ظهور قاليباف... وصعود "جماعة الأمن" في إيران

أدت الحرب إلى إعادة ترتيب مراكز القوى سياسيا داخل منظومة المتشددين بشكل جذر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، يرتدي زي "الحرس الثوري"، وهو يترأس جلسة في طهران في الأول من فبراير 2026

ظهور قاليباف... وصعود "جماعة الأمن" في إيران

محمد باقر قاليباف هو خليفة علي لاريجاني في كثير من التفاصيل، ولكنه لن يكون خليفة "المرشد" علي خامنئي رغم قربه منه، عندما كان الأخير حياً. فخليفة الولي الفقيه يجب أن يكون واحداً من آيات الله وهو لا يملك التعليم العالي دينياً. قاليباف، رئيس البرلمان، الذي ومن دون مقدمات ناداه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التفاوض من دون أن يسميه، فتحول إلى المؤهل لقيادة إيران في المستقبل، إلا إذا انقلب الوضع في هذا المستقبل واغتاله صاروخ "طائش" أو ذهب نتيجة عملية اغتيال داخلية.

قاليباف نفى سريعا التواصل مع الإدارة الأميركية، ولكن الخارجية الإيرانية تحدثت عن جدية الأمر، ولذلك يبدو أن الرجل اليوم سيكون الوجه القادر على قيادة التحول المتسارع داخل الإدارة في طهران. فهو يتقدم إلى موقع رئيس توصله إليه غارات الاغتيالات التي غيرت موازين القوى الداخلية وبدلت شكل تفاعلها مع النظام الدولي.

التحولات الإيرانية لم تأت نتيجة مصادفة بل هي من ضمن تراكم ملفات خارجية انطلقت مع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في قطاع غزة، ووصلت داخليا، إلى الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، وما سبقها وعاد فتلاها من غارات أميركيةإسرائيلية. هنا يبرز اسم قاليباف، كشخصية محورية تجاوزت دورها التشريعي لتصبح حلقة الوصل بين الأجهزة العسكرية والنخب السياسية والدينية، لا سيما في ظل الفراغ الذي خلفه غياب (ثلاثي القيادة "علي"): علي خامنئي، وعلي شمخاني، وعلي لاريجاني.

أدت الحرب إلى إعادة ترتيب مراكز القوى سياسيا داخل منظومة المتشددين بشكل جذري، بغياب المركز المُقرر صاحب السطوة بعد استهداف القيادة العليا وقادة آخرين قتلوا في اليوم الأول من العمليات أو بعدها، ما جعل الترتيب الجديد للقيادة يذهب إلى تمركز من الصف الثالث يقوده قاليباف وآخرون.

قاليباف ليس مجرد سياسي تقليدي، بل "رجل تاريخي" من جيل الثورة، بدأت مسيرته في "الحرس الثوري" خلال الحرب العراقية-الإيرانية، وتدرج في الرتب العسكرية وهو في سن مبكرة

اليوم، يُعد رئيس البرلمان الشخصية الأكثر تأهيلا لقيادة المرحلة الانتقالية في إيران، ولكن ذلك لا يمنع وجود توتر وصراع داخل المؤسسات، اندفعا إلى الواجهة بعد الاغتيالات التي رفعت قادة من ضباط "الحرس" الكبار ومتشددين كانوا في الدرجة الثالثة من المسؤولية فحولتهم إلى مسؤولين في مواقع على أبواب الصف الأول.

شخصية قاليباف كما يبدو حتى الآن قادرة على فرض القرارات السياسية من خلال علاقته العملية مع رئيس "الحرس" السابق والمقرر الفعلي محسن رضائي، وهو أيضاً المستشار العسكري للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، ومعهما رئيس السلطة القضائية محسني إيجه إي، وهو التحالف الذي بات يُعرف اليوم في طهران باسم "التحالف الحاكم".

وفي الميدان، لقاليباف دور رئيس في "مجلس حربي" ثلاثي أيضاً يدير العمليات ويصدر الأوامر السياسية، ويضمه مع القائد محسن رضائي، وأحمد وحيدي قائد "الحرس" الحالي الذي قاد عمليات القمع الأخيرة، ويقود مباشرة الحرب الحالية، في الميدان.

