"شبكات الظل" الإيرانية... الاستخبارات الخليجية تفكك "خلايا نائمة" أيقظتها الحرب

من الرصد إلى الاعتقال

Sara Gironi Carnevale
Sara Gironi Carnevale

"شبكات الظل" الإيرانية... الاستخبارات الخليجية تفكك "خلايا نائمة" أيقظتها الحرب

بينما تشهد المنطقة حرباً غير مسبوقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تعلن أربع دول خليجية وهي قطر والكويت والبحرين والإمارات تفكيك خلايا بـ"الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" في لبنان، ظلت "نائمة" لسنوات تحت غطاء مدني وتجاري، وبدأت بالتحرك خلال الحرب.

هذه التطورات المرتبطة بالمجموعات التابعة لـ"الحرس الثوري" ولـ"حزب الله" ليست أمراً جديداً، بل هي قديمة وبدأت قبل منتصف ثمانينات القرن الماضي، يومها قام عناصر بتنفيذ تفجيرات في الكويت في عام 1983، ثم توالت الهجمات واحدة تلو الأخرى، ومن بينها اختطاف طائرة تابعة لشركة الخطوط الكويتية في عام 1988، عرفت إعلاميا باسم اختطاف طائرة "الجابرية"، وبعدها بأعوام تفجير الخبر في السعودية وصولاً إلى شبكات تهريب مخدر الكبتاغون وتبييض الأموال بدعم من "حزب الله" اللبناني.

أدى فراغ القيادة الإيرانية بعد اغتيال "المرشد" علي خامنئي إلى تفعيل عمل خلايا مرتبطة بـ"الحرس" و"الحزب" في أماكن مختلفة، وفي الدول الخليجية تحركت بهدف تشتيت جهود الدفاع حينما كانت طهران تطلق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على دول الخليج، وفي موازاة الضربات الخارجية، رصدت الأجهزة الأمنية في البحرين تحركات لخلايا داخلية، اعتُبرت جزءاً من محاولة تشتيت الجهد الدفاعي.

بدأ الإعلان عن إلقاء القبض على الخلايا في قطر، حيث أعلنت الدوحة في الرابع من مارس/آذار توقيف خليتين مرتبطتين بـ"الحرس الثوري" الإيراني، واعتقلت 10 أشخاص، وبعدها في البحرين أوقفت السلطات في 11 مارس خلية من 4 أشخاص فيما هرب خامس، كان أفراد هذه الخلية يقومون بالتجسس وتصوير مواقع حيوية.

أ.ف.ب
لقطة عامة لاجتماع مجلس التعاون الخليجي الخامس والأربعين في مدينة الكويت بتاريخ 1 ديسمبر 2024

وفي الكويت ألقت السلطات القبض على 26 شخصا يملكون أسلحة وطائرات مسيرة وذخائر وأجهزة اتصال لاسلكي، وينتمون لـ"حزب الله" وهم لبنانيون وكويتيون. وفي الإمارات يوم 19 مارس أعلنت السلطات توقيف شبكة مالية وتجارية لتبييض أموال وتمويل إرهاب من خمسة على الأقل، ينتمي أعضاؤها لـ"حزب الله" في لبنان.

اشتباك بعد علاقة متوازنة

رغم العلاقات الدبلوماسية المتوازنة التي حاولت الدوحة الحفاظ عليها مع طهران على مدى عقود، دفع حجم التصعيد الإقليمي الراهن إيران إلى تفعيل خلاياها داخل الأراضي القطرية. وقد أعلنت أجهزة الأمن القطرية تفكيك خليتين تابعتين لـ "الحرس الثوري"، واعتقال عشرة أشخاص، فضلاً عن المطالبة باستبعاد الملحقين الأمني والعسكري من سفارة إيران في الدوحة. ويرى محللون أن هذه التطورات تُؤذن بانتهاء مرحلة العلاقة الاستثنائية التي طبعت العلاقة بين البلدين لسنوات، لتدخل قطر مرحلة مغايرة تقوم على الاشتباك المباشر في مواجهة الاختراق الإيراني، بعد أن باتت الدوحة نفسها في دائرة الاستهداف.

