نفوذ إيران في شمال أفريقيا رهن بنتائج حربها في الشرق الأوسط

ليست للرباط سفارة في طهران منذ 2018 بسبب دعم إيران وتسليحها لجبهة "البوليساريو"

رويترز
رويترز
طائرة التزود بالوقود KC-135 ستراتوتانكر التابعة لسلاح الجو الأميركي تزود قاذفة من طراز "بي 52" ستراتوفورتريس بالوقود في 20 مارس 2026

نفوذ إيران في شمال أفريقيا رهن بنتائج حربها في الشرق الأوسط

هل تُمهد مخرجات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لميلاد شرق أوسط جديد ينهي حالة الحرب والمواجهة، ويُحيي فرص السلام وإعادة الإعمار، كما كان يتمنى الرئيس دونالد ترمب قبل بداية الحرب؟ أم تدخل المنطقة في دوامة من عدم الاستقرار، وحالة اللاحرب واللاسلم، يُغذيها تطرف الأطراف واتساع العداء المختلط مع الدين والتاريخ والنفط والتجارة، الذي يتمدد إقليميا وعالميا، ليصبح ساحة اختبار لنظام عالمي جديد؟

وفي وقت تتصاعد فيه الضربات الأميركية-الإسرائيلية الموجعة لإجبار طهران على القبول بشروط وقف إطلاق النار، تستخدم إيران أذرعها الإقليمية في الشرق الأوسط ("حزب الله" والحوثيين) لتعديل توازن الرعب بقصف إسرائيل، ومحاولة تعطيل الملاحة في باب المندب. كما زاد رهانها على حلفاء محتملين في شمال وغرب أفريقيا لتوسيع دائرة نفوذها الشيعي، في منطقة تماس نفوذ الاتحاد الأوروبي وبوابة مضيق جبل طارق. ولا تنظر دول شمال أفريقيا إلى حرب الشرق الأوسط بالمنظار نفسه، بسبب اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية، ونوعية العلاقات الإقليمية، والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

ولم تُقدم أي دولة مغاربية العزاء في مقتل قادة النظام الإيراني، كما أنها لم تُدن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي عليها. ورغم اختلاف مظاهر التضامن وطبيعة الدعم لدول الخليج بدت الدول المغاربية الثلاث في الصف العربي شبه الموحد، ضد سياسة إيران وقصفها لدول الجوار. وقد يكون التخوف من ردود فعل أميركية غاضبة أو تصنيفها دولا مارقة، وراء إحجام الجزائر وتونس عن المضي قدما في دعم إيران كما كان في حرب يونيو/حزيران 2025. وتعيش إيران عزلة مزدوجة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأول مرة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية قبل 47 سنة.

السلام بالقوة يحتاج الضربة القاضية

يعتقد محللون أن "فرض السلام بالقوة"، "يشترط تحقيق الهزيمة الاستراتييجة وتجاوز مجرد الانتصار العسكري التقليدي". وهذا يحتاج إلى إنهاء الحرب عبر نظرية "الحسم بالاستسلام". وعلى مدى التاريخ الحديث كانت هزيمة أحد الفريقين بالضربة القاضية، وليس بالنقاط، تُنهي الحرب وفق شروط المنتصر.

هناك شبه قناعة لدى الإدارة الأميركية بأن ما تبقى من نظام ولاية الفقيه قد لا يُفكر بمنطق شراكة المنافع الاقتصادية، بل يميل إلى تبنى نظرية "التخريب المتعمد"

