ما أعطته الفرنسية لسيوران وما أخذته منه

كمن يكتب داخل بيت جميل ويحتفظ بحقيبة الرحيل عند الباب

Al Majalla
Al Majalla

ما أعطته الفرنسية لسيوران وما أخذته منه

في باريس كان الكاتب إميل سيوران يتمتع بعادة تصلح لأن تكون مفتاحا لحياته كلها: حين يشتد الأرق، ينهض ويمشي في الليل لساعات في شوارع صامتة، كأن المدينة تصبح سريرا طويلا، وكأن الرصيف يتحول إلى وسادة تمنحه أمانا مؤقتا وتساعده في ترتيب أنفاسه. لاحقا سيحكي أنه واصل ذلك إلى أن تغير الزمن وصار الليل "أخطر" ويستدعي حذرا في العبور، مما أجبره على إيجاد حل بسيط: ركوب الدراجة لمسافات طويلة، وجسد يتعب بالتدريج، وحركة تطفئ جزءا من نار السهر وتعيد إلى الرأس هدوءه إلى أن يلين التوتر.

هذا النوع من الحياة يشرح أكثر من السير الذاتية المصفوفة: رجل ينام على نحو مختلف عن الآخرين، ولهذا يعيش الوقت بترتيب آخر، كأن الساعات عنده مادة قابلة للتمدد والانكماش في الداخل. هذا ما يعبر عنه سيوران بحدة واضحة: الوعي يتحول أحيانا من ميزة إلى كارثة كبرى حين يمتد السهر طوال الليل ويصير النهار امتدادا لذلك الليل، وحين يتأخر النوم عن منحك نعمة الانطفاء المؤقت. من هنا خرجت تلك الجملة التي تستقر في الذاكرة: آخرون "يسقطون في الزمن"، فيما هو يشعر كأنه "سقط خارج الزمن".

من يسقط خارج الزمن يحتاج لغة تمسك به، أو على الأقل تمسك بجملته وتمنحها شكلا صالحا للحياة بين الناس. لهذا يبدو انتقاله من الرومانية إلى الفرنسية انتقالا بين نبرتين أكثر منه انتقالا بين قاموسين: نبرة تشبه الريح وهي تدخل البيت بلا استئذان، ونبرة تشبه شخصا يفتح الباب بهدوء ثم يعتذر عن الضجيج الذي في داخله ويضع الكلمات في أماكنها. سيعترف سيوران في مقابلاته أنه تعافى في فرنسا من "اللغة الفلسفية المتعالية" ومن جرجرة المصطلحات التي تصنع عالما اصطناعيا يظن الكاتب فيه أنه إله، وأنه تعلم من تقليد "الأخلاقيين" (Moralistes) الفرنسيين كيف تقال الأمور العميقة ببساطة تصل إلى الناس وتلامس خبرتهم اليومية.

بدلة رسمية للألم

في كتابه الأول بالرومانية "على مرتفعات اليأس" (Pe culmile disperării – 1934)، كان سيوران يكتب كأنه يفرغ جسده في الصفحة: فقرات تشبه موجات، غضب يعلن المبالغة بوصفها حقا شعوريا، ولغة تتقدم بحس خطابي يكاد يكون موسيقيا من كثرة اندفاعه وتتابع أنفاسه. هذا الكتاب سيظل علامة على مرحلته الأولى، مرحلة تحمل نبرة الشاب الذي يكتشف الأرق بوصفه طريقة وجود، ويمنح الحزن مكانة مادة أساسية مثل الخبز، ويعامل الأفكار على أنها حرارة تسري في الدم قبل أن تصير حججا على الورق.

