الروائي الهندي روشير جوشي لـ"المجلة": الأدب يساعدنا في الضحك من واقعنا والاحتفاء به

ينتقل بين الماضي والمستقبل لمحاولة فهم الحاضر

الروائي الهندي روشير جوشي لـ"المجلة": الأدب يساعدنا في الضحك من واقعنا والاحتفاء به

يعد الكاتب والصحافي والمخرج الهندي روشير جوشي، أحد الأصوات الأدبية البارزة في الهند والمنشغلة بأهمية السرد الروائي ذي العمق التاريخي والبعد الفني المتعدد. ولد جوشي في مدينة كلكوتا بالهند عام 1960. صدرت روايته الأولى، "ضحكة المحرك النفاث الأخيرة" عام 2001، فلفتت الأنظار إلى موهبته في بناء عوالم سردية معقدة تجمع بين الخيال والواقع. بالإضافة إلى كتاب "يوميات انتخابية" 2011 ورواية "فندق غريت إيسترن" الصادرة عام 2025، التي حصلت على "جائزة كروسوورد للكتاب" عن فئة الرواية، كما دخلت ضمن القائمة الطويلة لجائزة دبلن الأدبية لعام 2026. في هذا الحوار، يأخذنا جوشي إلى عمق المدينة والتاريخ والذاكرة، مستكشفا عبر تصوره الأدبي محاور الهوية والعنف والتحول الاجتماعي.

في روايتك الأحدث، "فندق غريت إيسترن"، تصور مدينة كلكوتا في أربعينات القرن العشرين كمدينة على حافة الهاوية، سياسيا واجتماعيا وإنسانيا. لماذا شعرت بضرورة إعادة النظر في هذه اللحظة التاريخية تحديدا الآن، بعد مرور عقود طويلة؟

إن تاريخ كلكوتا، خلال الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، وحتى السنوات التي أعقبت التقسيم والاستقلال مباشرة، فريد في نظري، تماما كتاريخ مدن أخرى مثل لندن وستالينغراد وبرلين في تلك الفترة.

في منطقة حضرية مكتظة بالسكان تبلغ مساحتها نحو 78 كيلومترا مربعا، تجد في آن واحد: العاصمة الثقافية لشبه القارة الهندية، ببيئاتها الأدبية والموسيقية والمسرحية والفنية البصرية النابضة بالحياة، وأكثر تجمعات الأحزاب السياسية تنوعا وكثافة، المتنافسة للسيطرة على الهند من البريطانيين، وأكبر تجمع لقوات الحلفاء من مختلف البلدان، بحيث أصبحت كلكوتا أقرب مدينة هندية إلى خطوط المواجهة في شمال شرق الهند/بورما وجنوب الصين.

كانت كلكوتا تضم ​​أكثر مزيج من السكان تنوعا عالميا في شبه القارة الهندية، من مختلف أنحاء العالم والهند. وبين عامي 1942 و1952، انضمت إلى هذا المزيج موجات متتالية من اللاجئين، بدءا بالهنود الفارين من بورما، ثم ضحايا المجاعة في ريف البنغال، ثم جموع الناس الذين قدموا من شرق البنغال/باكستان بسبب التقسيم.

وفي الوقت نفسه، غادر عدد كبير من السكان كلكوتا بين عامي 1946 و1950، وهم المسلمون الذين انتقلوا إلى شرق باكستان (في عام 1939، كانت كلكوتا مدينة ذات غالبية مسلمة بنسبة ضئيلة)، وآلاف الجنود الذين غادروا إلى بلدانهم الأصلية بعد الحرب، ثم البريطانيون الذين غادروا بعد الاستقلال. وفي عام 1939، بلغ عدد سكان كلكتا نحو 2.5 مليون نسمة، وفي حلول عام 1952 وصل إلى 7.5 مليون نسمة، أي بزيادة ثلاثة أضعاف في المساحة نفسها تقريبا.

تعد كلكوتا في أربعينات القرن الماضي مختبرا مبكرا للصراع والكراهية بين الأديان، فضلا عن الحركات التي تصدت لهذا السم

يقدم هذا التاريخ عددا من النماذج والدروس لعصرنا. ثمة اضطرابات ثقافية وسياسية هائلة ساهمت في تشكيل الهند، وكذلك باكستان الشرقية. ويمكن النظر إلى مئات الآلاف من ضحايا المجاعة، ليس فقط كلاجئين اقتصاديين وسياسيين، بل أيضا كطلائع للاجئين البيئيين المعاصرين، إذ تستنزف إحدى أخصب مناطق العالم من الغذاء. في عالمنا اليوم، حيث تستخدم الأديان كسلاح في العديد من الثقافات، تعد كلكوتا في أربعينات القرن الماضي مختبرا مبكرا للصراع والكراهية بين الأديان، فضلا عن الحركات التي تصدت لهذا السم.

