الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط... نحو استراتيجية عربية كاملة

ينبغي للدول العربية أن تمضي، عن قصد، في تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أوروبية رئيسة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
اجتماع وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة، في 10 سبتمبر 2024

الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط... نحو استراتيجية عربية كاملة

كشفت الحرب على غزة، والمواجهة مع إيران، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي بما في ذلك على البنية التحتية للنفط والغاز، أن إسرائيل وإيران أصبحتا التهديدين الأبرز لأمن العرب، وأن واشنطن لم تعد درعا يمكن التعويل عليها. ومن ثم، لم يعد أمام العرب سوى بناء استقلالية استراتيجية.

أولا: لحظة الحساب

ارتكز أمن العرب طوال عقود إلى افتراض واحد، هو أن الولايات المتحدة تتكفل بحماية حلفائها في الشرق الأوسط مقابل ضمان تدفق الطاقة، وإتاحة التمركز العسكري، والالتزام بخيارات استراتيجية تنسجم مع أولويات واشنطن. لكن هذا الافتراض لم يعد يترنح فحسب، بل تغير تحت وقع التحولات الأخيرة. فقد كشفت الحرب على غزة، والمواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، وامتداد الحرب إلى دول مجلس التعاون الخليجي، أن الركون إلى دعم الآخرين لم يعد رهانا آمنا، بل غدا بابا على خطر مباشر.

وشكلت الضربات الإيرانية على منشآت النفط والغاز في الخليج تصعيدا خطيرا هدد الأسس الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وألقى بظلاله على أمن الطاقة العالمي. ولما عجزت طهران عن مضاهاة القوة العسكرية التقليدية المحتشدة في مواجهتها، اتجهت إلى استنزاف غير متماثل يرفع كلفة الصراع إلى مستويات يصعب على حكومات الخليج وداعميها الدوليين تحملها. وبذلك، لم يعد العالم العربي يواجه شبح حرب مقبلة، بل بات يعيش حربا قائمة بالفعل.

ولم تعد المنظومة الأمنية الراهنة، القائمة على المظلة الأميركية، وصفقات السلاح الثنائية، وارتباط القرار الاستراتيجي العربي بإرادات خارجية، قادرة على احتواء هذه المرحلة. وأصبحت الحاجة ملحة إلى بناء هندسة أمنية جديدة، تنهض على قدرة عربية جماعية، واستراتيجية مستقلة فعلية، ونواة مصرية سعودية قادرة على إرساء إطار إقليمي أوسع تفرضه تحولات المرحلة.

ثانيا: إعادة ترتيب مصفوفة التهديدات

تعامل الخطاب الأمني العربي، في معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة، مع إيران على أنها التهديد الأول لاستقرار الخليج، في حين أخذ البعض التعامل مع إسرائيل، على نحو متزايد، بوصفها شريكا بحكم الأمر الواقع في مواجهة طهران. وفي هذا السياق، فسرت "اتفاقيات إبراهام" الموقعة عام 2020، ولا سيما في واشنطن، على أنها تمهد لقيام اصطفاف عربي-إسرائيلي في مواجهة إيران. وأفضى هذا التصور إلى تشويش الرؤية الاستراتيجية وإضعاف القدرة على قراءة توازنات المنطقة على نحو سليم.

ورأى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن "اتفاقيات إبراهام" لم تُصغ أساسا كأداة لمواجهة إيران. فقد كان هدفها، على نحو أدق وأكثر استقرارا، ترسيخ العلاقة بين الإمارات وإسرائيل وإدراجها في مسار التطبيع، ضمن شروط تقر بميزان القوة القائم، وتفتح قنوات للتواصل الاقتصادي والتقني والدبلوماسي. ووفق التصور الذي طرحه قرقاش، مثلت هذه الاتفاقيات خيارا برغماتيا في إدارة الدولة، أي إطارا ثنائيا لتنظيم العلاقة، لا عقيدة للأمن الإقليمي. ومن هنا، فإن الخلط بين البعدين، وإضفاء حمولة استراتيجية معادية لإيران على إطار تطبيعي لم يوضع أصلا لهذا الغرض، قاد إلى خطأ ارتكبه بالدرجة الأولى فاعلون خارجيون سعوا إلى تسخير الخيارات العربية لخدمة أهدافهم الاستراتيجية.