تعافى سيوران في فرنسا من "اللغة الفلسفية المتعالية" ومن جرجرة المصطلحات التي تصنع عالما اصطناعيا يظن الكاتب فيه أنه إله

بعدها تأتي الفرنسية فتبقي موضوعاته على حالها تقريبا: سقوط، وعي، فشل، نفور، افتتان بخراب الأشياء... ويحدث التحول في طريقة حمل الموضوع وصوغه. ولعل أوضح مثل على ذلك هو كتابه الفرنسي الأول، "رسالة في التحلل" (Précis de décomposition – 1949): بناء من مقاطع وتأملات مشدودة إلى عناية واضحة في القطع والتكثيف، كأن المعنى يصاغ في حيز ضيق كي يتفادى تعرية صاحبه، وكي يبقى محتفظا بحدته من غير ترهل. اللافت أنه حتى وهو يدخل الفرنسية بقوة، كان يراجع نفسه بصرامة: يروى أنه رأى كتابه الأول بالفرنسية أطول مما يلائم فكرته عن الإيجاز. هنا تظهر الفرنسية كمدرب صارم: تمنحك المنصة، تفرض عليك اقتصاد العبارة، وتضع ثمنا واضحا لكل إطالة، وتكافئ الجملة حين تخرج لامعة ومركزة.

غلاف كتاب "رسالة في التحلل"

بعدها بقليل يقترب سيوران من الشكل الذي صار علامته الأشهر: الشذرة. في كتابه الفرنسي الثاني، "قياسات المرارة" (Syllogismes de l'amertume – 1952)، الذي ترجمه آدم فتحي إلى العربية تحت عنوان "المياه كلها بلون الغرق"، تتحول الجملة إلى إبرة: قصيرة ودقيقة، ساخرة تلسع وتترك أثرا فوريا، كأنها ومضة تنهي الكلام قبل أن يسترسل، وتستبدل الحجة الطويلة بلمعة واحدة تصيب العصب. في إحدى شذرات القسم المعنون بـ"سيرك العزلة" يقول: "لا أحيا إلا لأن في وسعي الموت متى شئت. لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ البداية"، وهنا يقدم اعترافا يجمع الحدة والهدوء: فكرة الانتحار عنده تعمل كصمام أمان وتمنحه قدرة على احتمال يوم إضافي، ويصفها بأنها وسادة نفسية ترافقه منذ بداياته. إن حضور هذا الباب في الخيال يخفف ضغط الحياة، ويمنح النفس فسحة للمتابعة، ويكسب هذا الاعتراف نبرة يومية كأن الفكرة تقال على الهامش. هكذا تصير الشذرة تدريبا على الاختصار، وكل سطر يلمح إلى عالم كامل ثم يترك أثره في الصمت.

غلاف كتاب "قياسات المرارة"

مثالب الولادة

تبلغ هذه التقنية ذروتها في "عيب أن تكون قد ولدت" (De l'inconvénient d'être né – 1973)، الذي أيضا ترجمه آدم فتحي إلى العربية تحت عنوان "مثالب الولادة"، حيث يختار أن يكتب الكتاب، في معظمه، على هيئة شذرات متتابعة. ثم تأتي جملة تتردد كثيرا في تداول القراء لأنها تختصر "كيمياء" سيوران: "لا داعي إلى أن نقتل أنفسنا، بما أننا نقتل أنفسنا دائما بعد فوات الأوان". تعيش القسوة هنا في المعنى وفي طريقة تقديمه معا: برودة محسوبة وإيقاع قصير، كأن الألم تحول إلى ملف صغير يغلق في سطر واحد، ويترك وراءه صمتا أطول من السطر نفسه.

غلاف كتاب "مثالب الولادة"

هذا التحول الشكلي يحمل معنى يتجاوز لعبة الأسلوب ويكشف عن اختيار وجودي في طريقة التفكير والكتابة. يقول سيوران نفسه إن "الشرح يبعث على الملل"، ويجعل من ذلك مبررا واضحا لميله إلى الشذرة بوصفها كتابة تراهن على اللمعة المركزة وتكتفي بما يلمس العصب مباشرة. تتحرر الشذرة عنده من ادعاء بناء نظام فكري مكتمل، وتقيم أثرها عبر ومضة تصيب المعنى ثم تتركه يعمل وحده في ذهن القارئ. هكذا تشبه عود ثقاب يشتعل لحظة في غرفة مظلمة: يضيء زاوية واحدة بحدة ثم ينطفئ ويبقي العين يقظة لما رأت.