أما المنامة فأوقفت أربعة مواطنين، ثلاثة رجال وامرأة، بتهمة التخابر مع "الحرس الثوري". كانت مهمة هذه الخلية تتمثل في التقاط صور وإحداثيات دقيقة لمواقع حيوية وعسكرية باستخدام معدات تصوير عالية الدقة وإرسالها عبر برامج مشفرة.

ترتبط أنشطة هذه المجموعة بالضربات الصاروخية التي تعرضت لها البحرين، حيث تصدت منظومات الدفاع الجوي لعشرات الصواريخ والمسيرات. وتكشف التحقيقات أن الخلية كانت تعمل كـ"وحدة استطلاع" لتصحيح مسارات الصواريخ الإيرانية وضمان إصابة أهدافها، خاصة صهاريج الوقود والمنشآت النفطية في محافظة المحرق.

هذه التطورات تُؤذن بانتهاء مرحلة العلاقة الاستثنائية التي طبعت العلاقة بين الدوحة وطهران لسنوات، لتدخل قطر مرحلة مغايرة تقوم على الاشتباك المباشر في مواجهة الاختراق الإيراني

أما الكويت، وهي الساحة الأكثر حساسية، نظراً لتاريخ المواجهات الأمنية مع وكلاء إيران وخصوصاً أعضاء "حزب الله" في لبنان، وتعمل الخلايا الموقوفة مثل بقية الخلايا ولكنها تستخدم أيضاً أساليب قديمة استخدمت في "الحرب الباردة"، حيث ضبطت السلطات أجهزة اتصال تعمل بنظام "مورس"، وهو تقنية اتصال مشفرة عمرها مئة عام يصعب تعقبها إلكترونياً على ما كان يفترض مقتنوها، وهو ما يشبه إلى حد كبير استخدام "حزب الله" أجهزة "البيجر" في لبنان للتواصل بين مسؤوليه وعناصره، وأدى انكشاف استخدامه هذه التقنية إلى إصابة الآلاف بعد تفجيره بهم. كما ضبطت الحكومة الكويتية في المداهمات طائرات مسيرة مزودة بكاميرات، وخرائط تفصيلية، وأسلحة مخصصة للاغتيالات.

وفي الإمارات، كشف جهاز أمن الدولة عن تفكيك شبكة وصفها بالإرهابية تعمل تحت غطاء تجاري، وتشير السلطات إلى أن هذه الشبكة لم تكن تهدف إلى القيام بعمليات تفجير أو إرهاب مباشر، بل كان عملها التسلل للاقتصاد وتبييض الأموال لتمويل العمليات الخارجية لإيران و"حزب الله"، مثل شراء المعدات الحديثة من الأسواق العالمية، وخصوصا التقنيات المدنية الممكن تحويلها للاستخدام العسكري مثل قطع غيار للطائرات المسيرة. وتقول السلطات إن هذه الشبكة تستغل البنية التحتية المالية لغسل عوائد غير قانونية، مرتبطة في بعض جوانبها بتجارة مخدر الكبتاغون والعملات الرقمية المشفرة. وتعتبر السلطات أن هذا النمط من النشاط يستهدف البنية المالية للدول، عبر استنزافها من الداخل بدلاً من المواجهة المباشرة.

وحدات تعمل بالميدان

تجمع عمليات "الحرس الثوري" الإيراني والميليشيات المرتبطة به بين الطابعين العسكري والاستخباراتي، مع توظيف أساليب تقترب في بنيتها من شبكات الجريمة المنظمة في التمويل والتنفيذ. وتتميز بعض المجموعات المنسوب إليها تنفيذ عمليات خارج لبنان بهياكل تنظيمية مغلقة، تقوم على مبدأ العزل بين الخلايا بحيث لا يعرف أعضاؤها بعضهم، فضلاً عن توظيف أفراد يحملون وثائق أجنبية أصلية، مما يُتيح لهم حرية تنقل أوسع عبر المنافذ الدولية.

