاني المنصرم، إنه حمل رسالة خاصة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ليبيا، تؤكد دعم واشنطن للاستقرار والتعاون الاقتصادي الوثيق، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تنظر الى ليبيا كشريك استراتيجي أساس في المنطقة.

أ.ف.ب
مصفاة نفط في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا، في 11 يناير2017

‏وأضاف ‏بولس في تصريحاته أن الفترة المقبلة ستشهد خطوات عملية لتفعيل شراكات مع شركات أميركية لإجراء دراسات استكشافية في المناطق البحرية، بالإضافة إلى استكمال اتفاقات لتطوير حقول الواحة باستثمارات ضخمة.

وأعلن رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة أن العقود مع الشركات الأميركية تأتي في إشراف مباشر من حكومة الوحدة الوطنية، بما يعكس مستوى الاهتمام الدولي بتوسيع الشراكة الاقتصادية مع ليبيا.

صراع السلطة والفساد يهددان جاذبية الاستثمار في ليبيا

يصطدم الدور الأميركي في ليبيا، بانقسام سياسي ممتد منذ أكثر من عشر سنوات، بين حكومتين، واحدة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتحظى باعتراف دولي، وبدعم من المجلس الأعلى للدولة، الغرفة التشريعية الثانية. أما الحكومة الأخرى، فتتخذ من مدينة بنغازي في شرق ليبيا مقرا لها، ويرأسها أسامة حمّاد، وتحظى بثقة مجلس النواب الليبي، الغرفة التشريعية الأولى. هذا فضلا عن وجود قواعد وقوات أجنبية في شرق ليبيا وغربها، حيث توجد قوات تركية في غرب البلاد، وقوات من مرتزقة فاغنر في شرق البلاد.

ويؤكد الصحافي الاقتصادي عبد الله الزايدي لـ"المجلة"، أن تحديات كثيرة تواجه ليبيا، فهي تحتاج إلى العمل على تطوير الإنتاج لأن هناك استهلاكا محليا كبيرا للغاز، كما أنها تعاني من عدم استقرار سياسي وتذبذب في خطط الإنتاج والميزانيات المخصصة لمؤسسة النفط، وغير ذلك من التحديات.

ليبيا قد تشكل جزءا من معادلة أمن الطاقة الأوروبي على المدى المتوسط، لكنها ليست حلا سريعا لتعويض أي نقص مفاجئ

بالإضافة إلى ذلك، يمثل انتشار الفساد في ليبيا تحديا كبيرا أمام أي استثمارات جديدة في البلاد، إذ تعد الدولة من بين أسوأ عشر دول في العالم وفق مؤشر مدركات الفساد العالمي. كما يسهم الخلاف الداخلي حول دور بعض شركات النفط المحلية، وشبهات الفساد التي تدور حول بعضها، في ما يتعلق باستيراد الوقود، وآليات الرقابة على هذه الشركات، والعلاقات التي تربط المشاركين فيها، في جعل المخاوف تتصاعد في شأن قدرة المؤسسات الليبية على حماية حقوق المستثمرين الأجانب في البلاد.

تحديات الإنتاج المحلي

وأشار الصحافي الاقتصادي محمد القرج في حديث الى "المجلة"، إلى أن إنتاج ليبيا من النفط يتراوح بين 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يوميا في أفضل الأحوال، وهو مستوى قريب من الطاقة التشغيلية الحالية للحقول القائمة. لذلك فإن أي زيادة كبيرة في الإمدادات نحو أوروبا لن تكون سريعة، لأن رفع الإنتاج يتطلب استثمارات في تطوير الحقول القائمة وإعادة إطلاق مشاريع الاستكشاف التي توقفت لسنوات. وأضاف القرج أن الوضع في ما يتعلق بالغاز، أكثر تعقيدا. فالجزء الأكبر من الغاز المنتج في ليبيا يُستخدم لتوليد الكهرباء محليا، بينما الكميات المصدرة إلى أوروبا عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى إيطاليا تبقى محدودة نسبيا. وأكد أنه لا يمكن الحديث عن قدرة ليبية على تعويض نقص كبير في الغاز الأوروبي في المدى القصير.

أ.ف.ب
ميناء البريقة النفطي في مرسى البريقة، على بعد نحو 270 كيلومترا غرب مدينة بنغازي شرق ليبيا، 24 سبتمبر 2020.

ومع ذلك، ذكرت وكالة "نوفا" الإيطالية للأنباء في 4 مارس/آذار الجاري أن ليبيا تصدرت قائمة مورّدي النفط إلى إيطاليا في عام 2025، بإجمالي واردات بلغ 13.43 مليون طن، أي ما يعادل نحو ربع إجمالي واردات إيطاليا من النفط الخام.

ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية محمد درميش في حديث مع "المجلة" إنه يجب على  المسؤولين في الدولة الليبية وضع برامج وخطط لزيادة تنويع مصادر الدخل القومي وحل المشاكل الاقتصادية مثل مشكلة الإيراد ومشكلة الإنفاق، وإعادة ليبيا كدولة لها ثقلها في قطاع الطاقة في المجتمع الدولي. 

لذلك يمكن القول إن ليبيا قد تكون جزءا من معادلة أمن الطاقة الأوروبية على المدى المتوسط، لكن من الصعب اعتبارها حلا سريعا لتعويض أي نقص مفاجئ في الإمدادات. بالتالي، يمكن زيادة إنتاج النفط والغاز في ليبيا، ولكن هذا الأمر سيحتاج وقتا واستثمارات واستقرارا مؤسسيا داخل قطاع الطاقة، في بلد لا يزال الانقسام يحكمه على صعد عدة.

font change