لكن دراسات عدة تشير إلى أنه في العقود الأخيرة أصبحت الحروب تنتهي من دون استسلام وبادعاء كلا الطرفين النصر. وتراهن واشنطن على فرض المبادئ الخمسة عشر التي اشترطتها لإنهاء الحرب، كمدخل للانتقال من حالة الصراع في منطقة استراتيجية للاقتصاد العالمي، إلى فضاء للأمن والازدهار والاستقرار، على صيغة خطة مارشال عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ويضع ترمب نصب عينيه استثمارات تتجاوز تريليون دولار، قد تحول المنطقة إلى كاليفورنيا الشرق. لكن بلوغ الحلم الاقتصادي مشروط بتغيير التوازن الإقليمي أو تعديله، بتقوية كفة الاعتدال في كل الاتجاهات. وفي حال إيران ليس هناك من خيار: إما إسقاط النظام من الداخل، وهذا أمر يصعب مع توالي الضربات، أو استسلامه عسكريا، وهذا شبه مستحيل في تركيبة عقدية تقوم على خطاب شهداء الثورة.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أثناء استقباله من قبل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في قصر التحرير بوسط القاهرة في 9 سبتمبر 2025

نظرية التخريب المتعمد

وهناك شبه قناعة لدى الإدارة الأميركية بأن ما تبقى من نظام ولاية الفقيه الذي يدعي الممانعة والمقاومة في فضاء مشحون عاطفيا، قد لا يُفكر بمنطق شراكة المنافع الاقتصادية، بل يميل إلى تبنى نظرية "التخريب المتعمد". ولم يتردد خلال الساعات الأولى للحرب في قصف مصادر الطاقة في دول الخليج القريبة، وإعلان إغلاق مضيق هرمز (باستثناء من يصفهم بغير الأعداء)، والسعي لتأزيم الاقتصاد العالمي، ودفعه نحو الهاوية، وإثارة الفتن الداخلية عبر غلاء الأسعار والتضخم. وسقط على 8 دول عربية أضعاف الصواريخ والمسيرات التي قالت إيران إنها أطلقتها على إسرائيل، التي تدعي معاداتها.

هناك نخبة واسعة في شمال أفريقيا تعتقد أن إيران تواجه خطرا وجوديا حقيقيا، أمام الضربات العسكرية، والعزلة الإقليمية المتزايدة، وانكماش "محور الممانعة"

وقال إدريس الغنبوري الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية: "إن التصرفات الإيرانية غير مقبولة، وقد تؤدي إلى تعقيد علاقاتها مع الدول العربية، وتكون لها انعكاسات سلبية في المرحلة المقبلة". وسبق لإيران أن عاشت أزمات حادة مع دول عربية خلال حروب سابقة مثل الحرب العراقية-الإيرانية، وقصف ناقلات النفط الكويتية ثمانينات القرن الماضي، والأعمال الإرهابية خلال موسم الحج 1987. ولا يستسيغ الرأي العام العربي قصف إيران لدول الخليج والعراق والأردن بدعوى وجود علاقات تعاون عسكري مع الولايات المتحدة. كما أضر إغلاق هرمز بمصالح دول عربية عدة سواء تلك المصدرة أو المستوردة للنفط: الأولى فقدت 60 في المئة من صادراتها وعائداتها المالية على رأسها العراق، والثانية تضاعفت كلفة وارداتها من الطاقة، وظهرت انعكاسات اجتماعية على القدرة الشرائية في الدول المستوردة للطاقة مثل مصر والمغرب والأردن وتونس ولبنان. وفي كل الحالات جميع الدول العربية متضررة من الحرب الإيرانية، باستثناء الجزائر وليبيا بحكم البعد الجغرافي. فقد زادت مبيعات الغاز الجزائري داخل الأسواق الأوروبية وتحسنت الموارد الخارجية. بينما زادت فاتورة واردات الطاقة المغربية إلى الضعف وتأثرت ملايين الأسر. مما يجعل البلدين نقيضين من حيث المصالح الإقليمية، في بقاء النظام الحاكم في طهران.