وفيما يخص ما بات يُعرف بـ"وحدة الموت"، فقد ربطها المحققون الإقليمون والدوليون بعمليات اغتيال سياسي، أبرزها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، إذ وجّهت المحكمة الخاصة بلبنان اتهامات في هذا الشأن إلى سليم عياش، كما تُنسب إليها وفق ادعاءات قضائية وتحقيقات رسمية عمليات تصفية طالت معارضين في لبنان. وتشير الأدلة التي أعلنت الكويت عن ضبطها إلى وجود عناصر تلقّت تدريباً يتسق مع هذا النمط التشغيلي.

أما على صعيد التهريب، فتكشف التحقيقات الأمنية المتعددة عن شبكات منسوب إليها توظيف مسارات تهريب المخدرات- ولا سيما الكبتاغون عبر الأردن واليمن والحدود السورية اللبنانية- لنقل مكونات الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة.

ما يحدث الآن من تحريك لهذه المجموعات، هو تطور لمدرسة أمنية أسسها القيادي بـ"حزب الله" عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق عام 2008

ما يحدث الآن من تحريك لهذه المجموعات، هو تطور لـ "مدرسة أمنية" أسسها القيادي بـ"حزب الله" عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق عام 2008، وكان أبرز عناصرها وقادتها لاحقاً مصطفى بدر الدين الملقب بـ"ذو الفقار"، والذي قُتل أيضاً في دمشق في 2016.

يعتبر بدر الدين العقل التنفيذي لتفجيرات الكويت، عام 1983، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية شهدت الكويت سلسلة هجمات استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية ومطار الكويت ومنشأة نفطية ومجمعاً سكنياً. النيابة العامة اتهمت بدر الدين باستخدام تقنية تفجير تعتمد على إضافة الغاز إلى المتفجرات التقليدية لزيادة قوتها التدميرية بمقدار الضعف، وفقا لتحقيقات كويتية، وهي تقنية استُخدمت أيضاً في تفجير ثكنة المارينز قرب مطار بيروت في العام نفسه. أُلقي القبض على بدر الدين في الكويت وحُكم عليه بالإعدام، لكنه تمكن من الفرار بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 بعدما فتحت أبواب السجون، حيث هربته مجموعة إلى إيران عبر زورق في البحر ومن هناك عاد إلى بيروت، وفقا لتقارير صحافية لبنانية، ليشارك عام 2005 مع عياش وآخرين باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وفق ما أكدت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

جاء اختطاف طائرة الخطوط الجوية الكويتية كعملية ابتزاز لإطلاق سراح بدر الدين ورفاقه الـ17 المسجونين في الكويت. قاد عماد مغنية العملية التي استمرت 16 يوماً في عام 1988، وانتهت بقتل مواطنين كويتيين وإلقاء جثثهم من الطائرة في قبرص. هذه الذاكرة الأليمة هي التي دفعت الحكومة الكويتية في عام 2023 إلى منع عرض مسلسل "الجابرية" الذي اعتبره البعض استعادة لجروح لم تلتئم بعد.