يجب النظر إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 لا بوصفها ردودا أمنية منفصلة، بل باعتبارها امتدادا لعقيدة استراتيجية متماسكة، تقوم على الإضعاف المستمر لأي قوة تملك قدرة على ردع التحرك الإسرائيلي

وأنتجت حرب غزة، بمعزل عن الجدل بشأن طبيعة "اتفاقيات إبراهام" وحدودها، بيئة إقليمية عطلت عمليا حتى الأهداف المحدودة التي قامت عليها "اتفاقيات إبراهام". فقد قادت الحملة العسكرية الإسرائيلية إلى كارثة ذات أبعاد تاريخية، وأظهرت أن القوة العسكرية الإسرائيلية تهدد العرب مباشرة، وتهدد أيضا الاستقرار الداخلي في الدول العربية. ومع امتداد العمليات الإسرائيلية إلى لبنان، واندلاع أعنف مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران في تاريخ المنطقة، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها عالقة بين قوتين متعاديتين، لا يمكن للترتيبات القائمة ضبط التوتر بينهما.

والخلاصة التي لم يعد في مقدور الاستراتيجيين العرب تجاهلها، هي أن إسرائيل وإيران تمثلان التحديين الأمنيين الرئيسين للدول العربية، وأن التعامل معهما يجب أن يتم في وقت واحد. فقد جعلت الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج التهديد الإيراني مباشرا وملموسا، فيما جعل استعداد إسرائيل الواضح لشن عمليات عسكرية مدمرة في المشرق، إلى جانب قدراتها النووية وتمتعها بحصانة من أي كبح أميركي فعلي، التهديد الإسرائيلي تهديدا بنيويا. وعليه، فإن الانحياز إلى أحد طرفي الصراع بين إسرائيل وإيران ليس سوى فخ قاتل. أما الموقف المجدي، فهو ما يتصدى للتهديدين معا وفق شروط عربية.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار والتركي هاكان فيدان، والسعودي فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، قبل اجتماعهم في مقر وزارة الخارجية بإسلام آباد في 29 مارس 2026

ثالثا: نمط التوسع الإسرائيلي، 2023–2026

يجب النظر إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا بوصفها ردودا أمنية منفصلة، بل باعتبارها امتدادا لعقيدة استراتيجية متماسكة، تقوم على الإضعاف المستمر لأي قوة تملك قدرة على ردع التحرك الإسرائيلي، وإقامة مناطق عازلة وحضور عسكري دائم في أراض عربية مجاورة، وتدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية ، ومنع قيام أي ائتلاف عربي قادر على إقامة توازن مع إسرائيل. وباختصار، تسعى إسرائيل إلى فرض هيمنتها على الشرق الأوسط بأسره.

ففي غزة، قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، كانت الغالبية الساحقة منهم من المدنيين، خلال أطول حملة عسكرية متواصلة في التاريخ الحديث للصراع العربي-الإسرائيلي. ورأت محكمة العدل الدولية أن هناك أسسا معقولة للاشتباه في وقوع إبادة جماعية. أما في لبنان، فقد تعاملت إسرائيل مع وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بوصفه مجرد توقف عملياتي مؤقت، فأنشأ جيشها خمسة مواقع عسكرية دائمة داخل الأراضي اللبنانية، وقتل أكثر من ثلاثمئة لبناني بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ اسميا. وفي مارس/آذار 2026، وسعت إسرائيل عملياتها، فقصفت بيروت ومناطق واسعة من الجنوب، واحتلت مزيدا من المواقع. وفي سوريا، أقامت إسرائيل ستة مواقع داخل المنطقة منزوعة السلاح المنصوص عليها في اتفاق عام 1974، ونفذت عمليات أمنية امتدت خمسة عشر كيلومترا داخل الأراضي السورية، بعدما تعاملت مع سوريا ما بعد الأسد لا بوصفها فرصة دبلوماسية، بل باعتبارها فراغا استراتيجيا ينبغي ملؤه.

وأكدت الضربات الإسرائيلية على اليمن شن هجمات عسكرية على مسافات تمتد إلى آلاف الكيلومترات خارج حدودها. وكانت محاولة اغتيال مسؤول بارز في حركة "حماس" على الأراضي القطرية دلالة أشد خطورة، إذ وقع في دولة خليجية عربية ترتبط بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة. كما حمل غياب رد عربي جماعي وحاسم رسالة واضحة إلى صناع القرار في إسرائيل عن حدود التضامن العربي.

