زمن الانفلات الاستراتيجي... من طهران إلى الخرطوم

الانزلاقات لا تبدأ عادة بقرار معلن للحرب الشاملة لكنها تبدأ بسوء تقدير

أ ف ب / رويترز/ "المجلة"
أ ف ب / رويترز/ "المجلة"

زمن الانفلات الاستراتيجي... من طهران إلى الخرطوم

يعيش العالم اليوم حالة من الانفلات الاستراتيجي التي بلغت حد الكارثة، حيث لم تعد النزاعات حبيسة لجغرافيتها، بل تحولت بنمط مطّرد إلى مواجهات إقليمية مفتوحة، تتسع رقعتها بمرور الزمن. حالة يميزها تراجع قدرة النظام الدولي على احتواء النزاعات الإقليمية ومنع تحولها إلى صراعات عابرة للحدود، نتيجة تآكل الردع، واستقطاب القوى الكبرى، وصعود فاعلين دون-دولتيين مدعومين خارجياً.

هذه الحالة من العجز البنيوي الذي أصاب المنظومة الدولية متعددة الأطراف لما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي وقفت عاجزة أمام توالي الانفجارات الجيوسياسية المسلحة، بدءاً من الحرب الروسية-الأوكرانية، ومروراً بتمزق النسيج الوطني وانفجار الحرب في السودان، ثم فداحة المأساة الإنسانية في وجه شعب أعزل في غزة، وصولاً إلى اللحظة الأكثر حرجاً في تجليات هذا العجز، وهو اشتعال فتيل الصدام المباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يضع النظام العالمي السائد حالياً أمام أصعب اختباراته الوجودية، والتي تشهد اشتعال فتيل النزاع تلو الآخر، قبل أن تنطفئ أو حتى تهدأ قليلاً نيران الذي سبقها.

بدأت العمليات العسكرية المشتركة الأميركية-الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026 بضربات جوية مركزة استهدفت قيادات إيرانية عليا، بما في ذلك "المرشد" علي خامنئي، ومنشآت نووية ومواقع عسكرية رئيسة. ردت إيران بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ليس فقط نحو إسرائيل، بل امتد الرد إلى دول عربية لم تشارك في الهجوم عليها، بل إن بعضها أعلن صراحة أنه لن يسمح باستخدام أجوائه في الهجوم على إيران. وبغض النظر عن أي تبريرات إيرانية فالواقع أن هذا الرد قد افتقر للحكمة السياسية، والتي كان يمكن استخدامها في الحصول على دعم دولي باتجاه وقف التصعيد. لكن إيران اختارت توسيع دائرة المواجهة بإقحام جيرانها في النزاع، في نوع من فرض شراكة الألم. وهو الأمر الذي عرَّض المنطقة بل العالم بأسره إلى مخاطر اقتصادية وأمنية هائلة، جراء ارتفاع أسعار النفط، وتوقف إنتاج الغاز، ذلك بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز وقناة السويس وعدد من الممرات البحرية الهامة الأخرى.

التوترات الإثيوبية مع إريتريا شمالا والصومال جنوبا، كلها تزيد من حساسية موقفها وخطورة خيارها بالانخراط في حرب في دول أخرى، وهو ما قد يمنح كل هذه الدول مبررا سياسيا شرعيا للهجوم عليها

وفي الجانب المقابل من البحر الأحمر، تبقى العلامة الأبرز لعدم الاستقرار في القرن الأفريقي، هي حرب السودان المشتعلة منذ أبريل/نيسان 2023، وقد شهدت الحرب تورطاً إقليميّاً لعدد من الدول المجاورة للسودان. فقد ظلت تشاد قاعدة انطلاق وتموين وعمق تكتيكي لعمليات ميليشيا "الدعم السريع" في غرب السودان. ثم برزت المعلومات عن تورط ليبيا وأوغندا وكينيا في تسهيل وصول الأسلحة والمرتزقة إلى الميليشيا بالإضافة إلى توفير الدعم السياسي والدبلوماسي والاستضافة في أراضيها. ولكن في 2 مارس/آذار 2026، أعلنت وزارة الخارجية السودانية في بيان رسمي تعرض السودان لهجمات بطائرات مسيرة تنطلق من الأراضي الإثيوبية. وفي اليوم التالي أكد الناطق باِسم الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة على علم بالتقارير عن استخدام الأراضي الإثيوبية لشن هجمات بالطائرات المسيرة على السودان. جاءت هذه المعلومات في ظل انشغال العالم بالصراع في إيران، وبعد تكرر المعلومات عن إنشاء "الدعم السريع" والجهات الإقليمية الداعمة لها لعدد من معسكرات التجنيد والتدريب والاستعانة بالمرتزقة في الأراضي الإثيوبية منذ العام الماضي. 