ACME / AFP
المهاتما غاندي يلتقي ريتشارد كايسي، حاكم البنغال، في القصر الحكومي في كلكوتا، 14 ديسمبر 1945

لم أبدأ كتابة الرواية بعدما فكرت في هذه الأمور مسبقا، بل بدأتها كمحاولة لاستكشاف حقبة من تاريخ مدينتي لطالما أثارت فضولي. وعلى مدار فترة الكتابة الطويلة (أكثر من عشرين عاما، لأسباب عديدة)، راودتني لحظات شككت فيها بنفسي وتساءلت عن سبب بقائي حبيسا في فقاعة الماضي هذه، في حين كانت تدور من حولنا اضطرابات كثيرة. لكن الآن، وبعد الانتهاء من الكتابة، يبدو المشروع برمته منطقيا بطريقة غريبة. وكما يحدث غالبا، يعلمك العمل المنجز كيف تنظر إلى نفسه.

مدن في مدينة

في إحدى مقابلاتك، ذكرت أن المدينة لا يمكن اختزالها إلى هوية واحدة. كيف أثر هذا الوعي في بناء شخصيات رواية "فندق غريت إيسترن"، لا سيما في ما يتعلق بالطبقة والدين والسياسة؟

بينما كنت أبحث عن الشخصيات وأطورها في المدن المتعددة التي وصفتها سابقا، قاومت بوعي الرغبة في جعلها تجسد أو تصبح مثالا نموذجيا لطبقة أو عرق أو حركة سياسية معينة. أردت تجنب كتابة كتاب تاريخي يتظاهر بأنه رواية، كتاب مزين بشخصيات نمطية. لقد اهتممت بهؤلاء الأشخاص تحديدا لأنهم كانوا استثناء، أفرادا غير نمطيين، شبابا من سكان المدينة اضطروا إلى الخروج من دوائرهم الاجتماعية والأيديولوجية والتفاعل مع آخرين مختلفين عنهم تماما.

غلاف رواية "فندق غريت إيسترن "

كان الهدف هو الكتابة عن الماضي بكثافة وحيوية. وكان القصد أن تلقي القصص التي تم التوصل إليها الضوء على أوقاتنا المضطربة. صحيح أن بعض أشكال الانقسام والعنف الحالية جديدة، ولكن إذا تعمقنا في الماضي، فسنجد أشكالا ومراحل مختلفة لجذور هذه الأشكال. ولعل معرفة كيف دخلنا هذه المتاهات المميتة تعطينا مفاتيح الخروج منها.

في رواية "ضحكة المحرك النفاث الأخيرة"، ينتقل السرد عبر أطر زمنية متعددة، من الحقبة الاستعمارية إلى مستقبل متخيل. لماذا اخترت بنية غير خطية، وما الذي تتيحه لك هذه البنية في تناول التاريخ بشكل لا تسمح به السردية التقليدية؟

في بداية كتابة "ضحكة المحرك النفاث الأخيرة"، عثرت على الفكرة التي تشكل المحور الأساس للرواية. تاريخ عائلة وأمة على مدى مائة عام، ثلاثون منها لم تأت بعد. بهذا، منحت نفسي حرية وضع لمحات من الماضي بقصصه غير المستقرة والمشكوك فيها حول بناء الأمة، إلى جانب لحظات من مستقبل قريب غير مستقر ومشكوك فيه، يتفكك فيه الوطن. ما كنت أدرسه حقا، بالطبع، هو تلك الفترة الراهنة، أي الهند في العقد الأخير من القرن العشرين، وأخص بالذكر هنا المدن الهندية في الغرب والشرق والشمال، وقد تطلب هذا البحث التنقل بين منظوري الماضي والمستقبل.

غلاف رواية "الضحكة الأخيرة للمحرك النفاث"

بمعنى آخر، بدأت الكتابة من خلال الرسم والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأفلام الوثائقية غير الخطية. كان الشكل الأساس آنذاك هو فن الكولاج، والتجميع غير الخطي للصور، وتراكيب روبرت راوشنبرغ حيث يمكن أن تحمل "اللوحة" أي شيء، من المطبوعات الحريرية إلى الإطارات المطاطية إلى الأسرة المتسخة، كما كان مخرجون سينمائيون مثل جان لوك غودار وكريس ماركر، وعلى النقيض تماما، ميكلوس جانسكو بتصويره الطويل المتواصل، مصادر إلهام مهمة، وكذلك موسيقى لوري أندرسون. وراء كل هذا، وعلى مستوى أعمق، كانت سنوات تكوينية غارقة في البنى الملحمية غير الخطية لملحمتي "رامايانا" و"ماهابهاراتا". مع كل هذا، لم أكن مهتما أبدا بتقديم سرديات مباشرة.