حافظت السعودية، التي ربطت أي تطبيع بإحراز تقدم حقيقي نحو قيام دولة فلسطينية، على قدر أكبر من الاتساق الاستراتيجي من الدول التي انجرفت مبكرا إلى الفلك الأميركي-الإسرائيلي

ومثلت الحملة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في فبراير/شباط 2026 تتويجا واضحا لهذه العقيدة. فبعد الحملة الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025، التي أضعفت القدرات النووية الإيرانية من دون أن تقضي عليها، جاءت عملية فبراير/شباط 2026، بما تضمنته من اغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي، وتدمير منشآت نووية وعسكرية كبرى، وإعلان صريح بالسعي إلى تغيير النظام، لتستكمل منطقا استراتيجيا يتشكل منذ وقت طويل. ويقوم هذا المنطق على فرض نظام إقليمي لا تملك فيه أي دولة أو حركة قدرة عسكرية من شأنها تقييد حرية إسرائيل في استخدام القوة في أي موضع من الشرق الأوسط. وهذه ليست إسرائيل التي قُدمت في اتفاقيات إبراهام بوصفها شريكا في صناعة الاستقرار، بل قوة مهيمنة تسعى إلى تغيير الوضع الراهن وتعمل خارج أي إطار لضبط النفس المتبادل.

رابعا: كلفة الاعتماد

لم يكن تعرض دول مجلس التعاون الخليجي للاستهداف في الصراع الراهن أمرا عارضا. فقد وفرت القواعد الأميركية ردعا فعليا في مواجهة أي عدوان إيراني تقليدي، لكن العلاقة مع الخليج ساهمت استراتيجيا في بسط النفوذ الأميركي. وعندما وضعت إيران خطط ضرباتها الانتقامية بعد هجمات فبراير/شباط 2026، تصدرت القواعد الأميركية في البحرين وقطر والكويت والإمارات قائمة الأهداف. ودخلت المطارات ومنشآت الطاقة والمراكز السكانية القريبة من تلك القواعد ضمن بنك الاعتداءات الإيرانية.

أ.ف.ب
طائرات إف/إيه-18 سوبر هورنت على سطح حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم، يو إس إس جيرالد آر. فورد (CVN 78)، أثناء عبورها قناة السويس في 5 مارس 2026

ويمتد هذا إلى مستوى أعمق. فدول مجلس التعاون الخليجي تنفق مجتمعة على مشتريات السلاح ما يعادل إنفاق دول أوروبية كبرى في حلف شمال الأطلسي، لكنها مع ذلك لم يكن لها قرار في إشعال الحرب. وقد أفادت تقارير بأن الرياض مارست ضغوطا على واشنطن لثنيها عن مهاجمة إيران، في مقابل نفوذ تل أبيب لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكشفت الأزمة الراهنة أيضا حدود التطبيع حين يُحمّل وظيفة أمنية، وهي حدود أدركها منذ البداية أكثر مهندسيه وعيا بطبيعته وحدوده. وتؤكد الوقائع صواب التمييز الذي طرحه قرقاش بين "اتفاقيات إبراهام" بوصفها إطارا لتنظيم العلاقة وتثبيتها، وبين اصطفاف استراتيجي معاد لإيران سعى آخرون إلى تحميل الاتفاقيات إياه.

وحافظت السعودية، التي ربطت أي تطبيع بإحراز تقدم حقيقي نحو قيام دولة فلسطينية، على قدر أكبر من الاتساق الاستراتيجي من الدول التي انجرفت مبكرا إلى الفلك الأميركي-الإسرائيلي. واليوم، باتت هذه المقاربة السعودية تعبر فعليا عن الموقف العربي الجماعي.

 وليس من قبيل المصادفة أن تضطلع السعودية ومصر معا بصوغ قرار صدر عن مجلس وزراء الخارجية العرب في سبتمبر/أيلول 2025، الذي وضع الأساس العقائدي للهندسة الإقليمية الآخذة في التشكل.

تشكل الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسعودية الركيزة التي تقوم عليها هندسة الأمن العربي الآخذة في التبلور. ولا تنبع هذه الشراكة من مصلحة عابرة فرضتها الأزمة الراهنة

وخلف هذه الإخفاقات المحددة يبرز خلل أعمق، يتمثل في الفصل المنهجي بين أمن الخليج ومنظومة الأمن العربي الأوسع. فمنذ حرب الخليج الأولى، اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي مقاربة أمنية نظرت إلى شبه الجزيرة العربية بوصفها ساحة يمكن عزلها عن أمن مصر والمشرق والأراضي الفلسطينية.

إذ لا يمكن فصل أمن الخليج عن البيئة السياسية والعسكرية العربية الأوسع، لأن التهديدات التي تصل إليه تنشأ في تلك البيئة نفسها، وتستمد منها أسبابها ومبرراتها. فقد خلّف تدمير غزة ضغطا سياسيا داخليا في مختلف المجتمعات العربية، بما فيها الدول الخليجية. ولم توفر الموارد المالية الخليجية، في غياب إطار سياسي متماسك، أمنا حقيقيا. وكانت التدخلات تجاه مصر والأردن ولبنان وليبيا واسعة النطاق، لكن الدعم المالي الذي لا يقوم على تصور يربط مصالح الخليج بحل الصراع العربي-الإسرائيلي يتبدد سريعا، من غير أن يفضي إلى بيئة إقليمية مستقرة تحتاج إليها التحولات الاقتصادية في الخليج.

