في الآونة الأخيرة، تصدرت باكستان عناوين إخبارية ساعة بعد ساعة، بفعل دورها الفريد في التوسط لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك لاستضافتها محادثات السلام في إسلام آباد. وقد ركز جانب كبير من التغطية الإعلامية على المشير عاصم منير، قائد القوات المسلحة الباكستانية، ونسب إليه الفضل في انتزاع هذا الدور لباكستان، استنادا إلى علاقته الوثيقة بالرئيس دونالد ترمب وبالقيادة الإيرانية.
غير أن المشهد داخل البلاد، وفي الإقليم أيضا، يكشف عن دور آخر أكثر هدوءا وأشد صعوبة، اضطلع به رئيس الوزراء شهباز شريف، السياسي المدني الأنيق واللبق في خطابه، الذي نجح بصمت في تحقيق توازن بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وهو توازن نادر في باكستان.
يوصف شهباز عادة بأنه مجرد أداة في يد الجيش، أو يُشار إليه بأنه الشقيق الأصغر لنواز شريف، الرجل الذي يمسك- وفق الشائعات– بالخيوط الحقيقية وراء موقع أخيه. وقد يصيب هذان التوصيفان جانبا من الحقيقة، إلا أن شريف الأصغر يمتلك مهارات نادرة، فهو يتقن خمس لغات، ويتمتع بقدرات دبلوماسية استثنائية.
ويضع الصينيون والسعوديون، وهما الداعمان الماليان الرئيسان لباكستان، ثقتهم في شهباز، على أمل أن يتمكن أخيرا من منح البلاد قدرا من الاستقرار، بعد عقود من التدهور الاقتصادي الذي خلفته الحكومات السابقة. فهل يمكن أن يكون شهباز هو من يقف، في هدوء، وراء النجاح الدولي الذي حققته الدبلوماسية العسكرية التي يقودها عاصم منير؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى تجربته في حكم البنجاب، أغنى أقاليم باكستان وأكثرها ازدهارا.
كبير الإداريين
يضم إقليم البنجاب أكثر من نصف سكان باكستان، ويحتضن أخصب سهول نهر السند، وهي السهول التي تشكل قلب البلاد الزراعي ومصدر غذائها. ومن البنجاب أيضا خرج أكثر من نصف قادة الجيش، أي القوة الفعلية، في بلد لم يتمكن فيه أي رئيس وزراء من إكمال ولايته كاملة.
وبنى شهباز سمعته على إخراج البنجاب من العتمة، وتحويله إلى الإقليم الأكثر ازدهارا واستقرارا ماليا في البلاد. وقد شغل منصب رئيس حكومة الإقليم لما يقارب خمسة عشر عاما، من أواخر التسعينات حتى عام 2018. وخلال تلك السنوات، تجاوزت مدن البنجاب الكبرى، مثل لاهور وفيصل آباد وملتان، مدينة كراتشي وباتت المركز الأقدر على جذب الصناعة والتجارة.
وإذا كانت كراتشي لا تزال المدينة الأغنى في البلاد، فإن بريقها أخذ ينحسر منذ زمن تحت وطأة العنف المستشري، وسطوة المافيات، وتهالك البنية التحتية. أما لاهور، فتحولت إلى مدينة نظيفة، تنساب فيها حركة السير بسلاسة، وتضم أفضل شبكة نقل عام في البلاد، فضلا عن موقعها المحوري في قطاعات الزراعة والنسيج والمال.
وابتعد شهباز عن السياسة الإقطاعية والعسكرية، التي أثقلت كاهل الحياة العامة في باكستان، وأرهقت معظم السياسيين. وانصرف إلى ما يجيده: فشق الطرق، وبنى المستشفيات، وجعل البنجاب أكثر نظافة وخضرة. واستقطب إلى لاهور ومدن أخرى كبرى الشركات الصينية والتركية والكورية الجنوبية، وحرص على أن تبقى حركة المرور منتظمة، إذ ينظر في كثير من مدن جنوب آسيا وشرقها إلى انسياب السير على أنه أحد أوضح مؤشرات النجاح الاقتصادي.
وأدخل شهباز أول نظام مترو عام مستوحى من سيول، وربطه بشبكة حافلات مدعومة من إسطنبول، إلى جانب إطلاق برامج لإعادة التدوير، وإنشاء أول نظام أخضر لجمع النفايات في باكستان. وأكسبه ذلك كله شبكة واسعة من الأصدقاء والعلاقات الدولية، القادرين على إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص، بعيدا عن التعقيدات والقيود البيروقراطية المعتادة في الإدارة الفيدرالية والإقليمية الباكستانية.


