همسة الشبح... تقنية غامضة أنقذت الطيار الأميركي من إيران

بين التسريب العسكري والحقيقة العلمية

 Sara Gironi Carnevale
Sara Gironi Carnevale

همسة الشبح... تقنية غامضة أنقذت الطيار الأميركي من إيران

رغم مرور أيام على عملية الإنقاذ، لا يزال كثير من تفاصيل إسقاط الطائرة الأميركية ومصير الطيار الثاني داخل إيران غير مكشوف بالكامل. وتشير التقارير المتداولة إلى أن طائرة F-15E سقطت يوم الجمعة 3 أبريل/نيسان 2026 جنوب غرب أصفهان، بينما اضطر الطيار الثاني، المعروف علنا بالنداء العسكري "ديود 44 برافو"، إلى الاختباء وسط تضاريس إيرانية قاسية عقب الحادث، قبل أن تتحول مهمة العثور عليه إلى واحدة من أكثر مراحل العملية غموضا وإثارة.

وسط العديد من التكهنات حول تفاصيل تلك الحادثة، برز اسم "همسة الشبح" كأنه مستوحى من عوالم الدراما والخيال العلمي، قبل أن يظهر فجأة في تسريبات إعلامية باعتباره عنصرا ضمن قصة الإنقاذ. ويحمل الاسم دلالة لافتة؛ فكلمة "Murmur" في الإنكليزية تستخدم طبيا للإشارة إلى همهمة القلب، فيما توحي كلمة "Ghost" بشيء خفي أو شبحي، وكأن المقصود هو تعقب إنسان اختفى عن الأنظار بينما لا يزال جسده يبعث بإشارة يمكن رصدها. وبحسب ما نقل إعلاميا، نسبت هذه المنظومة إلى وحدة الأعمال السرية التابعة لشركة "لوكهيد مارتن" والذراع الأكثر شهرة في تطوير المشاريع العسكرية الأميركية، السرية والمتقدمة.

حتى الآن، لم يصدر أي تأكيد رسمي مفصل من الولايات المتحدة يثبت علنا أن نظام "همسة الشبح" عمل بالصورة التي روج لها إعلاميا، وهو أمر غير مستغرب في طبيعته، إذ إن مثل هذه العمليات تدار أساسا ضمن نطاق شديد السرية لحماية القدرات الاستخباراتية وأساليب التنفيذ.

نظام "همسة الشبح" لا يركز على حرارة الجسم، بل يسعى إلى التقاط أثر داخلي أضعف بكثير مرتبط بنبض القلب ذاته

مع ذلك، فإن غياب التأكيد الرسمي لا يقلل أهمية ما تم تسريبه، بل يعكس دلالة أعمق مفادها أن واشنطن أرادت، أو على الأقل سمحت، بانتشار تصور ذهني يوحي بامتلاكها أدوات متقدمة في البحث والإنقاذ والاستخبارات تتجاوز الأطر التقليدية.

في صيغة أخرى، سواء كانت التفاصيل التقنية دقيقة بالكامل أم لا، فإن الرسالة السياسية والاستراتيجية تبدو واضحة، الولايات المتحدة تسعى إلى إبلاغ خصومها بأنها قادرة على الوصول إلى أفرادها حتى في أكثر البيئات عدائية، وبأن ساحة التنافس العسكري لم تعد مقتصرة على الطائرات والصواريخ، بل امتدت لتشمل مجالات مثل الحساسات الكمية، والذكاء الاصطناعي، والحرب المعلوماتية.

من الناحية التقنية، تشير الرواية المسربة حول "همسة الشبح" إلى أننا لا نتحدث عن جهاز رصد تقليدي، بل عن منظومة متكاملة تجمع بين الاستشعار الكمي، ومعالجة الإشارات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتقوم فكرتها الأساس على محاولة التقاط الإشارة الكهرومغناطيسية الشديدة الضعف التي يصدرها القلب أثناء النبض، ثم إخضاع هذه الإشارة لسلسلة من مراحل المعالجة الدقيقة بهدف عزلها عن الضوضاء والتشويش المحيط.

مساعدة الصحراء

ووفق ما ورد في تلك التسريبات، يتمثل العنصر المحوري في استخدام حساسات فائقة الحساسية تعتمد على تقنيات متقدمة داخل ألماس مصنع مخبريا، وهو ما عرض إعلاميا كاختراق مهم في مجال قياس المجالات المغناطيسية الضعيفة للغاية، بما يتيح رصد إشارات كان من الصعب التقاطها سابقا. بعد ذلك، يأتي دور الذكاء الاصطناعي في تحليل الإشارة وفرزها، ومحاولة التمييز بين نبض بشري حقيقي وبين كم هائل من الإشارات الطبيعية والإلكترونية المتداخلة. كما تشير الرواية ذاتها إلى أن البيئة الصحراوية المفتوحة التي انوجد فيها الطيار، مع انخفاض مستويات التشويش الكهرومغناطيسي وندرة الكائنات الحية القريبة، ساعدت في توفير ظروف أقرب إلى المثالية لاختبار هذا النوع من القدرات ميدانيا.