وجعلت الحرب من استحالة فصل أمن الخليج عن الأمن العربي حقيقة عسكرية وسياسية، لا مجرد طرح نظري.

خامسا: قرار سبتمبر 2025، العقيدة قبل الأزمة

اعتمدت جامعة الدول العربية، في 5 سبتمبر/أيلول 2025 وبإجماع أعضائها، قرارا مشتركا قدمته مصر والسعودية بعنوان "رؤية مشتركة للأمن والتعاون في المنطقة". وكان هذا التقديم المشترك أبرز ما ميز القرار، إذ عكس توافقا بين الدولتين الأكثر ثقلا على المستوى الاستراتيجي في العالم العربي، تملكان أدوات المال والطاقة والدبلوماسية والثقل العسكري العربي والاقتصادي، إلى جانب الموقع الجغرافي المحوري وشرعية الدبلوماسية. وهكذا بدت الدولتان وقد واءمتا رؤيتيهما الاستراتيجيتين، واختارتا التحرك معا باسم النظام العربي الأوسع. وعند قراءة القرار في ضوء ما جرى منذ فبراير/شباط 2026، فإنه يبدو أقرب إلى تشخيص دقيق لأزمة كانت تتشكل بالفعل منه إلى مجرد بيان دبلوماسي.

وأكد القرار أن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم إلا على أسس جماعية، تصون سيادة جميع الدول ووحدة أراضيها، في رد واضح على العقيدة الإسرائيلية القائمة على فرض مناطق عازلة من جانب واحد وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية. كما رفض بشكل قاطع أي ترتيبات أمنية أحادية، وأي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة. وشدد أيضا على أن من حق الدول العربية، في المقام الأول، أن تحدد المبادئ التي تنظم أي ترتيبات أمنية إقليمية، بدلا من أن تفرضها قوى خارجية أو تكرسها موازين القوة العسكرية.

صدر القرار قبل الحرب على إيران، وقبل اتفاق إطار التعاون العسكري بين مصر وتركيا، وقبل أن تتكشف بهذا الوضوح حدود التوسع العسكري الإسرائيلي. ومع ذلك، بدا القرار أقرب إلى بيان استراتيجي استبق الأزمة، إذ وضع منذ البداية مبادئ أثبتت الوقائع اللاحقة صحتها عند كل منعطف. وهكذا، كان العالم العربي قد بلور عقيدته الأمنية قبل أن تفرض الأزمة تطبيقها بوصفه ضرورة وجودية، وصاغها بجهد مشترك من مصر والسعودية، في إشارة مبكرة إلى أن مركز الثقل السياسي لهذه الهندسة الإقليمية يقوم على تقارب القاهرة والرياض.

سادسا: الهندسة الآخذة في التشكل... نواة سعودية-مصرية وتكامل تركي

تشكل الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسعودية الركيزة التي تقوم عليها هندسة الأمن العربي الآخذة في التبلور. ولا تنبع هذه الشراكة من مصلحة عابرة فرضتها الأزمة الراهنة، بل من تقارب بين دولتين تتكامل مقوماتهما على نحو بنيوي، ويُسخَّر ثقلهما المشترك، للمرة الأولى عن قصد، في خدمة تصور للأمن العربي الموحد.

تنبع قيمة تركيا في هذه الهندسة من كونها دعامة مكملة، لا ركنا تأسيسيا. فهي توفر من المقومات ما لا تتيحه النواة المصرية-السعودية وحدها

تتمتع السعودية بنفوذ كبير يمتد إلى واشنطن وبكين وموسكو، على نحو لا تضاهيها فيه أي دولة عربية أخرى. وأضفت رؤية 2030 على حاجة المملكة إلى الاستقرار الإقليمي بعدا اقتصاديا بنيويا، إذ إن الاقتصاد المتنوع الجاذب للاستثمار، يحتاج إلى بيئة إقليمية لا تظل رهينة للضغط الإيراني غير المتماثل، ولا تضطرب بفعل توسع عسكري إسرائيلي لا رادع له. كما أثبتت المقاربة السعودية المشروطة للتطبيع، التي تربط أي شراكة حقيقية بمسار جدي نحو قيام دولة فلسطينية، أنها ليست متسقة أخلاقيا فحسب، بل بعيدة النظر استراتيجيا أيضا. وقد حافظت هذه المقاربة على هامش مناورة للرياض حين فقده آخرون، وغدت اليوم تعبيرا فعليا عن الموقف العربي الجماعي.