حضور هذا الباب في الخيال يخفف ضغط الحياة، ويمنح النفس فسحة للمتابعة، ويكسب هذا الاعتراف نبرة يومية كأن الفكرة تقال على الهامش

هنا تفيد لمسة نقدية خفيفة من رولان بارت: فكرة "كتابة تبدو بلا زخرف"، كتابة تخفف الزينة كي تقوي الأثر وتمنح الجملة حضورها الصافي. الفكرة بسيطة وقريبة من الخبرة اليومية من دون الدخول في المصطلحات: أحيانا تحدث الجملة الأقصر الصدمة الأوضح لأنها تصل مباشرة إلى المعنى وتتركه عاريا من الحشو. هذا ما منحته الفرنسية لسيوران: جعلت الألم مشذبا ومضبوط الإيقاع، قابلا لأن يقرأ كحكمة قصيرة أو شذرة لامعة بدل أن يظل عويلا ممتدا يتعب القارئ قبل أن يصل إلى قلب الفكرة. ومع هذا التشذيب بات الوجع عنده يتخذ شكلا يمكن تداوله وتذكره بسهولة لأن العبارة نفسها صارت تحمل أثرها في حوافها.

AFP
الفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت

كل تهذيب يدفع ثمنا في المقابل، لأن الفرنسية، بما تفرضه من دقة وتربية أسلوبية، انتزعت من سيوران جزءا من عريه الأول: ذاك الانفلات الذي تسمح به اللغة الأم، ذاك الحق في الفوضى من غير إحساس بالتعري أمام القارئ. في الرومانية كان الاندفاع يجري على سجيته، والنبرة تتكاثر كما تتكاثر الأنفاس، أما في الفرنسية فبات الانهيار يقدم بنبرة أقرب إلى الاعتذار المهذب، كأن الكاتب يضبط صوته وهو ينزف. هذه خسارة تحتاج عينا يقظة لالتقاطها لأنها تصل إلى القارئ في هيئة تحسن واضح، تحسن تقني يرفع جودة العبارة وفي الوقت نفسه يقتطع شيئا من حرارة الفوضى التي كانت طاقة الصدق نفسها في لحظات كثيرة.

من المثير للانتباه أن سيوران كان واعيا بهذه اللعبة. في مقابلته عام 1986 مع آنكا فيسدي التي تحدث فيها عن تعافيه من الجرغون الفلسفي، يهاجم "اللغة المعقدة" حين تستعمل لقول أمور بسيطة، ويصف أثرها بأنها تباعد الفكر عن الواقع وتغذي كبرياء ذهنيا. عنده تصير الفرنسية أداة ومعيارا في آن، حارسا يرد العبارة إلى حدود الخبرة، ويجعل الفكرة تمر عبر اختبار الصدق قبل أن تستقر على الورق، يشدها إلى اليومي، يكبح الاستعراض، ويترك للجملة وقعا طبيعيا.

جواز سفر من الحبر

حين يكتب الكاتب بلغة كبرى في مركز ثقافي مثل باريس، يتحول نصه ويتحول معه موقعه على الخريطة الثقافية. كان سيوران انتقل إلى باريس عام 1937 (ولاحقا استقر في الحي اللاتيني) وعاش حياة شديدة الخصوصية تميل إلى العزلة الهادئة، ثم أصبح "اسما" داخل لغة تقرأ على نطاق أكثر اتساعا من لغته الأم، وتفتح له دوائر نقد ونشر في قلب المشهد الأوروبي آنذاك.

غلاف كتاب "على ذرى اليأس"

والدليل الملموس على "جواز السفر" هذا يظهر في استقبال كتابه الفرنسي الأول، "رسالة في التحلل"، الذي صدر بالفرنسية عام 1949 كما ذكرنا، لكن الأبرز حصاده "جائزة ريفارول" عام 1950، وهي جائزة تخصص للأعمال المكتوبة بالفرنسية على يد كتاب قادمين من خارج فرنسا. هذه الجائزة تتجاوز كونها تفصيلا بروتوكوليا لأنها تعلن دخوله المجال الفرنسي من الباب الواسع، وتمنحه اعترافا رسميا مبكرا، مع احتفاظه بمزاجه الحذر من الأضواء وبتردده أمام أي احتفاء اجتماعي.