رويترز
رفع علم "حزب الله" أمام منزل دمرته غارة إسرائيلية، في بلدة شعت، لبنان، في 23 مارس 2026

تصدير الثورة أولوية إيرانية

لا يمكن تصنيف النظام الإيراني كدولة حديثة ذات مؤسسات بالمفهوم الدستوري، تعمل من أجل تحسين معيشة سكانها، بل هي أشبه بمجموعة من الأشخاص المنغلقين بمرجعيات دينية قديمة، يسعون لتصدير ثورتهم إلى آخرين، وجلبهم إلى أجندة صراع مع خصومهم، واستغلال كل العداء الممكن لإطالة عمر الصراع. وقال محللون إعلاميون في حديث مع "المجلة": "الحرب الحالية قد تشكل مُنقذا للنظام الإيراني الذي اصطدم بمطالب اجتماعية، كادت أن تسقط شرعية ثورية مأزومة أنهكها الحصار والعقوبات الدولية، وكانت في طريقها إلى الهاوية". وكلما طال أمد الحرب اقتربت من توازن الرعب، الذي يُعزز سردية المقاومة، أمام جيل راكم الهزائم النفسية، وفقدان الأمل في السلام العادل، إلى جانب فشل سياسات محلية لم تحقق التنمية المنشودة. ولأن خطاب الثورة والعداء للآخر يستمد وجوده من فشل المنظومة السياسية والاجتماعية والتعليمية، فإن تمدد الخطاب إلى خارج الحدود الترابية، يتخذ من العقيدة وسيلة للتواصل. وينظر كثيرون إلى إيران كدولة فاشلة اقتصاديا بناتج إجمالي يقدر بـ375 مليار دولار عام 2026، مقابل 1.32 تريليون دولار للسعودية، و601 مليار دولار للإمارات، و666.4 مليار دولار لإسرائيل. وفق معطيات صندوق النقد الدولي.

إيران في عنق الزجاجة

وهناك نخبة واسعة في شمال أفريقيا تعتقد أن إيران تواجه خطرا وجوديا حقيقيا، أمام الضربات العسكرية، والعزلة الإقليمية المتزايدة، وانكماش "محور الممانعة". ويعتقد السفير جيسون دي غرينبلات المبعوث الأميركي السابق إلى الشرق الأوسط في ولاية ترمب الأولى، أن "إيران راكمت، على مدى عقود، خبرة في توظيف حركات مسلحة خارج حدودها، عبر منظومة التأطير الأيديولوجي، والتدريب، والتسليح، ما سمح لها ببسط نفوذها دون الانخراط المباشر في المواجهة. واعتبر غرينبلات أن "هذا النموذج لم يعد محصورا في ساحات الشرق الأوسط، بل أخذ يتمدد نحو شمال أفريقيا". وعلى مدى السنوات الماضية سعت إيران إلى تعميق علاقاتها مع دول الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، مستفيدة من انكفاء النفوذ الغربي خاصة فرنسا، وتنامي مشاعر العداء تجاه المستعمرين السابقين، واتساع استخدام مصطلحات "السيادة" و"المقاومة" و"الإمبريالية الغربية"، في مواقع التواصل الاجتماعي.

ترى الجزائر في إيران شريكا وحليفا ضد إسرائيل منذ قرابة نصف قرن، ومناهضا للاستعمار، ومحاربة الإمبريالية في تحالف كان يضم أيضا ليبيا القذافي، وسوريا حافظ ثم بشار الأسد

وتم رصد أربعة أهداف استراتيجية تنفذها إيران في المنطقة المغاربية والقارة الأفريقية بتعاون مع وجود عناصر من "حزب الله" تعمل على توفير الوصول إلى الموارد الطبيعية (منها اليورانيوم من النيجر) والشراكات التجارية لتخفيف الخناق الاقتصادي الغربي، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي لإظهار قوتها أمام الجماعات المتشددة المتحالفة معها المناهضة للغرب. إضافة إلى التوسع الأيديولوجي (القوة الناعمة) من خلال المراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية لتصدير أيديولوجيتها وزيادة عدد مؤيديها. وأخيرا إلى زعزعة الاستقرار الأمني في منطقة الصحراء الكبرى، واستغلال حكومات ضعيفة وهشة، والاعتماد على حلفاء محليين. وفق تقرير "المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية" ( مقره الرباط).