أما مصر التي تملك أكبر جيش نظامي في العالم العربي، وتمسك بمفاصل الجغرافيا في المجال الاستراتيجي العربي، إذ تطل في آن واحد على غزة وليبيا والسودان والبحرين المتوسط والأحمر، فهى تتمتع- استنادا إلى التاريخ والحجم والحضور المؤسسي- بوضع دبلوماسي متميز في المحافل العربية، وفي فضاء عدم الانحياز، وعلى الساحة الدولية. وبوصفها الدولة العربية التي لا تستضيف منشآت عسكرية أميركية، تحتفظ مصر بهامش مناورة دبلوماسية، بما يتيح لها الاضطلاع بأدوار في الوساطة والمناصرة من دون أن يبدو ذلك انحيازا إلى الضغط الإيراني أو إلى الحملة الأميركية-الإسرائيلية. وتشكل قدرة القاهرة على مخاطبة أطراف متعددة بقدر من المصداقية في وقت واحد، من واشنطن وبكين وموسكو إلى أنقرة وطهران، ومن الاتحاد الأفريقي إلى جامعة الدول العربية، أصلا استراتيجيا لا يمكن للهندسة العربية الأوسع أن تجد له بديلا.

أ.ف.ب
مصفاة نفط في الصحراء بين شبيتة وشبيتة، خلال رالي داكار 2024، في المملكة العربية السعودية، في 12 يناير 2024

تؤدي كل من المملكة العربية السعودية ومصر أدوارا مختلفة ومتكاملة ضمن عملية بلورة إطار للأمن العربي المشترك. وهذا التكامل تحديدا هو ما منح الصياغة المشتركة لقرار سبتمبر/أيلول تلك الأهمية، وما يجعل استمرار اصطفافهما نواة لا غنى عنها لأي هندسة أمن عربية مجدية بالفعل. فغياب الثقل المالي والدبلوماسي السعودي يحرم هذه الهندسة من الموارد ومن النفوذ الدولي اللازمين لفاعليتها، فيما يؤدي غياب الثقل العسكري المصري والشرعية العربية الجامعة إلى حرمانها من العمق الاستراتيجي ومن السند المؤسسي اللازمين لاستمرارها.

ويضيف الارتباط بتركيا إلى هذا الأساس المصري-السعودي بعدا آخر من العمق الاستراتيجي، يجمع بين التمايز والتكامل. فقد جاء اتفاق الإطار العسكري، الذي وقعته مصر وتركيا في 4 فبراير/شباط 2026، بعد يوم واحد من اختتام الرئيس رجب طيب أردوغان اجتماعا استراتيجيا مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الرياض، في تسلسل أظهر أن أنقرة تنظر إلى المحور المصري-السعودي بوصفه مركز الثقل في هذه الهندسة. ولم يأت الاتفاق من فراغ، بل كان ثمرة مصالحة مقصودة ومتدرجة بين دولتين حال افتراقهما منذ عام 2013 دون قيام استجابة إقليمية منسقة طوال أكثر من عقد. كما تعكس حزمة التعاون الدفاعي، البالغة 350 مليون دولار، التي تشمل التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، وشراء منظومات الدفاع الجوي، وإنتاج ذخائر المدفعية، وتطوير المركبات المدرعة، تقاربا يقوم على معارضة مشتركة للتوسع الإسرائيلي ذي النزعة الهيمنية، وعلى التزام مشترك بوحدة أراضي الدول العربية في المشرق وشمال أفريقيا.

وتنبع قيمة تركيا في هذه الهندسة من كونها دعامة مكملة، لا ركنا تأسيسيا. فهي توفر من المقومات ما لا تتيحه النواة المصرية-السعودية وحدها، وفي مقدمة ذلك قوات مسلحة تعمل وفق معايير حلف شمال الأطلسي، وتشكل ثاني أكبر جيش نظامي فيه، إلى جانب قاعدة صناعات دفاعية أثبتت فاعليتها في ميادين صراع متعددة، فضلا عن موقع جغرافي يتيح لها التحكم في مضيقي البوسفور والدردنيل، بما يمنحها وزنا استراتيجيا في أي مواجهة تنخرط فيها قوى بحرية خارجية. وكشف السلوك التركي في المرحلة الأولى من الحرب على إيران القيمة العملية لهذا الاصطفاف. فقد رفضت أنقرة السماح باستخدام أراضيها، بما في ذلك قاعدة إنجرليك الجوية، في شن عمليات هجومية ضد إيران، وأدانت الضربات علنا بوصفها انتهاكا للقانون الدولي، فيما دعت طهران في الوقت نفسه إلى ضبط النفس. وكرست هذه المقاربة، التي لم تنحز إلى واشنطن ولا إلى إيران، بل انطلقت من حسابات تركية مستقلة، نموذج الاستقلالية الاستراتيجية الذي دعا قرار سبتمبر/أيلول الدول العربية إلى تبنيه، ومنحته مصداقية خارجية.

