عندما شنّت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية عملية "الغضب الملحمي" في 28 فبراير/شباط 2026، وأسفرت عن مقتل "المرشد الأعلى" علي خامنئي في الساعات الأولى من قصف جوي كثيف بلغ نحو 900 ضربة، راقبت قوتان المشهد باهتمام بالغ من مسافة آمنة، هما الصين وروسيا. وكانت الدولتان قد وقعتا، قبل أسابيع قليلة، اتفاقية استراتيجية ثلاثية مع طهران، تعهدتا فيها بتعميق العلاقات الاقتصادية والدفاعية، من دون تقديم أي ضمانات أمنية.
ولم تحرك أي منهما ساكناً لوقف الضربات. ولم يكن ما يُروَّج له بوصفه "محوراً استبدادياً" تحالفاً مكتمل الأركان، إذ بدا واضحاً أن من توقعوا شكلاً من أشكال التدخل الروسي أو الصيني قد أساءوا فهم طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث. ومع ذلك، من الخطأ افتراض أن بكين وموسكو كانتا مجرد متفرجتين، فكلتاهما ترى في هذا المشهد فرصاً وتهديدات، وتعدلان استجابتهما بما يتماشى مع مصالحهما حتى بعد التوصل لهدنة هشة.
الهواجس قصيرة الأجل للصين
يتمثل هاجس بكين في المدى القصير في أمن الطاقة. إذ يمر عبر مضيق هرمز ما بين 40 و45 في المئة من واردات الصين من النفط الخام، ونحو 30 في المئة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال. وقبل اندلاع الحرب، كانت إيران وحدها تصدر نحو 1.4 مليون برميل يومياً إلى المصافي الصينية، أي ما يعادل قرابة 13 في المئة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وهو ما كان يمول ما بين 80 و90 في المئة من عائدات طهران النفطية. وفي الأسابيع الأولى من الحرب، أعلنت شركة "سينوبك" خفض طاقتها التكريرية بأكثر من 10 في المئة.
وكان يمكن للحرب أن تتحول إلى كارثة وشيكة، غير أن الصين بدت مستعدة لها. فقد كانت ملامح "العزلة الاقتصادية" التي تتمتع بها واضحة، إذ بينما عانى المستهلكون في الغرب من تداعيات الأزمة، دخلت بكين المواجهة بخطة واضحة لامتصاص الصدمة. ومن خلال زيادة وارداتها على نحو ملحوظ أوائل عام 2026، نجحت في بناء احتياطي استراتيجي يكفي لنحو 140 يوماً. وعلاوة على ذلك، ومع استقرار سعر خام برنت عند 109 دولارات للبرميل، بارتفاع نسبته 51 في المئة، منحت قدرة الصين على شراء النفط الروسي والإيراني بالرنمينبي هامشاً أوسع لاحتواء "الصدمة التضخمية" مقارنة بمنافسيها المرتبطين بالدولار. كما استفادت بكين من تحولها المبكر في قطاع الطاقة، إذ كانت قد وجهت جزءاً كبيراً من استهلاكها المحلي نحو مصادر الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وهو ما أتاح لها احتياطيات هيكلية جعلتها أقل تأثراً بالأزمة مقارنة بغيرها من الدول الآسيوية.
لكن الدعم الصيني لا يُعد حلاً مستداماً. فعلى الرغم من قدرة بكين على تحمل ارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة، فإنها لا تستطيع تحمل استمرار الصراع فترة طويلة. ويرجع ذلك إلى أن ضعف الطلب المحلي يدفع الاقتصاد الصيني إلى الاعتماد على الصادرات، وهي مرشحة للتأثر على نحو ملحوظ بالتضخم خارج الصين وباضطرابات سلاسل الشحن. أما بالنسبة لخبر وقف إطلاق النار، فمن شأنه على الأرجح أن يُخفف بعض المخاوف الصينية على هذا الصعيد، وإن كان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الناقلات المتجهة إلى الصين على أقل تقدير، هو الاختبار الحقيقي الذي سيكشف عن عمق الموقف الصيني وحدوده.


