شهادة جيزيل بيليكوت التي تحولت إلى ظاهرة أدبية

العار يجب أن يقع على الجناة لا على الضحايا

JOEL SAGET / AFP
JOEL SAGET / AFP
جيزيل بيليكوت خلال جلسة تصوير في باريس، 4 فبراير 2026، لمناسبة صدور كتابها "والفرح بالحياة"

شهادة جيزيل بيليكوت التي تحولت إلى ظاهرة أدبية

صدر كتاب "والفرح بالحياة" لجيزيل بيليكوت في فبراير/ شباط 2026، وسرعان ما تحول إلى ظاهرة أدبية لافتة في عالم النشر. ففي غضون أسابيع قليلة من صدوره، تجاوزت مبيعاته في فرنسا مائة ألف نسخة، وترجم إلى أكثر من عشرين لغة، كما تصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا في عدد من الدول الأوروبية.

غير أن الاهتمام الكبير الذي حظي به الكتاب لا يعود فقط إلى الانتشار التجاري أو إلى الجدل الإعلامي الذي رافق صدوره، بل إلى طبيعته بوصفه شهادة إنسانية عميقة حول الألم والصمود والقدرة على استعادة الحياة بعد تجربة قاسية من العنف والخيانة.

تأمل إنساني

يرتبط هذا الكتاب ارتباطا وثيقا بالقضية الجنائية التي هزت الرأي العام في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، وهي القضية التي اكتشف فيها أن زوج الضحية دومينيك بيليكو، كان يقوم على مدى سنوات بتخديرها داخل منزلها دون علمها، ثم يسمح لرجال آخرين بالاعتداء عليها وهي فاقدة الوعي. لم يكن الأمر حادثة معزولة أو جريمة واحدة، بل سلسلة اعتداءات متكررة شارك فيها عدد كبير من الرجال. وقد كشفت التحقيقات أن بعض تلك الاعتداءات جرى تصويرها وتوثيقها. وعندما انكشفت هذه الوقائع وبدأت الإجراءات القضائية، تحولت المأساة الشخصية إلى قضية عامة هزت المجتمع الفرنسي وفتحت نقاشا واسعا حول العنف الجنسي، والثقافة الاجتماعية التي قد تجعل الضحايا يشعرون بالخجل بدلا من تحميل المسؤولية الكاملة للجناة.

ومع ذلك، فإن كتاب "والفرح بالحياة" لا يقتصر على إعادة سرد تفاصيل القضية أو توثيقها من الناحية القانونية. فالنص يتجاوز ذلك ليصبح تأملا إنسانيا عميقا في تجربة الصدمة وفي قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد انهيار الثقة في أقرب الناس إليه. تسعى الكاتبة من خلال صفحات الكتاب إلى الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن الإنسان أن يواصل العيش بعد أن يكتشف أن حياته التي ظنها مستقرة كانت تخفي وراءها واقعا مروعا؟

كيف يمكن الإنسان أن يواصل العيش بعد أن يكتشف أن حياته التي ظنها مستقرة كانت تخفي وراءها واقعا مروعا؟

في الصفحات الأولى من الكتاب تعود الكاتبة إلى حياتها قبل اكتشاف الحقيقة. تصف سنوات طويلة من الحياة اليومية العادية: أسرة، أبناء، علاقات اجتماعية مستقرة، ونمط حياة يبدو من الخارج متماسكا وهادئا. هذا الاسترجاع للماضي لا يأتي بدافع الحنين فقط، بل يشكل محاولة لفهم الكيفية التي يمكن أن تتعايش فيها الحياة العادية مع واقع خفي لم يكن مرئيا. ومن خلال هذا الاسترجاع تطرح الكاتبة سؤالا مؤلما حول طبيعة الثقة الإنسانية: إلى أي حد يمكن الإنسان أن يعرف حقا الأشخاص الأقرب إليه؟

نقطة التحول

تصل السردية إلى نقطة التحول الكبرى عند لحظة اكتشاف الحقيقة. هنا يصف الكتاب تلك اللحظة بوصفها صدمة شاملة تهز أساس المعاني التي يقوم عليها الوجود اليومي. فالثقة التي كانت تشكل أساس العلاقة الزوجية انهارت فجأة، والذكريات المشتركة التي كانت تبدو طبيعية اكتسبت معنى مختلفا ومقلقا. لذلك تبدو الصدمة في الكتاب أزمة وجودية عميقة تعيد تشكيل صورة العالم في نظر الكاتبة.

ALEXANDRA BEIER / AFP
جيزيل بيليكوت خلال تقديم كتابها في ميونيخ، 26 فبراير 2026

لكن النص لا يستسلم لليأس. على العكس من ذلك، يتحول السرد تدريجيا إلى رحلة بحث عن إمكانات التعافي. فالكتابة نفسها تصبح وسيلة لاستعادة السيطرة على القصة الشخصية. بعد سنوات كانت فيها الكاتبة ضحية لأفعال ارتكبت دون علمها، تأتي الكتابة لتمنحها القدرة على رواية تجربتها بصوتها الخاص، وإعادة ترتيب الأحداث وفق رؤيتها هي.

