حرب إيران والوضع السوداني... ثلاثة مستويات من التأثير

السودان جزء محوري من الأمن العربي الإقليمي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي من الجيش السوداني يراقب خط المواجهة مع ميليشيا الدعم السريع، الخرطوم في 3 نوفمبر 2024

حرب إيران والوضع السوداني... ثلاثة مستويات من التأثير

لم تبدأ المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في لحظة فراغ دبلوماسي، بل اندلعت فيما كانت قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة بوساطة عُمانية. فبعد جولة التفاوض في جنيف والتي انتهت في 26 فبراير/شباط 2026 ووُصفت بأنها أحرزت قدراً من التقدم وتستحق استكمالاً فنياً. جاء الانتقال الصادم من التفاوض إلى المواجهة العسكرية في 28 فبراير، وتحولت المنطقة في لحظة واحدة من منطق إدارة التوتر بالأدوات الدبلوماسية إلى منطق الحرب المفتوحة بلا أهداف أو نهايات واقعية محددة. هذه القفزة، وما حملته من دلالات في مقتل "المرشد الأعلى" للنظام الإيراني علي خامنئي والتفكيك الجزئي لبنية القيادة الإيرانية، ثم الرد واسع النطاق والذي افتقر إلى أي معقولية سياسية، لم تغيّر وضع الخليج العربي وحده، بل أعادت تعريف معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة بأسرها بما فيها السودان والذي يمر بلحظة ضعف هيكلي نتيجة حربه الخاصة منذ أبريل/نيسان 2023.

ومهما اختلفت القراءات حول شرارة الحرب الأولى، فإن رد الفعل الإيراني اللاحق بدا، من منظور استراتيجي بحت، فاقداً للتناسب السياسي والبوصلة الإقليمية. فردّ الفعل الإيراني لم يقتصر على استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، بل تمدد إلى ضرب بنى تحتية ومواقع مدنية ومنشآت طاقة في دول عربية، من بينها قطر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات والكويت، كما شهدت عُمان نفسها هجوماً على ميناء صلالة رغم أن مسقط كانت الوسيط الأبرز في مسار التفاوض لمنع اندلاع الحرب، فيما شددت الدوحة علناً على ضرورة خفض التصعيد، وأعلنت المملكة العربية السعودية وأبلغت إيران رسمياً منذ 14 يناير/كانون الثاني 2026 عبر قنوات دبلوماسية مباشرة عن عدم سماحها لاستخدام أجوائها أو أراضيها أو قواعدها في أي عمل عسكري أميركي محتمل ضد إيران. كانت الرياض والدوحة ومسقط منخرطة في مساعٍ إقليمية لتفادي الأزمة. ولكن جاء الرد الإيراني بالاستهداف لهذه الدول بما لا يعكس ردعاً عقلانياً بقدر ما يعكس نزعة إلى تعميم الحرب، حتى على دول حاولت إبقاء الباب موارباً أمام التسوية أو على الأقل أمام منع الانهيار الكامل للنظام الإقليمي.

بالنسبة إلى السودان، لا تأتي تأثيرات الحرب الأميركية-الإيرانية باعتبارات الجغرافيا وموقعه داخل المحيط الأمني العربي فقط، بل من السياق الزمني الذي تحدث فيها خلال كارثة الحرب السودانية المندلعة منذ 2023. وهو سياق مركب تتداخل فيه الأدوار والأطماع الإقليمية وتتصارع فيه السرديات السياسية التي تحاول إعادة صياغة الواقع بالإضافة إلى الضغط والأزمة الاقتصادية الداخلية الناتجة عن الحرب. والسودان هنا ليس مراقباً من بعيد لأزمة معزولة في الخليج العربي، بل جزء أساسي من محيط أمني عربي يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ويتأثر في آن واحد بمضيق هرمز وباب المندب وسلاسل الإمداد التي تصل بينهما. وكما أن إغلاق وتعطيل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة الطاقة العالمية، وتزايد القلق عن استقرار المرور البحري في البحر الأحمر مع انخراط الحوثيين في الحرب، فإن السودان لا يتلقى فقط صدمة أسعار، بل يتلقى زلزالاً في المجال الأمني الذي يتحرك داخله وضمنه.

ومن هذه الزاوية جاء الموقف السوداني الرسمي واضحاً بشكل مطلق. فقد أعلنت الحكومة السودانية، منذ الأيام الأولى لانفجار الأزمة، شجبها للهجمات الإيرانية على الدول العربية بأشد العبارات، ووصفتها بأنها عدوان سافر وغير مشروع، في صياغة قطعت بها الخرطوم الطريق مبكراً على أي محاولة للتشكيك في موقفها. ثم عزز رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان هذا التموضع باتصالات مع قادة خليجيين وعرب للإعراب عن الموقف المتضامن وكما قام بإصدار تحذير إعلامي واضح لأي جهات داخلية عن مغبة الحديث باسم الدولة في هذا الشأن، مؤكداً دعم السودان لأمن الدول العربية ورفضه أي مساس به. هذه النقطة ليست تفصيلاً دبلوماسياً، بل إعلان لموقف سياسي واضح يضع السودان داخل الفضاء الأمني العربي دون مساحات للمناورة أو المساومة.