تنفق الدول العربية مجتمعة على الدفاع حصة من ناتجها المحلي الإجمالي تفوق ما تنفقه أي منطقة أخرى في العالم، لكنها لا تزال تعتمد، إلى حد بعيد، على موردين أجانب

وباختصار، تقوم هذه الهندسة على تراتبية واضحة في الثقل والوظيفة. فمحور مصر والسعودية يشكل قلبها السياسي ومصدر شرعيتها العربية، فيما يمنحه التعاون العسكري بين مصر وتركيا مدى عملياتياً أوسع، ويضيف إليه عمقا استراتيجيا من خارج المجال العربي، ويفتح صلة مع دولة عضو في حلف شمال الأطلسي على قاعدة من الندية الحقيقية. وتشارك تركيا في هذا الإطار بوصفها شريكا للمركز المصري-السعودي، وليس قطبا بديلا داخله. وعلى هذا النحو، تتيح الدول الثلاث للمجموعة العربية الأوسع، من دول الخليج إلى الأردن وبلاد الشام وشمال أفريقيا، إطارا يمكنها من ترسيخ أمنها على نحو لم تتحه يوما الاتفاقيات الثنائية مع الولايات المتحدة.

سابعا: ما يجب بناؤه

لا تنطوي الاستقلالية الاستراتيجية العربية على توجه معاد للغرب، بل تقوم على مطلب أبسط وأعمق: أن تمتلك الدول العربية من القدرة الجماعية ما يتيح لها الإسهام في صياغة بيئتها الأمنية، بدلا من أن تبقى محصورة في موقع الاستجابة لما يُفرض عليها. ويوفر محور مصر والسعودية الإرادة السياسية والمرجعية المؤسسية لهذا المسار، لكن الهندسة التي يفترض أن تقوم على هذا الأساس تحتاج إلى ستة مكونات ملموسة.

آلية دفاع جماعي بعد الإصلاح

أفضى تقارب إدراك التهديد، كما كشفته حرب غزة والهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة، إلى قيام أساس سياسي حقيقي للعمل الجماعي. غير أن هذا التقارب يحتاج إلى أن يترسخ مؤسسيا قبل أن يتبدد، وذلك عبر إصلاح جامعة الدول العربية على نحو يفرض أغلبية موصوفة في قرارات الأمن، ويدمج الترتيبات الأمنية دون الإقليمية رسميا في إطار الجامعة، ويؤسس مجلس أمن دائما يتبع له جهاز عسكري وهيئة أركان قادرة على التنسيق في الأزمات لحظة بلحظة.

شراكات أمنية متنوعة

ينبغي للدول العربية أن تمضي، عن قصد، في تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أوروبية رئيسة، إلى جانب علاقتها بالولايات المتحدة. ولا يستهدف هذا التوجه استبدال واشنطن، بل الحد من الهشاشة التي يخلقها الاعتماد الحصري عليها. فحين لا يواجه الراعي أي منافسة، لا يجد ما يدفعه إلى الوفاء بالتزاماته.

قدرة صناعات دفاعية محلية

تنفق الدول العربية مجتمعة على الدفاع حصة من ناتجها المحلي الإجمالي تفوق ما تنفقه أي منطقة أخرى في العالم، لكنها لا تزال تعتمد، إلى حد بعيد، على موردين أجانب. أما القدرات العسكرية التي راكمتها دول مجلس التعاون الخليجي، فتبقى في معظمها عصية على الإدماج ضمن هندسة دفاع عربي جماعي، لأنها اشترت ونظمت عقائديا بما يخدم الاندماج في عمليات تقودها الولايات المتحدة، لا بما يتيح دفاعا مستقلا عن المصالح السيادية العربية. ويقدم إطار التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، بما ينطوي عليه من تصنيع مشترك وتبادل للتكنولوجيا وتطوير متبادل، نموذجا ينبغي أن تسترشد به استراتيجية صناعية عربية أوسع، وأن تعمل على توسيع نطاقه.

هندسة مخصصة لحماية البنية التحتية الحيوية

تعتبر هذه الأولوية الأشد إلحاحا. فحماية آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب، والمنصات البحرية، ومحطات الغاز الطبيعي المسال، ومرافق معالجة الطاقة، في مواجهة حملة غير متماثلة تقوم على الاستنزاف، تتطلب منظومة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي تمتد عبر دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب أنظمة إنذار مبكر مشتركة، وبروتوكولات استجابة سريعة، وقدرات موحدة للتصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ. ولا يمكن إناطة هذه المتطلبات بترتيبات مرتجلة أو بالركون إلى حسن نية ضامنين خارجيين.