أ ف ب
عامل أمام بناء متضرر في ضاحية اللاماب قرب العاصمة السودانية الخرطوم في 30 يوليو 2025

وبالرغم من أن السودان كان وما زال ضحية تداخلات إقليمية متعددة، فإن التورط الإثيوبي في حرب السودان يشكل منعطفاً خطيراً يهدد الإقليم بأسره. فالمعادلة السودانية-الإثيوبية متداخلة بتعقيدات عدة عوامل؛ أهمها وجود الميليشيات الإثيوبية المتصارعة مع حكومة أديس أبابا في العمق السوداني، مثل ميليشيات الفانو (من قومية الأمهرة)، وأيضا قوات التيغراي، بالإضافة إلى ما ظهر من تصريحات للمتحدث باِسم قوات الأرومو بأنه "ليس مقبولا أن تدعم الحكومة الإثيوبية جهات أجنبية على حساب الشعب السوداني وجيشه". وهذه كلها قوات صلبة لها توترات وصراعات سابقة وحديثة مع حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. 
وبالاضافة إلى ذلك فإن التوترات الإثيوبية مع إريتريا شمالا والصومال جنوبا، كلها تزيد من حساسية موقفها وخطورة خيارها بالانخراط في حرب في دول أخرى، وهو ما قد يمنح كل هذه الدول مبررا سياسيا شرعيا للهجوم عليها. وأيضا فإن السودان هو ضلع مهم ثالث في التوتر الإقليمي حول مياه النيل بين مصر وإثيوبيا بعد اكتمال بناء سد النهضة. وكل هذه العوامل تجعل الاحتكاكات السودانية–الإثيوبية مساحة قابلة للانفجار المتعدد الأطراف. 

في غياب إرادة دولية لإعادة بناء نظام أمني متماسك، فإن أخطر ما يهدد المنطقة ليس ضربة بعينها، أو اختراق للحدود، بل تآكل القواعد التي كانت تمنع النزاعات من التحول إلى حروب شاملة

إن الأيادي الإقليمية التي أغرت ودفعت عدداً من الدول للتورط في الحرب السودانية– عبر التمويل أو التسليح أو التسهيل اللوجستي– تجد نفسها الآن أمام ارتداد استراتيجي يهدد المنطقة بأسرها، ويفتح أيضاً مسارات غير قابلة للتحكم فيها، في إقليم تتقاطع فيه الهويات العابرة للحدود، والسلاح المنفلت، والاقتصادات المنهكة، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تعيد رسم خرائط التحالفات بالقوة. 
لقد استنزفت الحرب الروسية–الأوكرانية أوروبا سياسياً وعسكرياً ومالياً. والعجز الأوروبي عن فرض تسوية أو حتى بلورة رؤية أمنية مستقلة جعل القارة الأوروبية رهينة لإرادة قوى من خارجها. وهذا الضعف انعكس مباشرة على دورنا في الأقاليم الهشة مثل القرن الأفريقي، حيث فشلت أوروبا في لعب أي دور فاعل في إيقاف حرب السودان والنزاعات التي قبلها مثل الحرب الأهلية الإثيوبية. فحين تنشغل القوى الأوروبية بمسرح أوروبي–أوراسي، تتراجع القدرة على احتواء الانفجارات في الأطراف. 

 أ ف ب
جنود من "قوات الدفاع الوطني الاثيوبي" على متن شاحنة على الطريق الواصلة بين غوندار والحدود السودانية في 24 فبراير 2024

والأمم المتحدة، في هذا السياق، تبدو أمام مأزق وجودي. شللها في إيران، وقبلها أوكرانيا نتيجة تورط الدول العظمي بشكل مباشر في الصراع، وفشلها في إيقاف حرب السودان، وشللها في غزة وعجزها عن فرض مسار تفاوضي ملزم، وانعدام قدرتها على حماية المدنيين، كلها مؤشرات على أزمة عميقة في مفهوم الأمن الجماعي. حين تصبح قرارات مجلس الأمن رهينة الاستقطاب بين القوى الكبرى، تتحول المنظمة في شللها من ضامن للنظام الدولي، إلى شاهد على تفككه. 

الانزلاقات لا تبدأ عادة بقرار معلن للحرب الشاملة؛ لكنها تبدأ بسوء تقدير، برد فعل غير محسوب، أو استخدام ساحة هشّة لتصفية حسابات أوسع. إن ما يحدث في إيران يقدّم نموذجاً. وما يتشكل في القرن الأفريقي قد يكون نسخته الأكثر خطورة، لأن هشاشة الدول هناك أعمق، وحدودها أكثر سيولة، وتاريخ نزاعاتها أكثر تعقيداً. وفي غياب إرادة دولية لإعادة بناء نظام أمني متماسك، فإن أخطر ما يهدد المنطقة ليس ضربة بعينها، أو اختراق للحدود، بل تآكل القواعد التي كانت تمنع النزاعات من التحول إلى حروب شاملة.

font change

مقالات ذات صلة