ماري مورسكي في حديقة الشعرhttps://www.majalla.com/node/330184/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%B3%D9%83%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1
حين تجمع أعمال شاعر لا يزال على قيد الحياة، لا تكون المسألة أحيانا توثيقا لقيمة منجزه فحسب، بل استجابة لطابعه الطارئ.
من هذا المنظور يفهم قرار منشورات "Les Hommes sans épaules" إصدار الأعمال الشعرية الكاملة لماري مورسكي تحت عنوان "بعيدا، حتى الفجر". قرار يتيح اليوم فرصة الإحاطة بتجربة شاعرة فرنسية (من أصل بولندي) تشكل علامة فارقة في المشهد الشعري الفرنسي المعاصر، سواء بشعرها المكتوب بـ"كلمات مسلوخة"، أو بمسيرتها المؤلمة إلى حد الصراخ.
بالنسبة إلى صديقها وناشرها الأول، الشاعر جان بروتون، "الطارئ في شعر مورسكي هو حقيقته". حقيقة لا تخفى مرارتها، وتنعكس في بنية شعرية ذات طابع سيرذاتي، تبحث بإلحاح عن نقطة رسو، عن مكان أمان، بعد طفولة صادمة، ثم بعد تجربة عاطفية مع نرجسي منحرف، أوقفت الشاعرة عن الكتابة أربعة عشرة عاما، وكادت تفضي بها إلى الموت.
لكن اختزال شعر مورسكي في واقعه المعتم سيكون قراءة مبتورة. ففي نصوصها، تتدفق أيضا سوريالية حالمة، تتجلى في صور مبتكرة تشرع أبواب عالم تخييلي مدهش، حين لا تقترح زوايا نظر غير مألوفة لعالمنا. صور مشغولة بـ"كلمات خفيفة" تطفو مثل غيوم "في سماء الحبر".
علاج بالصراخ
ديوان مورسكي الأول، "من أجل تغيير الصفاء"، صدر عام 1977، تلاه "زرقة الملوك" بعد ثلاث سنوات. وفي أعقاب هذين العملين، كتب جان بروتون في مجلة "شعر 1": "إن ما يمنح هذا الشعر أهميته وضرورته الملحة هو صدقه. شعر نابع من علاج بالصراخ، بلا شك".
لكن الاعتراف النقدي الأوسع لم يتحقق إلا مع ديوانها الثالث، "إن صادفت هاوية" (1983)، الذي ثبت اسم مورسكي كأحد الأصوات الصاعدة الأكثر موثوقية في الشعر الفرنسي الجديد.
في نصوصها، تتدفق أيضا سوريالية حالمة، تتجلى في صور مبتكرة تشرع أبواب عالم تخييلي مدهش، حين لا تقترح زوايا نظر غير مألوفة لعالمنا
عندها اختار بروتون إجراء أول قراءة معمقة لإبداعها، فكتب: "كتابة هذا الديوان رصينة ومحكمة، ومن الواضح أن هذا الجهد صقل حساسية متوهجة تتجلى عبر موضوعات أكثر عمقا وجسامة مما سبق، وفي مقدمها الموت بوصفه عنصرا مندمجا في الزمن والطبيعة والحب. كتابة تستعيد الشاعرة فيها لحظة الولادة لمواجهة قسوة الأم، قبل أن تشخص، بإصرار وترددات مريرة، في ذلك 'الوعد بالعدم' الذي يشكل شرط وجودنا".
عام 1989، صدر ديوان "المستحمة". وبين عامي 1990 و1992، نشرت مورسكي نصوصها النثرية الأولى: أربع قصص قصيرة.
في تلك الفترة، تعرفت إلى رجل فيزيائي نشر خمس مجموعات شعرية. بدا اللقاء حبا من النظرة الأولى، لكن ما حسبته الشاعرة خلاصا سرعان ما تحول إلى فخ، إذ لم تقع في حضن الحب، بل في قبضة مفترس نرجسي. وبما أنها كانت عاشقة، لم تر الصياد ولا الشرك.
