التعامل الأوروبي المشتت تجاه الحرب ومستقبل إيران

الآثار العديدة للصراع بدأت تظهر تباعا

رويترز
رويترز
حضر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مؤتمراً صحفياً في ختام قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بلجيكا، في 20 مارس

التعامل الأوروبي المشتت تجاه الحرب ومستقبل إيران

تتواصل الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وتبدو أوروبا حيالها مهمشة ومنقسمة في صراع سيؤثر على موازين القوى الدولية في المرحلة القادمة. ومن خلال المقاربات المختلفة لأعضائه يتضح أن الاتحاد الأوروبي لم يبلور موقفا موحدا، بالرغم من الانعكاسات المحتملة لهذا النزاع على استقرار القارة القديمة واقتصادها. ومما لا شك فيه أن المواقف الأوروبية المشتتة إزاء الحرب، وعدم الإسهام في مجرياتها، سيمنع الدول الأوروبية من التأثير على مسارات "مستقبل إيران".

من الدور الأوروبي الوسيط إلى التهميش

يعتبر الاتحاد الأوروبي أن حرب إيران 2026 تمثل تهديدا خطيرا لأمن المنطقة والعالم، وهذه المقاربة تفترض انخراطا أوروبيا سياسيا ودفاعيا على مستوى التحديات، وليس التسليم بتهميش الدور الأوروبي إلى درجة عدم قيام واشنطن بإطلاع الدول الأوروبية على خططها وعدم الاهتمام بالتنسيق المسبق معها.

منذ 2003، لعبت الترويكا الأوروبية (فرنسا- بريطانيا- ألمانيا) مديدا الدور الوسيط من أجل حل سلمي للملف النووي الإيراني، لكن عندما تم توقيع الاتفاق المعروف أيضا بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، في عام 2015، تبين أنه قبل كل شيء اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران، مع تغليفه بطابع دولي.

بعد قيام الرئيس دونالد ترمب (خلال ولايته الأولى) بالانسحاب من هذا الاتفاق في 2018، أخذ يتراجع الدور الأوروبي الوسيط، ووجدت الترويكا نفسها غالبا بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني.

تداعيات غياب الاستراتيجية الأوروبية حول إيران

تبدو أوروبا للوهلة الأولى مهمشة في الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية التي تشمل إيران وإسرائيل والخليج والعراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط وأذربيجان ويتأثر بها الإقليم والعالم.

ومع اندلاع الحرب في إيران، تعاني أوروبا من انعكاسات صراع لم تكن ترغب فيه، لكنها أصبحت "ضحية جانبية" له.

بينما تتخذ الدول الأعضاء الـ27 عموما موقفا حذرا في مقاربتها للحرب الدائرة التي أخذت تسبب لها "صدمة جيوسياسية" و"صدمة نفطية" وتخوف من موجة "هجرة غير شرعية"، ومن تصاعد "التهديد الإرهابي".

التباعد الأميركي-الأوروبي في حقبة دونالد ترمب، كان له أثره على زيادة التردد والانقسام الأوروبي. وفي هذا الإطار، يأتي طلب سيد البيت الأبيض تشكيل تحالف دولي حول حرية الملاحة الدولية ومواجهة أزمة الطاقة

من ناحية التحولات الجيوسياسية، يكشف الصراع الحالي عن تراجع موقع القارة القديمة في ميزان القوى العالمي، لأن الاتحاد الأوروبي عنده مشكلة بنيوية في القدرات والرؤية الاستراتيجية للصراع في إيران وحولها من جهة، ولأن غالبية دوله تتجنب استعداء الولايات المتحدة من جهة أخرى.

من بين جميع مخاطر الصدمة الجيوسياسية، يبرز أولا الانقسام بين الأوروبيين، وهو لا يشكل استثناء عن القاعدة، إذ يصعب عمليا جمع سبع وعشرين دولة على موقف واحد. في هذا السياق، تنحاز ألمانيا ودول شرق أوروبا وأبرزها المجر بشكل أو بآخر لوجهة النظر الأميركية. في المقابل، أدانت أسبانيا هذه الحرب "غير الشرعية" بموجب القانون الدولي، وقد رفضت أسبانيا تقديم أي تسهيلات أو وضع قواعدها تحت تصرف الولايات المتحدة. ووصل الأمر بدونالد ترمب لتهديد مدريد بمقاطعة تجارية. 

أ ف ب
أدى أول مجندين في كرواتيا اليمين بعد إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية في سلوني في 20 آذار

من جهتها، توافقت الترويكا الأوروبية (فرنسا- بريطانيا- ألمانيا) على اعتبار الهجوم الأميركي-الإسرائيلي مخالفا للقانون الدولي، لكنها ألقت على كاهل طهران مسؤولية الوصول إلى هذه الحرب. واللافت أن المملكة المتحدة (خاصة "حزب العمال") المصابة بـ"متلازمة العراق"، وضعت علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة على المحك، عندما رفضت منحها حق استخدام قاعدة دييغو غارسيا، وتبعا لذلك، تعرض كير ستارمر لانتقادات دونالد ترمب الحادة. لكن الضربات التي طالت قبرص وحلفاء لندن في الخليج دفعت ببريطانيا لتغيير لهجتها، واتخاذ مواقف دفاعية من قبرص إلى البحرين. أما الرئيس إيمانويل ماكرون فقد أكد أن فرنسا لن "تشارك في المعركة"، لكن القوات الفرنسية يمكن أن تقوم بخطوات دفاعية من شرق المتوسط إلى الإمارات العربية المتحدة التي ترتبط معها بمعاهدة دفاعية منذ 2009.