أ.ب
سفينة شحن تغادر ميناء دبي، الإمارات العربية المتحدة، الأحد 15 مارس 2026

 

يعتبر بدر الدين العقل التنفيذي لتفجيرات الكويت، عام 1983، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية شهدت الكويت سلسلة هجمات استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية ومطار الكويت ومنشأة نفطية ومجمعاً سكنيا

لم تتوقف العمليات عند الكويت ودول الخليج الأخرى، بل امتدت للسعودية عبر تفجير أبراج الخُبر في يونيو/حزيران 1996، الذي أدى لمقتل مواطن سعودي و19 جندياً أميركياً. التحقيقات الأميركية والسعودية وجهت الاتهام لـ"حزب الله الحجاز"، بتنفيذ العملية بتخطيط من "أحمد إبراهيم المغسل" الذي اعتُقل لاحقاً في بيروت عام 2015. ولتنفيذ هذا الهجوم استُخدم مواطنون محليون تدربوا في مراكز لـ"حزب الله" في لبنان أو مواقع "الحرس الثوري" في إيران.

وتتهم السلطات السعودية الأذرع الإيرانية بعمليات أخرى منها إحراق ورشة في المجمع النفطي برأس تنورة عام 1987، كما هاجم عناصر شركة "صدف" البتروكيماوية في مدينة الجبيل الصناعية عام 1988. كذلك ساهمت هذه الأذرع في أحداث شغب قام بها حجاج إيرانيون في موسم حج 1987، والتي أدت إلى صدامات وتدافع راح ضحيته المئات.

أ.ف.ب
مدينة رأس لفان الصناعية، الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال وتحويل الغاز إلى سائل، والتي تديرها شركة قطر للبترول، على بُعد حوالي 80 كيلومترًا (50 ميلًا) شمال العاصمة الدوحة، في 6 فبراير 2017

أما في لبنان، ففي شهر يونيو 1984 قام متظاهرون مؤيدون لـ"حزب الله" باقتحام مبنى السفارة السعودية في منطقة رأس بيروت، وتبنت المسؤولية عن العملية "منظمة الجهاد الإسلامي" التي كانت تُستخدم كغطاء لعمليات "حزب الله" آنذاك.

لم يكن الاعتداء على السفارة عملاً معزولاً، بل سبقه اختطاف القنصل السعودي العام في لبنان، حسين فراش، في 17 يناير/كانون الثاني 1984 بمنطقة الروشة، حيث ظل رهن الاحتجاز أشهراً حتى أُفرج عنه في مايو/أيار من العام ذاته.

مع سقوط نظام الأسد في سوريا، واجه "حزب الله" و"الحرس الثوري" ضغوطاً تمويلية حادة، إذ أُغلقت شبكة إنتاج الكبتاغون وتصديره التي كانت تُدرّ مليارات الدولارات سنوياً وفق تقديرات غربية ولبنانية

مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واجه "حزب الله" و"الحرس الثوري" ضغوطاً تمويلية حادة، إذ أُغلقت شبكة إنتاج الكبتاغون وتصديره التي كانت تُدرّ مليارات الدولارات سنوياً وفق تقديرات غربية ولبنانية. وتشير تحقيقات أمنية إلى أن هذا المخدر استُخدم وسيلةً للتمويل النقدي السائل لـ "خلايا نائمة". وقبل أسابيع، أعلنت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع الجانب السعودي ضبط معمل في منطقة بعلبك كان يُعدّ لتصدير شحنات ضخمة إلى دول الخليج.

أما على الصعيد المالي، فتتضمن لوائح الاتهام الأميركية والأوروبية إشارات إلى مؤسسة "القرض الحسن" بوصفها آلية تمويل موازية تربط شبكات في أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط. وتصف هذه اللوائح أنماطاً يُدّعى فيها تحويل عائدات النفط المهرب والكبتاغون إلى عملات رقمية، تُسيَّل لاحقاً عبر شركات عقارية وتجارية تعمل تحت أغطية مدنية، من بينها شركات استشارات تقنية وتجارة قطع غيار ومركبات مستعملة.

وتخلص التقييمات الأمنية الغربية إلى أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تُشكّل في مجموعها بنية تشغيلية متكاملة، تطورت أدواتها على مدى أربعة عقود من أساليب التفجير والاختطاف إلى توظيف تقنيات الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية.

font change

مقالات ذات صلة