منذ تلك اللحظة، توقف إبداعها الشعري تماما. لماذا؟ لأن هذا المنحرف – كما تقول - "هددني سريعا كي أكف عن العمل، وسعى بكل الوسائل إلى بلوغ مبتغاه".
غلاف ديوان "قط الصمت"
عن تلك المرحلة المظلمة من حياتها، تروي مورسكي: "كانت هناك غرف محظورة علي في البيت، لا سيما غرفة الجلوس الكبرى. أبعد عني كل أصدقائي، وعزلني عزلة تامة. عشت أحد عشر عاما من دون تلفاز، ولا صحف، ولا راديو، ولا هاتف. (…) أمام الآخرين، كان يظهر لي حبا لا يتزعزع، يشيد بصفاتي ويرفعني إلى مصاف المثال. أما في الخفاء، فكنت "عاهرة، كسولة، ساقطة...". ومع ذلك، واصلت الإعجاب به. احتجت وقتا طويلا لأدرك أنني كنت أمضي نحو الانحطاط والموت".
صفعات
في شهادتها "صراخ في الحديقة" (2004)، تصف مورسكي بدقة المسار الذي لا رجعة فيه للعنف والرعب والتجريف الذهني، الذي كانت ضحيته على مدى أربعة عشر عاما: "تلقيت الصفعة الأولى بعد أقل من عامين على لقائنا، بعدما سبقتها إهانات وتهديدات كثيرة. (…) ثم استقر العنف الجسدي تدريجيا، وكان في بدايته أقل تواترا من الشتائم والعقوبات، قبل أن يتفاقم بوتيرة متسارعة".
غلاف كتاب "صراخ في الحديقة"
استعبدت الشاعرة وسجنت داخل حديقة أدركت لاحقا أنها ستكون أيضا مقبرتها، فجعلت منها عملا إبداعيا بديلا: "كنت أذهب إليها ليلا بمصباح يدوي. كانت شاسعة، تمتد على أربعة عشر هكتارا، ثلاثة منها مشاتل وحدائق ورد. صارت رائعة. كان ه. ب. يمنحني يومين في السنة، في يونيو، لفتحها أمام الزائرين. كنت أعمل طوال العام من أجل هذين اليومين. لكنه سرعان ما ضاق ذرعا بالمديح الذي كنت أتلقاه، فمنع الزيارات وهدد بتدمير الحديقة".
بعد تحررها من سجانها، استعادت مورسكي الكتابة التي ظنت أنها فقدتها إلى الأبد. كتبت عن سنوات العنف تلك، فتحولت شهادتها، "صراخ في الحديقة"، التي بدأت في مدونة مجهولة، إلى كتاب أعيد طبعه أربع مرات، ثم إلى مسرحية عرضت على خشبة مسرح "ترواغرو".
حول نقل هذا النص إلى الخشبة، كتب الشاعر كريستوف دوفان: "اقتباس هذه السردية مسرحيا هو إتاحة فضاء إنصات للصوت الذي يرتفع فيها، وتجسيد لذلك العنف الذي يهاجم الآخر في هويته، وأنوثته، وإنسانيته. إنه تتبع وتفكيك لمسار إفناء الذات على يد الآخر، للعزلة المتنامية، ولاستحالة الهروب من سجن جدرانه غير مرئية. هكذا تصبح الخشبة فضاء ذهنيا حساسا لحميمية تدمر شيئا فشيئا، ولفريسة تتخبط في شباكها".
بعد أربعة كتب نثرية، عادت مورسكي إلى الشعر مع "بعيدا، حتى الفجر" (2019)، ثم "حين تحترق الكلمات حبا – مجال الصرخة" (2025)، وصولا إلى القصائد غير المنشورة التي يضمها فصل "الكتيم الكبير"، خاتمة أعمالها الكاملة.