جاء الموقف السوداني الرسمي واضحاً بشكل مطلق. فقد أعلنت الحكومة السودانية، منذ الأيام الأولى لانفجار الأزمة، شجبها للهجمات الإيرانية على الدول العربية بأشد العبارات، ووصفتها بأنها عدوان سافر وغير مشروع

في هذه اللحظة تحديداً، ظهرت انتهازية بعض الساسة السودانيين في سعيهم لتسلق مقاعد السلطة في أبشع صورها. فبدلاً من أن يميزوا بين الخلاف السياسي وصون البلاد من الاستعداء الخارجي، انخرطوا في نفخ كير سردية بالية تحاول ربط السودان بالمحور الإيراني وترديدها وترويجها بل واختلاق أسانيد لها، في محاولة لاستدعاء هجمات إسرائيلية وأميركية على السودان.

وكأن خصومتهم مع السلطة قد أعمتهم عن الفارق الجوهري بين منازعة الحكم ومعاداة الوطن. ولم يكن ذلك مستغرباً عليهم، من واقع تأييدهم وانحيازهم إلى محور إقليمي يدعم عدوان ميليشيا "الدعم السريع" على الدولة السودانية بمكوناتها الثلاثة (الشعب والأرض والحكومة). ولكن هنا يختل الميزان الأخلاقي بشكل غير قابل للتبرير قبل أن يختل التقدير السياسي. إذ يصبح الوطن، في خيالهم المأزوم، مجرد مادة للابتزاز الخارجي، ومجرد ورقة مستباحة في معرض الخصومة. ليست هذه معارضة سياسية ولا مواقف فكرية، بل هي عطب في الرؤية. وفي خلفية هذا المشهد تقف أيضاً بنية سياسية موازية تقودها ميليشيا "الدعم السريع" والمحاور الداعمة لها في تكرار وتضخيم السردية نفسها، مستندة إلى أوهام صناعة البديل السياسي عبر الاحتماء بالقوة المسلحة الأجنبية والرعاية الخارجية.

 أ ف ب
ارتفاع الدخان في احياء طهران في الاول من مارس على اثر تعرض احياء العاصمة الايرانية للقصف

ولهذا فإن أخطر أثر للحرب على إيران في الحالة السودانية ليس عسكرياً، بل هو سردي وسياسي. فالهدف من إعادة تدوير خطاب الربط بين الخرطوم وطهران ليس توصيف الواقع، بل تصوير السودان في الذهن الدولي باعتباره امتداداً لمسرح الحرب على إيران. وعندما تُضخ هذه الفكرة عبر أبواق الميليشيا وبعض الدوائر السياسية الباحثة عن موطئ قدم سلطوي، فإنها تنتج بيئة تحريض، يكون مقصدها استدعاء عداوة أميركية-إسرائيلية ضد الدولة السودانية، أو على الأقل تسهيل قبولها نظرياً داخل بعض دوائر القرار.

أخطر أثر للحرب على إيران في الحالة السودانية ليس عسكرياً، بل هو سردي وسياسي

على الصعيد الاقتصادي، تصل الحرب إلى السودان عبر القناة الأشد قسوة، قناة المعيشة اليومية. فقد صعدت أسعار النفط بشكل كبير وارتفع سعر خام برنت في 30 مارس/آذار إلى نحو 115.66 دولار للبرميل، بزيادة تقارب 59 في المئة، فيما تم تقدير أن السوق فقد فعلياً نحو 12 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات مع بقاء مضيق هرمز معطلاً على نطاق واسع. هذه ليست أرقاماً تخص الأسواق العالمية وحدها، بل أرقام تخص السودان مباشرة، لأنه بلد يستورد أثر الصدمة قبل أن يستورد السلعة نفسها، عبر النقل والتأمين والوقود والكهرباء وكلفة تشغيل الاقتصاد الهش. تتحول صدمة الطاقة إلى موجة تضخم جديدة في بلد أنهكته الحرب أصلاً، تصبح الحرب البعيدة ضاغطة على الخبز والدواء والمواصلات في الداخل السوداني. 