وهذه الحرب ضد إيران تثير قلق الأوروبيين لأنها تُحوّل انتباههم عن أوكرانيا، التي كان ينبغي أن تكون أولويتهم، في ظل انشغال الأميركيين بأمور أخرى. ويتوجب عدم إغفال خوف الأوروبيين من الانزلاق إلى دوامة تقودهم للمشاركة في الحرب ضد إيران. وإضافة إلى تبريرات مرتبطة بانتهاكات القانون الدولي، تبرز ثغرات أوروبية في عدم توافر القدرات العسكرية كما ظهر من عدم وجود الجاهزية اللازمة عند البحرية الملكية البريطانية التي كانت يوما سيدة البحار، أو من عدم استخلاص دروس حرب أوكرانيا حول أهمية الدفاع الجوي واعتراض المسيرات، سلاح الحروب الهجينة الجديد. 

ومما لا شك فيه أن التباعد الأميركي-الأوروبي في حقبة دونالد ترمب، كان له أثره على زيادة التردد والانقسام الأوروبي. وفي هذا الإطار، يأتي طلب سيد البيت الأبيض تشكيل تحالف دولي حول حرية الملاحة الدولية ومواجهة أزمة الطاقة.

التجاذب حول مضيق هرمز 

الآثار العديدة للصراع بدأت تظهر تباعا، وأبرزها: الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما يمكن أن يؤدي إلى صدمة ركود تضخمي كبيرة للاقتصادين العالمي والأوروبي. ويخشى بعض المراقبين في أوروبا من مخاطر انعكاس صدمة الطاقة والتسبب بزعزعة استقرار الديمقراطيات الأوروبية عبر صعود القوى الشعبوية المتشددة.

تظهر أوروبا مترددة، مهمشة ومنقسمة إزاء "حرب إيران"، ويتم تبرير تراجع المكانة الأوروبية من خلال التركيز على أن هذه الحرب يشوبها عدم وضوح الهدف الذي يسعى له الثنائي ترمب-نتنياهو

ونظرا لأهمية مضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي، تستخدم إيران هذا الممر كورقة ضغط وعنصر قوة، حيث يتضح ان البنتاغون لم يضع خططا ملائمة لمنع تعطيل المرور.

وتجدر الإشارة إلى أن خُمس صادرات الطاقة يمر عبر هرمز وخصوصا الغاز المسال. ونتيجة هذا الوضع، دعا الرئيس ترمب الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية ودولا أوروبية وغربية أخرى إلى تشكيل تحالف لتأمين الملاحة في مضيق هرمز حيث سيتأثر على وجه الخصوص اقتصاد آسيا والشرق الأقصى وأوروبا من استمرار إغلاق هذا الممر إن بشكل جزئي أو انتقائي (السماح للصين والمستوردين من إيران دون غيرهم). لكن لا يبدو حتى اللحظة أن هناك تجاوبا أوروبيا إذ يقول مصدر فرنسي: "ليس من شأننا إنقاذ ترمب من مأزقه بعد أن كان يهزأ بأوروبا ويود السيطرة على غرينلاند". ومن الإشارات الأخرى تعثر النقاش حول توسيع نطاق مهمة "أسبيدس" البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. ولذا تبرز دعوات لإطلاق مهمة بحرية مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لضمان المرور الآمن للسفن. 

أ ف ب
مدفع هاوتزر ذاتي الحركة إسرائيلي يطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل بالقرب من الحدود في 20 مارس

في الإجمال، تظهر أوروبا مترددة، مهمشة ومنقسمة إزاء "حرب إيران"، ويتم تبرير تراجع المكانة الأوروبية من خلال التركيز على أن هذه الحرب يشوبها عدم وضوح الهدف الذي يسعى له الثنائي ترمب-نتنياهو، ولذا ربما يراهن صناع القرار الأوروبي على فشل الحرب في زعزعة النظام الإيراني. لكن إذا كان الخروج من الحرب مناسبا لرؤية واشنطن، فستكون أوروبا بعيدة عن المشاركة في رسم مستقبل إيران أو الدفاع عن مصالحها التي ستتأثر في مطلق الأحوال بسبب تساؤل بعض شركائها حيال صدقية احترام عدة دول أوروبية لتعهداتها في التحالفات التي نسجتها. 

إلا أن الأمر سيختلف إذا تحركت الدبلوماسية الأوروبية من أجل ضمان حرية الملاحة الدولية أو إيقاف الحرب بناء على أفكار مبتكرة في إقليم يكذّب كل التوقعات.

font change

مقالات ذات صلة