أ.ف.ب
المرشد الايراني السابق علي خامنئي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية محسن أجيئي، وهم يتلون القرآن الكريم خلال صلاة الجمعة في أحد مساجد طهران، في في 4 أكتوبر 2024

أما العلاقة المفروضة بيروقراطيا مع الرئيس مسعود بيزشكيان، ففيها تبرز سلطة المتشددين على الإصلاحيين، ويرى بعض الساسة أن بيزشكيان هو الرئيس الأقل حظاً في الرؤساء الإيرانيين، في عهده قصفت إيران مرتين من إسرائيل وأميركا وقتل زعيمها أو مرشدها وتغير المسؤولون عنه أو ورثة الزعيم في القيادة خلال أيام، من خامنئي الأب إلى لاريجاني واليوم قاليباف إضافة إلى الغائب عن الساحة خامنئي الابن، مجتبى.

ورغم أن بيزشكيان لا يزال يشغل منصب الرئيس، فإن دوره تهمش بشكل كبير لصالح "مجلس الحرب"، وهو حاول في بداية الحرب تقديم اعتذار عن الهجمات الإيرانية على دول الخليج، واعداً بوقفها، لكنه تعرض لانتقادات من "الحرس الثوري" والمتشددين، ما أجبره على التراجع عن تصريحاته. اليوم، يُنظر إلى بيزشكيان كشخصية صورية تكتفي بإصدار البيانات الرسمية بينما تتركز السلطة الفعلية في يد ثلاثي القيادة.

من الدور الأمني إلى السياسي

قاليباف ليس مجرد سياسي تقليدي، بل "رجل تاريخي" من جيل الثورة، بدأت مسيرته في "الحرس الثوري" خلال الحرب العراقية-الإيرانية، وتدرج في الرتب العسكرية وهو في سن مبكرة. كما شمل عمله قيادة سلاح الجو في "الحرس الثوري" ثم قيادة الشرطة، ما منحه القدرة على فهم آليات القوة والسيطرة داخل ما يعرف بالدولة العميقة أو البيروقراطية الحاكمة، ليصل إلى عمدة بلدية طهران، التي تعتبر مفتاحاً للنخبة السياسية وقيادة البلاد حتى، وسبقه إلى شغل هذا المنصب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. ومن منصب العمدة انتقل إلى البرلمان مع الكتلة الأكبر كالعادة أي المتشددين ليصير رئيسا للبرلمان، أي صاحب الهيمنة على التشريع وتوجيه الميزانيات وخصوصاً العسكرية منها.

لا يزال الموقف الإيراني الرسمي يتسم بالتناقض، فبينما تنفي وكالات الأنباء الإيرانية وجود أي مفاوضات، تأتي تسريبات لوزارة الخارجية تؤكد التفاوض ولو بشكل غير مباشر

الاغتيالات المتواصلة للقادة الإيرانيين أفرغت الدور القيادي أمام الرجل، مثلما أفرغت الاغتيالات الإسرائيلية لقادة "حزب الله" في لبنان المكان لنعيم قاسم ليقود الميليشيات اللبنانية، مع فارق كبير بين الشخصيتين وقدراتهما وحتى دورهما السياسي والأمني.

مواجهات النظام

التحديات التي واجهها النظام الإيراني عديدة، فقد سبقت الحرب موجة الاحتجاجات بسبب التدهور الحاد في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم. وهو انهيار أدى إلى تضاعف أسعار السلع الأساسية وتوجيه الاتهامات لحكومة بيزشكيان. في البرلمان حاول قاليباف استغلال هذه الأزمة من خلال تقديم نفسه كـ"حلال للمشاكل" ومهاجمة الإصلاحيين، واعداً بخطط لتحقيق استقرار الأسعار، في حين كان بيزشكيان يتلقى الضربات السياسية بسبب عجزه عن الوفاء بوعوده، التي كان يقول إن تنفيذها ممنوع بسبب عدم السماح لحكومته باتخاذ قرارات لا تتوافق مع آراء "الحرس الثوري" ومع القائمين على "مكتب القائد" ومجتبى خامنئي قبل اغتيال أبيه.