غلاف ديوان "بعيدا حتى الفجر"
في هذه المرحلة التي تلت ولادتها الثانية، كتبت مورسكي شعرا مكثفا، نابضا بالعشق والشغف، حيث كل قصيدة شرارة تجمع بين القسوة والرقة بوصفهما وجهين لا ينفصلان. شعر يعلو داخله صوت أكثر هدوءا، ومسكون برغبة عارمة في مخاطبة الآخر عن الحب، كأن الشاعرة التقت هذا المعنى أخيرا، لا بوصفه وعدا، بل تجربة.
إنه شعر يقرأ ببطء، وترتشف قصائده على مهل، لما تحمله من شجن وصدق. وقد شبه على يد أحد النقاد بـ"حديقة متحولة تتعاقب فيها الفصول كلها، بمكان حياة ومكان موت، يذكر بورديات الشاعر أبولينير في "خريف مريض".
لكنه، قبل أي شيء، فضاء حميم، تنمو فيه — وتجهض أحيانا — ثمار غريبة، شهية، كتلك التي تذوقها السورياليون. فضاء يعاد فيه تأليف وتمثيل تراجيديا شخصية، بلا انقطاع، حيث تعيد الشاعرة خلط الأوراق وتشكيل عالمها.
شعر يعلو داخله صوت أكثر هدوءا، ومسكون برغبة عارمة في مخاطبة الآخر عن الحب، كأن الشاعرة التقت هذا المعنى أخيرا، لا بوصفه وعدا، بل تجربة
في تربة هذا الشعر، لا ينبت القلق فحسب - قلق العنف الذي اختبرته مورسكي لسنوات طويلة - بل أيضا إيروسية زهرية تتفتح ببطء، منذ ديوان "المستحمة": ترك الخفة/ في لذتها/ بطء الثمرة/ حول النواة".
وفي أرجائه، يشرح الحميمي عبر صور صاعقة يتحول الجسد نفسه فيها إلى حديقة، إلى مشهد، أو إلى ذاكرة: "بعض الغيوم تبقى/ تحت الجلد".
الشعر أنقذ حياتي
في المحصلة، يشكل شعر مورسكي مكان بعث متجددا ومختبرا لإعادة الخلق. شعر ينبع سحره من حركة متوثبة، دوارة، وأحيانا جارفة، مأهولة بعالم حيواني ونباتي تسمع الشاعرة نداءه الملتبس: "للحلم أسبابه/ أسباب ذئب في غابة خضراء/ وإن كنت أركض بلا انقطاع/ فلكي أعبر دون أن أرى/ الرؤوس الصغيرة الضاحكة التي/ تنبثق في كل مكان/ من جذوع الأشجار".
غلاف ديوان "الكلب الأصفر ذو الأذن المكسورة"
شعر تتعدد تجسدات مورسكي داخله، فتحضر تارة في هيئة مصارعة لا ترغب في "الموت بلطف"، فتقابل ثبات الموت الجليدي بحيوية الكلمات، وطورا كدوامة "تدور بالمقلوب" منذ الطفولة. أليست هذه، في جوهرها، دعوة الشاعر: أن يسير بعكس دوران العالم المألوف؟
لكل هذه الأسباب، تبقى أصداء هذا الشعر طويلا في نفس قارئه، لا لقسوته المؤلمة وحدها، بل لأنه يفتح جروحا لا تنغلق، ويزرع جذورا نابضة.
"لقد أنقذ الشعر حياتي"، أسرت مورسكي يوما لناشرها. وربما لذلك يحضر الموت غالبا في قصائدها في حمية احتفالية، كما في هذا النص: "ليأت/ خببا كما في الأراضي الموحشة/ أو صبورا كشباك صائد طيور/ لكن/ عسى مظلته ألا تكون حادة/ عند حدود عيني/ وعساه يتقن برقة/ فك فقاعة الهواء/ الملتفة حول إصبعي/ ويحتضنني برفق/ في برقه البسيط".
ربما لذلك أيضا يبقى هذا الشعر، بعد الانتهاء من قراءته، في متناول اليد.