شكّل قرار جامعة الدول العربية في سبتمبر 2025، الذي صاغته السعودية ومصر معا، أغنى بيان عربي جماعي من حيث المضمون بشأن عقيدة الأمن الإقليمي منذ سبعينات القرن الماضي

حوار أمني إقليمي منظم يشمل إيران

تشكل طهران قوة إقليمية كبرى، تمتد شبكات نفوذها عبر أكثر من ساحة عربية. ولدى إيران من الدوافع ما يدفعها إلى تقويض أي هندسة أمنية يُراد لها أن تقوم من دونها. ولا يعد الانخراط المنظم معها، عبر خطوط حمراء واضحة وآلية لإدارة الأزمات تحول دون الانزلاق إلى الحرب، ضربا من الاسترضاء، بل تعبير عن إدراك واقعي بأن الحرب التي تستهدف بنية الطاقة في الخليج لا تستدعي ردا عسكريا فحسب، بل تتطلب أيضا مسارا سياسيا موازيا. وتجعل الخبرة المصرية المتجذرة في الوساطة الإقليمية من القاهرة الطرف الأنسب للدعوة إلى هذا الحوار ورعايته.

موقف عربي دبلوماسي موحد من فلسطين

تظل القضية الفلسطينية عبئا استراتيجيا ما دامت بلا حل. فهي الأداة الأشد فاعلية في يد أي طرف يسعى إلى دفع المجتمعات العربية نحو التطرف، وتقويض شرعية الحكومات العربية، ومنع قيام علاقات إقليمية مستقرة. ولا يمكن لأي هندسة أمن عربية، من دون تقدم ملموس نحو قيام دولة فلسطينية، أن تكتسب شرعية داخلية أو تحافظ على تماسكها الخارجي. ومن هنا، يصبح التمسك الجماعي، ومن دون استثناء، بالشرط السعودي القائل إن التطبيع الحقيقي لا يستقيم من دون أفق سياسي جدي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية، أمرا لا غنى عنه. ولا يعني ذلك إغلاق الباب أمام إدارة العلاقات الثنائية البرغماتية على النحو الذي جسدته اتفاقيات إبراهام في تصورها الأكثر محدودية، لكنه يؤكد أن هذه الترتيبات لا تصلح بديلا من تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية، ولا يمكن المضي بها بمعزل عنها.

أ.ف.ب
وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود يتحدث خلال مؤتمر الأمم المتحدة حول حل الدولتين لإسرائيل والفلسطينيين، في مقر الأمم المتحدة، في 28 يوليو

ويفترض بهذه الهندسة أيضا أن تقوم على أربعة أبعاد متساندة ومتكاملة: بعد عسكري ينهض على بناء قوة ردع جدية بما يكفي لتعديل حسابات المخاطر لدى إسرائيل، وبعد سياسي يتمسك بحق عربي فعلي في التشاور بشأن العمليات التي تنطلق من الأراضي العربية، وبعد قانوني يقوم على حضور دائم وحازم في جميع المحافل الدولية ذات الصلة، وبعد اقتصادي يحافظ جماعيا على مشروطية التطبيع التي أرستها السعودية.

ولا تقوم هذه الهندسة على إقصاء دائم لأي فاعل إقليمي. فقيام نظام أمني مستقر في الشرق الأوسط يقتضي، في نهاية المطاف، مشاركة جميع الدول الرئيسة، بما فيها إسرائيل. غير أن ذلك يظل مشروطا بتحول استراتيجي جذري. فطالما ظلت السياسة الإسرائيلية قائمة على تكريس الهيمنة العسكرية وحرمان الفلسطينيين من دولة ذات سيادة وقابلة للحياة، سيبقى اندماجها في نظام إقليمي جماعي أمرا متعذرا. أما إذا قبلت بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتخلت عن منطق الهيمنة الإقليمية، أمكن إدماجها في الهندسة نفسها التي بدأت الدول العربية في بنائها.