أ.ف.ب
الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في جنازة زعيمي حزب الله حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في استاد مدينة كميل شمعون الرياضية على مشارف بيروت في 2 فبراير 2025

قاليباف والتصفيات السياسية

كعادة المسؤولين المتشددين في السلطة، استُخدمت القوانين والتشريعات كأدوات لتصفية الخصوم السياسيين داخل بنية الحكم، وبرزت قضية "قانون الوظائف الحساسة" كنموذج للازدواجية في المعايير السياسية التي قادها قاليباف في البرلمان. يمنع هذا القانون المسؤولين من تولي مناصب حساسة إذا كان أحد أفراد عائلاتهم المقربين يحمل جنسية أجنبية. حيث نفذ هذا القانون ضد وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف لإبعاده عن منصبه كمساعد لبيزشكيان، وكذلك في حالة نائب الرئيس محمد رضا عارف، الذي يحمل ابنه الجنسية الألمانية، بينما ترك مسؤولين آخرين لديهم حالات مشابهة، فقط لأنهم محسوبون أو مقربون من المتشددين. هذا التمييز أدى إلى تآكل الثقة في حكومة بيزشكيان داخلياً ودولياً، وزاد من حدة الصراع بين الفصائل الإصلاحية المهمشة وبين الجناح المحافظ المتشدد.

هل ينجح قاليباف في دور الرجل القوي؟

أعلن ترمب تعليق الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، مشيراً إلى وجود نقاط اتفاق رئيسة ومحادثات بناءة مع الجانب الإيراني. ومع ذلك، لا يزال الموقف الإيراني الرسمي يتسم بالتناقض، فبينما تنفي وكالات الأنباء الإيرانية وجود أي مفاوضات جارية وتؤكد أن الأوضاع في هرمز لن تعود لما كانت عليه قبل الحرب، تأتي تسريبات لوزارة الخارجية تؤكد التفاوض ولو بشكل غير مباشر.

الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التحالف بقيادة قاليباف سينجح في العبور بإيران إلى بر الأمان بالتفاوض ووقف النار، أم إن البلاد ستنزلق نحو مواجهة شاملة

تشير المعطيات إلى أن قاليباف هو الطرف الأقوى حالياً على إدارة التفاوض من خلف الستار، مستنداً إلى "تحالف القرارات" الذي يجمعه مع رضائي ووحيدي. فقدرته على الجمع بين لغة التهديد العسكري والرغبة في الحفاظ على بقاء النظام تجعل منه المحاور الأساسي لواشنطن، التي قد ترى فيه الشخصية الوحيدة القادرة على إلزام "الحرس الثوري" بأي اتفاق مستقبلي.

وكما يبدو، فإنها مرحلة التسييس العسكري الكامل، فالتحالف القائم بين قاليباف ورضائي وإيجه إي، وبدعم من المرشد الجديد مجتبى خامنئي، نجح في تحويل الدولة إلى ثكنة عسكرية تعمل على امتصاص الضربات الخارجية وتصدير الأزمة إلى الجوار، عبر إشراك "حزب الله" في لبنان والفصائل في العراق، وقصف المدن الخليجية.

رويترز
محمد باقر قاليباف، في مؤتمر صحافي في طهران، إيران، 27 نوفمبر 2024

ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار الظاهري للنظام يواجه تحديات أبرزها الرفض الشعبي، خاصة من جيل الشباب، الذي لم يعد يؤمن بإمكانية الإصلاح من الداخل، وينتظر أي لحظة ضعف للنظام لينقض عليه. كذلك الاستنزاف العسكري والاقتصادي الناتج عن الحرب، حيث فقدت إيران جزءاً كبيراً من ترسانتها الصاروخية وبنيتها التحتية، مما قد يضطرها في النهاية للقبول بشروط قاسية مقابل بقاء النظام.

الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التحالف بقيادة قاليباف سينجح في العبور بإيران إلى بر الأمان بالتفاوض ووقف النار، أم إن البلاد ستنزلق نحو مواجهة شاملة تؤدي إلى تدمير البنية التحتية. فغياب مركز قرار واحد وواضح، يجعل المسار التفاوضي محفوفاً بالمخاطر، حيث قد يصيب صاروخ "طائش" اجتماعا للقيادة فيقتل من يقتل، أو يأتي متطرف من مكان ما وينفذ الاغتيال الذي يضع مسؤولية البلاد بيد شخص جديد من الصف الرابع.

font change

مقالات ذات صلة