.أ.ف.ب
آلاف أكياس الذرة الرفيعة التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في مستودع جاهزة للتوزيع في مابان، جنوب السودان، 20 أغسطس 2025

غير أن الضربة الأعمق تقع على الزراعة، وهي اليوم النشاط الاقتصادي الأهم في السودان، كما كانت تاريخياً عموده الفقري ومصدر اتزانه الاقتصادي. فوفق البنك الدولي، تسهم الزراعة في السودان بنحو 35 في المئة من الناتج المحلي وتوظف أكثر من 40 في المئة من قوة العمل. وقد ارتفعت هذه النسب بدرجات أكبر بعد الحرب. في بلد تراجعت فيه الصناعة والخدمات تحت وطأة الحرب، لا تعود الزراعة مجرد قطاع اقتصادي، بل تصبح آخر قاعدة إنتاجية واسعة قادرة على الإبقاء على المجتمع واقفاً. لذلك فإن أي صدمة تصيب الوقود أو الأسمدة أو النقل لا تضرب السوق فقط، بل تضرب القدرة الوطنية على الصمود. 

ومن هنا تتضح خطورة أزمة الأسمدة والغذاء. فأسعار اليوريا ارتفعت إلى نحو 684 دولاراً للطن، بزيادة 47 في المئة منذ اندلاع الحرب، فيما حذرت منظمة "الفاو" من أن متوسط أسعار الأسمدة عالمياً قد يبقى أعلى بين 15 و20 في المئة خلال النصف الأول من 2026 إذا استمرت الأزمة. ويكتسب هذا وزناً مضاعفاً في السودان، حيث يقدّر برنامج الأغذية العالمي أن 21.2 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن أكثر من 12 مليون شخص نزحوا من ديارهم، مع تأكيد المجاعة في الفاشر وكادقلي. وفي بلد يستورد نحو 80 في المئة من احتياجاته من القمح، لا تعني أزمة الطاقة والأسمدة مجرد تراجع في الربحية الزراعية، بل تعني اقتراباً إضافياً من حافة الجوع.

تتحول صدمة الطاقة إلى موجة تضخم جديدة في بلد أنهكته الحرب أصلاً، وتصبح الحرب البعيدة ضاغطة على الخبز والدواء والمواصلات في الداخل السوداني

ومع ارتفاع تكاليف النقل البري بنحو 30 في المئة وارتفاع كلفة الشحن على بعض المسارات بنسبة 25 إلى 30 في المئة، فإن تكلفة نقل المساعدات الإنسانية أيضا إلى السودان قد ازدادت بشكل كبير. بهذا المعنى، لا تُترجم الحرب على إيران في السودان إلى خبر خارجي فقط، بل إلى احتمال نفاد مضاد حيوي في عيادة ريفية، أو تأخر لقاح، أو انقطاع دواء ملاريا عن طفل. 

وبالرغم من الحرب في إيران، تحدث تقرير حديث لصحيفة "اللوموند" الفرنسية، عن استمرار الدعم الخارجي لميليشيا "الدعم السريع"، بل وتصاعد وتيرته بعد أربعة أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية. وقد انعكس ذلك في تمكن الميليشيا من فتح جبهة شرقية للحرب تنطلق من الأراضي الإثيوبية، وقد نجحت بالفعل في الاستيلاء على مدينة الكرمك المتاخمة لإثيوبيا في ولاية النيل الأزرق. تبلغ المفارقة الجيوسياسية حدها الأعلى، فالسودان بالنسبة لقوى فاعلة في الحرب السودانية ليس ملفاً هامشياً يمكن تأجيله في زمن الخطر، بل أصل استراتيجي طويل الأجل يُستثمر فيه حتى تحت النار. 

خلاصة الأمر أن حرب إيران لم تغيّر جوهر الحرب في السودان، بل زادت من تأزم الأوضاع المعيشية. وكارثة الحرب الداخلية التي يحاول بعضهم إعادة تعريفها من الخارج. وكشفت أن اقتصادها، المرتكز الآن على الزراعة بوصفها آخر قاعدة حياة واسعة، يمكن أن يُضرب من مضيق بعيد. وكشفت أيضاً أن شبكات الرعاية الأجنبية للميليشيا ليست طارئة ولا مؤقتة ولا انفعالية، بل شديدة الإصرار بشكل استراتيجي على مواصلة دعمها حتى حين تنشغل المنطقة كلها بحرب كبرى. حيث يمكن تلخيص تأثير الحرب في إيران على الوضع في السودان في ثلاثة مستويات: منازعة السردية، حين يُعاد تسويقه كامتداد لمحور لا ينتمي إليه، وأزمة الاقتصاد، حين تُضرب الطاقة والأسمدة والقمح في قلب بلد جائع، واختراق الجغرافيا الأمنية، حين تستمر شبكات دعم الميليشيا في العمل من الشرق والغرب رغم اشتعال الإقليم كله.

وتبقى المصلحة السودانية ليست في حياد لفظي يطمس انتماء البلاد إلى محيطها العربي، وليست بالتأكيد في انخراط بأي شكل في حرب لا تعنيه بشكل مباشر، بل في تثبيت معادلة أكثر صرامة ووضوحاً، السودان جزء محوري من الأمن العربي الإقليمي، لكنه ليس ساحةً مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا مادةً قابلة للتدوير في دعايات الخصوم وأوهام المنتظرين على أبواب الخارج. 

font change

مقالات ذات صلة