الخلاصة: وعد سبتمبر

شكّل قرار جامعة الدول العربية في سبتمبر/أيلول 2025، الذي صاغته السعودية ومصر معا، أغنى بيان عربي جماعي من حيث المضمون بشأن عقيدة الأمن الإقليمي منذ سبعينات القرن الماضي. ومثّل اتفاق الإطار العسكري بين مصر وتركيا، وتعميق البعد الاستراتيجي في العلاقة بين تركيا والسعودية، وعقد الجامعة جلسة طارئة بشأن الهجوم الإيراني على دول الخليج، اللبنات الأولى للهندسة التي رسمها ذلك القرار. وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن العالم العربي بدأ، للمرة الأولى منذ جيل، في بناء هندسة أمنية عربية قرارا ومؤسسات ومصلحة، على أن يشكل محور مصر والسعودية أساسها السياسي والاستراتيجي، فيما يوسع التعاون العسكري بين مصر وتركيا نطاقها التشغيلي.

ما تتطلبه اللحظة الراهنة ليس استكمال مسار طويل نحو استقلالية استراتيجية عربية كاملة، بل الشروع فيه على نحو لا رجعة فيه، عبر قرار سياسي جماعي يترسخ في أطر عربية شرعية

ويفترض بهذه الهندسة أن تقوم على تجاوز فكرة الاستثناء الخليجي. فقد نسفت التطورات الأخيرة نهائيا المقولة التي تفترض إمكان إدارة أمن شبه الجزيرة العربية بمعزل عن بقية العالم العربي. ولم يفض ابتعاد دول الخليج عن باقي العرب إلى مزيد من الأمن، بل جعلها أقل أمنا، وأكثر عرضة للخطر، وأكثر تضييقا في الداخل. ومن هنا، فإن إعادة دمجها في هندسة أمن عربية جامعة، تُسخَّر فيها مواردها المالية، ونفوذها في سوق السلاح، وثقلها في سوق الطاقة، لخدمة مصالح عربية تُحدَّد جماعيا، تمثل شرطا أساسيا لتحويل قرار سبتمبر/أيلول إلى واقع استراتيجي دائم. وتوفر العلاقة بين مصر والسعودية، بما تجمعه من ثقل مالي خليجي وكتلة عسكرية عربية وشرعية دبلوماسية، الأساس البنيوي الذي يتيح هذا الإدماج.

وتحمل هذه الخلاصة دلالة واضحة عند تقييم تجربة "اتفاقيات إبراهام" في نهاية المطاف. فالتصور الإماراتي الأصلي، القائم على تطبيع ثنائي برغماتي هدفه تثبيت العلاقة، بمعزل عن أي اصطفاف أوسع معاد لإيران أو مشروط به، كان خيارا يمكن تفهمه في سياق إدارة الدولة، ولا يعني ما جرى خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن هذا الباب أُغلق نهائيا. لكن الأزمة الراهنة أظهرت أن أي ترتيب للتطبيع الثنائي، مهما كان مدروسا، لا يمكن أن يكون بديلا من هندسة أمن عربية جماعية تقوم على مصالح عربية سيادية. والدرس هو أن التطبيع من دون سند سياسي عربي جماعي ومن دون تقدم حقيقي نحو قيام دولة فلسطينية، يترك الدول العربية منفردة في مواجهة ضغوط واستحقاقات لا تملك إدارتها وحدها.

لكن التجارب التاريخية تدعو هنا إلى الحذر. فقد عرف العالم العربي من قبل لحظات بدا فيها أن تقاربا استراتيجيا أخذ في التشكل، غير أنها سرعان ما خبت مع انحسار الضغط المباشر، وعادت بعدها الأنماط المألوفة من الارتهان للقوى الكبرى والتنافس بين الدول العربية. واليوم، ما تزال هناك قيود بنيوية قائمة، إذ يحتاج التحول الاقتصادي في السعودية إلى التكنولوجيا والاستثمار الأميركيين، فيما ترتبط المؤسسة العسكرية المصرية بعلاقات مؤسسية عميقة مع واشنطن. لذلك، تدفع هذه القيود نحو مسار تدريجي، لا نحو إعادة تصميم جذرية.

لكن ما تتطلبه اللحظة الراهنة ليس استكمال مسار طويل نحو استراتيجية عربية كاملة، وهو مسار قد يمتد سنوات وربما عقودا، بل الشروع فيه على نحو لا رجعة فيه، عبر قرار سياسي جماعي يترسخ في أطر عربية شرعية، ويقر بأن أمن الشعوب العربية هو، في نهاية المطاف، مسؤولية عربية، وأن أمن الخليج وأمن العالم العربي الأوسع لا ينفصل أحدهما عن الآخر. وقد صاغت مصر والسعودية هذا المعنى معا في سبتمبر/أيلول 2025. وتشكل هندسة أمن جماعي تدمج بدل أن تفتت، وتربط ثروة الخليج بالعمق الاستراتيجي العربي، وتجعل من السيادة الفلسطينية حجر الزاوية في النظام الإقليمي لا ضحيته، السبيل إلى الوفاء بهذا الوعد.

font change

مقالات ذات صلة