وحذر "المجلس الأطلسي الأميركي" من توسع النفوذ الإيراني في شمال أفريقيا عبر تونس والجزائر في إطار مسعى أوسع لإعادة بناء نفوذها الإقليمي، بعد سلسلة ضربات أثّرت على قيادتها وحلفائها في الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين. وأشار "المجلس" إلى أن هذا التحرّك الإيراني يسعى لتعويض تراجع مكانتها الإقليمية، والتركيز على الجزائر وتونس كبوابات استراتيجية في شمال أفريقيا ومواجهة التقدم الإسرائيلي في المنطقة وقطع الطريق على أي تطبيع جديد. هذا التقارب قد يزعج الأطراف الغربية (أميركا وفرنسا وفق التقرير).

أ.ف.ب
ارتفاع أسعار الوقود في المغرب وعرض الأسعار على شاشة في محطة وقود بالرباط في 16 مارس 2026

العداء المغربي-الإيراني في شمال أفريقيا؟

في المقابل، يبرز المغرب كأول دولة مناهضة للتمدد الإيراني في منطقة المغرب العربي، وأفريقيا جنوب الصحراء. وليست للرباط سفارة في طهران منذ 2018 بسبب دعم إيران وتسليحها لجبهة "البوليساريو" التي تحتضنها الجزائر. وتعود الخلافات إلى فترة الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي الذي التجأ وعائلته إلى المغرب، ومنحهم الملك الراحل الحسن الثاني قصرا للإقامة في مراكش... ويقول الباحث المغربي إدريس بن يعقوب: "إن الشخصية المغربية في بعدها الروحي ترى في أي توجه شيعي معادٍ للدول السنية خطرا كامنا ضد الوحدة العقدية، ومنابع الشرعية الدينية الرسمية في المغرب".

الجزائر بين الغرب وإيران

من جهتها، ترى الجزائر في إيران شريكا وحليفا ضد إسرائيل منذ قرابة نصف قرن، ومناهضا للاستعمار، ومحاربة الإمبريالية في تحالف كان يضم أيضا ليبيا القذافي، وسوريا حافظ ثم بشار الأسد. لكنها في كثير من الأحيان لا تغامر في مجاراة التطرف الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة. خاصة أن إيران لعبت دور الوسيط في أزمة السفارة الأميركية في طهران عام 1980.

تجد إيران في التنافس المغاربي في شمال أفريقيا منفذا لكسر عزلتها الدبلوماسية، والتحايل على العقوبات الغربية، وتوسيع نفوذها الجيوسياسي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة

ويعتقد "مركز الشمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية" أن العلاقات بين الجزائر وإيران مبنية على مفهوم "الالتفاف المتبادل على القيود" وتحقيق المنافع ضمن منطقة يمنحها مرونة في التحرك بوصفه خيارا وظيفيا أكثر من كونه تقاربا أيديولوجيا، تحكمه الضرورات والبدائل الاستراتيجية الإقليمية. وذكرت تقارير صحافية أن "الجزائر تبحث عن شركاء في مواجهة الصعود المتنامي لمنافسها الإقليمي المغرب. كما أن دعم الدول الغربية المتزايد للحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، دفع الجزائر إلى اختيار اللجوء إلى الخلفية".

وتجد إيران في التنافس المغاربي في شمال أفريقيا منفذا لكسر عزلتها الدبلوماسية، والتحايل على العقوبات الغربية، وتوسيع نفوذها الجيوسياسي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة. وإنشاء تحالفات إقليمية، لتصدير أيديولوجيتها، وتأمين شراكات اقتصادية. لذلك ترفض الجزائر وتونس استنساخ تجربة فنزويلا في إيران، بينما قد ترحب المملكة في الرباط بأي تحول يضمن الحرية والديمقراطية للشعب الإيراني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول شقيقة، إضافة إلى الأمن والاستقرار لمجموع المنطقة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز والتخلي عن أعمال القرصنة البحرية. 

font change

مقالات ذات صلة