ومن خلال هذه العملية السردية، يتحول الكتاب إلى مساحة للتأمل في طبيعة الصدمة النفسية. فالعنف الجنسي لا ينتهي بانتهاء الاعتداء أو بإصدار الأحكام القضائية، فهو يترك آثارا طويلة الأمد على الحياة النفسية والاجتماعية للضحايا. تتحدث الكاتبة عن صعوبة استعادة الثقة في الآخرين، وعن الخوف الذي قد يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، غير أن النص يؤكد أيضا أن التعافي ممكن، وإن كان مسارا طويلا ومعقدا.

بعد سنوات كانت فيها الكاتبة ضحية لأفعال ارتكبت دون علمها، تأتي الكتابة لتمنحها القدرة على رواية تجربتها بصوتها الخاص

في هذا السياق، يكتسب عنوان الكتاب دلالة خاصة. فاختيار عبارة "والفرح بالحياة" يبدو في الظاهر مفارقا لطبيعة التجربة التي يرويها النص. كيف يمكن الحديث عن الفرح بعد تجربة بهذا القدر من القسوة؟ لكن العنوان لا يقصد الفرح بمعناه الساذج أو السطحي، إنما يشير إلى القدرة على الاستمرار في الحياة رغم الألم. الفرح هنا ليس نقيض المعاناة، بقدر ما أنه شكل من أشكال المقاومة الإنسانية.

AFP_
نسخ من كتاب جيزيل بيليكوت خلال تقديمه في ميونيخ، 26 فبراير 2026. في مذكراتها تكشف جرائم الاغتصاب التي نظّمها زوجها السابق ومحاكمة أفينيون التي جعلت منها صوتا بارزا ضد العنف الجنسي

كرامة وصمود

عبرت الكاتبة في أكثر من مناسبة عن دهشتها من النجاح الكبير الذي حققه الكتاب. فهي لم تكن تتوقع أن تلقى قصتها هذا الاهتمام الواسع، بل كانت ترى في البداية أن ما كتبته مجرد شهادة شخصية قد تهم عددا محدودا من القراء. لكنها اكتشفت بعد صدور الكتاب أن التجربة الفردية يمكن أن تتحول إلى خطاب إنساني عام، لأن الأسئلة التي يطرحها النص تتجاوز حدود القضية نفسها.

فالقارئ يقرأ هذا العمل بوصفه تأملا في موضوعات إنسانية أساسية مثل الثقة والكرامة والصمود. ولهذا وجد كثير من القراء في شهادة الكاتبة صوتا يعبر عن تجارب أو مخاوف مشتركة في مجتمعات مختلفة. وهنا يكمن أحد أسباب الانتشار الدولي السريع للكتاب.

 BORJA PUIG DE LA BELLACASA / LA MONCLOA / AFP
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يمنح جيزيل بيليكوت وسام الاستحقاق المدني في مدريد، 3 مارس 2026

إلى جانب ذلك، لعبت الكاتبة دورا مهما في تحويل تجربتها الشخصية إلى قضية عامة. إذ أصرت خلال المحاكمة على أن تكون الجلسات علنية، مؤكدة أن العار يجب أن يقع على الجناة لا على الضحايا. هذا الموقف جعل منها رمزا للنضال ضد العنف الجنسي، وأسهم في تعزيز النقاش العام حول مسؤولية المجتمع في حماية الضحايا ومحاسبة المعتدين.

ومن الناحية الأدبية، يتميز الكتاب بأسلوب بسيط ومباشر. فاللغة التي تستخدمها الكاتبة بعيدة من التعقيد البلاغي أو الزخرفة الأدبية، لكنها تحمل في الوقت نفسه صدقا عاطفيا واضحا. هذه البساطة تمنح النص قوة خاصة، لأن القارئ يشعر بأنه أمام شهادة حقيقية تنبع من تجربة معيشة، أكثر مما أمام نص أدبي يسعى إلى التأثير عبر الأساليب البلاغية.

كما أن بنية الكتاب تجمع بين السرد الشخصي والتأمل الفكري. فبينما تروي الكاتبة تفاصيل تجربتها، تتوقف أيضا عند الأسئلة التي تطرحها تلك التجربة حول المجتمع والعلاقات الإنسانية. في هذا المعنى يتحول النص إلى مساحة للتفكير في الثقافة التي قد تسمح بحدوث مثل هذه الجرائم، وفي الصمت الاجتماعي الذي قد يحيط بها.

يتحول النص إلى مساحة للتفكير في الثقافة التي قد تسمح بحدوث مثل هذه الجرائم، وفي الصمت الاجتماعي الذي قد يحيط بها

في النهاية، يمكن القول إن "والفرح بالحياة" ليس مجرد كتاب سيرة أو شهادة قضائية، بل نص إنساني يعكس قدرة الإنسان على الصمود في مواجهة التجارب الأكثر قسوة. ولهذا السبب ربما وجد الكتاب صدى واسعا لدى القراء في أنحاء العالم. فالكتاب يبدأ بقصة مأسوية، لكنه ينتهي برسالة مختلفة: أن الفرح بالحياة ليس غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم وجوده.

font change

مقالات ذات صلة