انتزعت الفرنسية من سيوران جزءا من عريه الأول: ذاك الانفلات الذي تسمح به اللغة الأم، ذاك الحق في الفوضى

هنا تساعدنا فكرة بيار بورديو عن "الرأسمال اللغوي" بطريقة بسيطة: بعض اللغات تمنح صاحبها قابلية تداول أعلى، وذلك لأن العالم رتب نفسه تاريخيا وثقافيا حول مراكز تمتلك النشر والنقد والجامعات والمنابر. هذا الامتياز أعطته الفرنسية لسيوران، فباتت شذراته مقروءة بوصفها امتدادا لتقليد فرنسي طويل في كتابة التأملات والعبارات القصيرة، وتحول اسمه إلى مرجع داخل الذائقة الفرنسية، حتى في مقالات القراء وحواراتهم، بوصفه قريبا من كبار الكتاب الذين صاغوا هذا اللون من الكتابة.

PIERRE VERDY / AFP
عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو خلال منتدى نظمته مكتبة "فناك" في باريس في 7 أكتوبر، بعد أسابيع قليلة من صدور كتابه "الهيمنة الذكورية"

هذا الامتياز نفسه يفرض ثمنا خفيا يتجلى في أن الدخول في اللغة الكبرى يشبه دخول قاعة واسعة مضاءة، حيث يلتقط الضوء التفاصيل ويجعل الحضور أكثر وضوحا. في هذه القاعة يصير الاختباء أقل سهولة مما كان عليه في غرفة صغيرة، مما يحول الكتابة إلى نوع من الظهور حتى عندما يميل صاحبها إلى التخفي. كان سيوران شديد الحساسية تجاه "الكتابة التي تتظاهر بالعل"، لذلك قال بوضوح إنه تعلم في فرنسا أن البساطة تحمل عمقا خاصا، وأن تقليد الأخلاقيين (من لا روشفوكو وشامفور وغيرهما) يعلم الكاتب مخاطبة الناس بروح تواضع، ومع ذلك يقول أمورا عميقة ومؤثرة. هذا الكلام يتجاوز وصف التقنية برسمه تبدل المكانة: صار لزاما عليه أن يحسن مخاطبة قارئ فرنسي يقدر صفاء العبارة ويستجيب للجملة المقتصدة.

من داخل نصوصه يخرج أثر هذا التحول كإحساس دائم بالانشقاق، أي الرغبة في أن يكون "شيئا آخر" غير ما ولد عليه، وأن يعيد تركيب نفسه من جديد عبر نبرة مغايرة. في "مثالب الولادة" ترد تلك الشذرة الشهيرة عن التمرد على الأصل، وعن قضاء العمر في اشتهاء هوية أخرى، أي هوية أخرى، ما عدا الهوية الموروثة التي تفرض نفسها كقدر. وهذه الشذرة هي كالتالي: "متمردا على أصلي باستمرار، تمنيت طيلة حياتي أن أكون آخر: اسبانيا، روسيا، آكل لحوم بشرية – أيا كان باستثناء ما كنت...". تبدو الشذرة ذات نبرة شخصية، غير أنها تحمل معنى أوسع يقول إن اللغة الجديدة تتجاوز المفردات لأنها تمنح احتمالا لتبديل القناع الداخلي، ولتجربة شخص آخر على الورق، حتى لو بقي الجسد واحدا والقلق واحدا.

قد تمنحك اللغة التي "تسكنها" شعورا بأنها هي التي تسكنك أيضا، وبأن امتلاكها يبقى مشوبا بقدر من المسافة مهما بلغت درجة الإتقان

هنا تتقاطع تجربة سيوران مع فكرة جاك دريدا عن التباس العلاقة باللسان: قد تمنحك اللغة التي "تسكنها" شعورا بأنها هي التي تسكنك أيضا، وبأن امتلاكها يبقى مشوبا بقدر من المسافة مهما بلغت درجة الإتقان. لا حاجة للمصطلح كي يفهم القارئ هذا لأن خبرة اللغة الثانية تعلم صاحبها أن الطلاقة تمنح لمعانا إضافيا، وتبقي أثر الغربة قائما في العمق. لقد أتقن سيوران الفرنسية إلى حد أن كثيرين اعتبروه من كبار كتابها، ومع ذلك ظل أثر المسافة حاضرا في نبرته: نبرة من يكتب داخل بيت جميل ويحتفظ بحقيبة عند الباب كأنه يتهيأ للرحيل في أي لحظة.

font change

مقالات ذات صلة