العنف والتكنولوجيا

يحمل العنف والتكنولوجيا، وخاصة الطيران والمحركات النفاثة، دلالات رمزية قوية في هذه الرواية. هل ترى التقدم التكنولوجي في القرن العشرين استمرارا للقوة الاستعمارية بوسائل أخرى؟

لحسن الحظ ولسوء الحظ، نشرت رواية "ضحكة المحرك النفاث الأخيرة" في الهند والمملكة المتحدة في مايو/ أيار 2001. أقول لحسن الحظ، لأنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، كان من الممكن أن ينظر إلى أي كتاب بهذا العنوان نظرة مختلفة تماما. وأقول لسوء الحظ، لأنني أظن أن وقوع أحداث 11 سبتمبر بعد النشر بفترة وجيزة قضى على أي فرصة لنشر هذا الكتاب من قبل دور النشر الأميركية.

DIBYANGSHU SARKAR / AFP
شرطة خيالة تمر عبر حديقة مايدان وسط ضباب كثيف في كلكوتا، 5 ديسمبر 2024

للإجابة عن سؤالك، أرى التقدم التكنولوجي أو أي كلمة أخرى نفضل استخدامها (ربما النمو) أمرا معقدا ذا حدين. في مثال واضح، كانت السكك الحديد والمطبعة والتلغراف جميعها اختراعات وظفت لتعزيز مصالح الإمبراطورية البريطانية في الهند، ما كانت حركة الاستقلال الهندية، ولا حتى الطريقة التي صاغ بها غاندي مفهوم ساتياغراها/اللاعنف، لتتحقق لولا استخدامه المدروس لهذه التقنيات الإمبريالية.

سيستخدم المستعمرون الجدد اليوم كل الوسائل المتاحة لهم للحفاظ على هيمنتهم أو توسيعها، لكني متفائل بأن هناك دائما ثغرات وفرصا في شبكات هذه التقنيات التي يفترض أنها منيعة

سيستخدم المستعمرون الجدد اليوم، بلا شك، كل الوسائل المتاحة لهم للحفاظ على هيمنتهم أو توسيعها، من الأقمار الصناعية والطائرات الحربية والطائرات المسيرة إلى ألياف الكربون والروبوتات النانوية، لكني متفائل بأن هناك دائما ثغرات وفرصا في شبكات هذه التقنيات التي يفترض أنها منيعة، لأولئك الذين سيقاومون هذه البنى السلطوية.

بعد مسيرة مهنية طويلة شملت الصحافة والسينما والكتابة الإبداعية، كيف أثرت هذه المجالات المختلفة في أسلوبك السردي كروائي؟

تشير المراجعات وردود الفعل على الروايتين مرارا إلى كلمة "سينمائي". لا شك أن أسلوب الكتابة وبنية الروايتين مدينان للسينما السردية. في بعض الأحيان، أشرت بشكل مباشر إلى السينما وصناعة الأفلام مثل بداية الجزء الثاني من رواية "فندق غريت إيسترن"، ثم ألعاب الكومبيوتر في رواية "ضحكة المحرك النفاث الأخيرة" التي تعد نوعا من السينما التفاعلية. وفي أحيان أخرى، تبدو الحوارات ووصف الأحداث سلسلة ممنتجة من لقطات بتكبيرات مختلفة ووجهات نظر متغيرة، وأخيرا، هناك الانتقالات بين المقاطع حيث حاولت جعل "القطع" دراميا أو مفاجئا. على صعيد آخر، أجد أحيانا أنني وصفت موقفا أو مشهدا بتفاصيل بصرية وسمعية وافرة، تاركا للقارئ حرية الربط بين الأحداث بدلا من الخوض مباشرة في نفسية مشاعر الشخصية، ولعل هذا هو النمط السينمائي الأبرز.

القارئ ودور الأدب

هل تضع القارئ نصب عينيك عندما تكتب، أم أن النص في لحظة الكتابة يفرض منطقه الداخلي الخاص، بمعزل عن التوقعات؟

النص الناجح بالنسبة لي غالبا ما يفرض منطقه الخاص على لوحة المفاتيح. ولكن، كمعظم الكتاب، عندما أعيد قراءة النص وأجري عليه تعديلات، أحاول أن أكون قارئا موضوعيا لنصي. هناك، أعمل على الوضوح أو على تعزيز الروابط لقارئ متخيل.

