في نظرة إلى تاريخ الصراع العسكري ضد إسرائيل، منذ إقامتها عام 1948 يمكن التمييز بين حقبتين: الأولى، تتمثل بخيار الحروب الدولتية النظامية، التي خاضتها بعض الجيوش العربية ضد إسرائيل. والثانية، تتمثل بخيار الصراع المسلح ضد إسرائيل بواسطة الفصائل أو الميليشيات. كما يمكن ملاحظة أن الحقبة الأولى حملتها الأنظمة العربية بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر احتضان ودعم الحركة الوطنية الفلسطينية. في حين كان النظام الإيراني هو حامل الحقبة الثانية مباشرة أو مداورة، عبر دعم فصائل وميليشيات فلسطينية ولبنانية وعراقية ويمنية. وهو ما يفترض أخذه في الاعتبار هنا.
ومع ذلك، فإنه وفقا للتصنيفين المذكورين، فإن التمييز المذكور لا يطمس ولا يقلل من حال التداخل بين الحقبتين ولا من التداخل في أي منهما بين الشكلين المذكورين.
الصراع في حقبته الدولتية/النظامية
كانت معظم الأنظمة العربية، لاسيما مصر وسوريا، انتهجت خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل، سواء من ناحية عملية أو شعاراتية، بحيث اعتبرت حرب 1948، التي نجم عنها إقامة إسرائيل وولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فيما عرف بالنكبة، بمثابة الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، ثم تبعتها الثانية 1967، أي بعد عقدين، أما الثالثة، فحدثت بعد ست سنوات من الحرب الثانية 1973، وهي التي اعتبرت بمثابة آخر الحروب العربية الدولتية، أو النظامية، ضد إسرائيل.
في غضون تلك الفترة (1948-1973) خاضت مصر لوحدها حربين، الأولى تمثلت بصد العدوان الثلاثي على أراضيها، بعد تأميم قناة السويس عام 1956، الذي ضم فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وحرب الاستنزاف التي خاضتها ضد إسرائيل (1968-1970). عدا عن هزيمة الجيوش العربية في تلك الحروب، وباستثناء نصر نسبي، أو جزئي، تحقق في حرب 1973، فإن تلك الحروب قوّت إسرائيل على كافة الأصعدة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، وعززت مكانتها لدى الدول الغربية.