لا أضع عادة قارئا محددا في ذهني، لكنني أسعى جاهدا ألا أفضل قارئا غربيا، أو ما يسمى بقارئ "العالم الأول"، الذي يحتاج إلى هوامش سفلية متكررة داخل النص أو إلى شرح مبسط متواصل. لذا، أعتقد أنني أكتب لقارئ يشبهني إلى حد ما، أو يشاركني النطاق الواسع إلى حد ما من المراجع، وإلماما مشابها بالسياقات التي كتب فيها الكتاب.

غلاف رواية "يوميات الانتخابات"

لم يكتب جويس أو دوراس أو كالفينو كتبهم وهم قلقون في شأن ما إذا كان شخص ما في القاهرة أو كانبور أو كوالالمبور سيفهم ما يكتبونه. بعدما نشأت كقارئ، اضطررت إلى فك رموز كل شيء، بدءا من قوائم الطعام الفرنسية في روايات بي جي وودهاوس وصولا إلى الإشارات الفلسفية في النصوص الأوروبية واللاتينية واليابانية المترجمة، لا أرى أي سبب يمنعني من الكتابة من داخل ثقافتي وعالمي السياسي، تماما كما فعل هؤلاء الكتاب.

STAN HONDA / AFP
صحافيون يشاهدون عمل "أوفر درايف" (1963) للفنان روبرت راوشنبرغ خلال عرض في دار "سوذبيز" بنيويورك، 9 مايو 2008

في عالم يزداد فيه عبء العنف والانقسام، ما الذي تعتقد أن الأدب لا يزال قادرا على فعله؟ هل يمتلك القدرة على المقاومة، أم أن دوره الأساس هو الشهادة؟

كما نعلم، يعيد الأدب، بما فيه الرواية، تشكيل العقل. فباستخدام النص كوسيلة بسيطة، يساعدنا في إقامة روابط مختلفة، والتفكير والرؤية بطرق مغايرة. غالبا ما تتجاوز الرواية الحواجز بطرق غير متوقعة، لتجد طريقها إلى الفكر العلمي والاجتماعي، وإلى العمل الميداني، وإلى إعادة صوغ رغباتنا وتوقعاتنا. أعتقد أن الأدب يساعدنا في الشهادة والمقاومة، والضحك على واقعنا، والاحتفاء به.

AFP
امرأة هندية تقرأ كتابا بجانب عرض لكتب "هاري بوتر" في مكتبة في كلكوتا، 20 يوليو 2007

على الرغم من الثراء الهائل والتنوع اللغوي والثقافي للأدب الهندي، لا يزال المشهد الأدبي العالمي يركز على عدد محدود من الأسماء، تاركا العديد من الأعمال المهمة في الظل. كيف تفسر هذا التهميش، وما الذي يحتاجه الأدب الهندي اليوم لكي تسمع أصواته الأقل شهرة خارج نطاق السوق والجوائز؟

حسنا، أولا وقبل كل شيء، أعتقد أنه من المهم أن نحول تركيزنا بعيدا من الجمهور الدولي، أو من التفكير فقط في هذه الشريحة الوهمية من القراء التي تقطن في الغالب في شمال غرب الهند.

غالبا ما تتجاوز الرواية الحواجز بطرق غير متوقعة، لتجد طريقها إلى الفكر العلمي والاجتماعي، وإلى العمل الميداني، وإلى إعادة صوغ رغباتنا وتوقعاتنا

أعتقد أنه إذا شهدنا في شبه القارة الهندية تبادلا حيويا للكتب المترجمة من لغة غير الإنكليزية (لطالما أكدت أن الإنكليزية لغة هندية أصيلة) إلى أخرى، بالإضافة إلى المزيد من الترجمات الإنكليزية للكتب من اللغات المحلية الأخرى، فسيكون وضعنا أفضل. وبالمثل، إذا شهدنا زيادة من خلال التبادل الثقافي بين دول الجنوب، كالتبادل بين لغات جنوب آسيا والعربية مثلا، يمكننا وضع اهتمامات الشمال المتزايدة في سياقها الصحيح. ولعل هذه العمليات المتشابكة هي التي تمكن العديد من الكتاب من الظهور والوصول إلى جمهور دولي حقيقي.

في غضون ذلك، أقول إن مشهد الترجمة في الهند لم يكن أفضل مما هو عليه الآن، حيث يجد المزيد من الكتاب والكتب مكانا لهم في اللغة الإنكليزية وغيرها من اللغات.

font change