بعض الخبراء طرحوا احتمال أن تكون القصة نفسها جزءا من استراتيجيا تضليلية أو إدارة متعمدة للغموض، يتم فيها إبراز أداة معينة على حساب إخفاء أدوات أخرى قد تكون أكثر تقليدية أو أشد سرية

لكن الأهم في هذه الرواية أن نظام "همسة الشبح"، حتى وفق ما تم تسريبه، لا يبدو كقدرة مطلقة تعمل بكفاءة في كل زمان ومكان. على العكس، تشير التسريبات نفسها إلى أنه يحقق أفضل أداء في البيئات البعيدة المنخفضة التعقيد، ويتطلب وقتا للمعالجة، كما أنه ليس نظاما كلي القدرة.

وهذه نقطة جوهرية، لأنها توضح أننا لا نتحدث عن أداة تكشف الإنسان المختبئ بسهولة كما يكشف الرادار طائرة في السماء، بل عن قدرة محدودة الاستخدام نسبيا، قد تحتاج إلى تهيئة ظروف معينة حتى تصبح فعالة ميدانيا.

REUTERS
وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية تعرض، في هذه الصورة، ما قالت إنها أجزاء من طائرة نفاثة أميركية أسقطت

بل إن بعض ما ورد إعلاميا يوحي بأن التقنية لم تعمل بشكل مستقل، وإنما ضمن طبقات متعددة من التحقق، مثل لحظة خروج الطيار من مخبئه لإرسال إشارة استغاثة، أو الاستفادة من الفارق الحراري بين الجسم الحي وأرض الصحراء ليلا. وهذا يعني أنه، إذا صح وجود "همسة الشبح" بالصورة المتداولة، فإنه لم يكن بديلا من وسائل الإنقاذ الأخرى، بل كان جزءا من منظومة أوسع لدمج البيانات، تجمع بين الإشارات الحيوية، وخصائص البيئة، والتوقيت، وحتى سلوك الهدف نفسه.

الحقيقة المكتملة

هنا تتضح العوائق الحقيقية، إذ يشير عدد من العلماء العاملين في هذا المجال إلى أن التحدي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي بقدر ما يرتبط بحدود الفيزياء ذاتها. فالمجال المغناطيسي الناتج من نبض القلب البشري ضعيف للغاية، إلى درجة أن قياسه يتم عادة على مسافات قريبة جدا من الجسم، وضمن بيئات مخبرية محكمة التحكم. وقد أوضح أحد المتخصصين أن هذه الإشارة بالكاد يمكن رصدها حتى عند سطح الصدر، أي على مسافة تقارب 10 سنتيمترات، وأنها تتلاشى بسرعة كبيرة مع زيادة المسافة، بحيث إن الابتعاد إلى متر واحد فقط يؤدي إلى انخفاضها إلى جزء ضئيل جدا مما كانت عليه. في عبارة أخرى، فإن الانتقال من قياس النبض على مستوى السنتيمترات إلى رصده على نطاق الأميال لا يعد مجرد تطور تدريجي، بل يمثل قفزة هائلة تتطلب تفسيرا علميا استثنائيا.

ثم تبرز عقبة ثانية لا تقل أهمية، تتمثل في الضوضاء. فأي نظام من هذا النوع لا يتعامل مع نبض قلب إنسان في فراغ معزول، بل يواجه طيفا واسعا من الإشارات المتداخلة، بدءا من المجال المغناطيسي للأرض، مرورا بالتيارات الكهربائية الطبيعية والصناعية، وصولا إلى الإشارات الحيوية للكائنات الأخرى في البيئة المحيطة.

ولهذا يشير بعض الفيزيائيين إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لمطابقة الأنماط لا يعد حلا كاملا للمشكلة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع استخلاص معلومات غير موجودة في الأصل. فإذا كانت الإشارة ضعيفة إلى درجة تبتلعها الضوضاء، يصبح من الصعب تحويلها إلى موقع دقيق يمكن الاعتماد عليه ميدانيا.

بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن الرواية كما طرحت علنا تبدو أقرب إلى سردية مثيرة منها إلى توصيف علمي متماسك ضمن الحدود المعروفة حاليا لعلم القياس الحيوي المغناطيسي.

التصوير الحراري يعتمد على رصد حرارة الجسم على السطح، أي البحث عن جسم أكثر دفئا من محيطه، وهي تقنية فعالة للغاية لكنها تتأثر بطبيعة الأرض، وبقدرة الهدف على الاختباء بين الصخور أو استخدام العزل

ولهذا، فإن القراءة الأكثر توازنا لهذا النظام لا تضعه في خانة الحقيقة المكتملة ولا في خانة الخرافة المطلقة، بل في منطقة رمادية بين الاثنتين.

فمن الممكن أن يكون هناك بالفعل تطور حقيقي في مجال الاستشعار الكمي لم يكشف عنه بالكامل، كما أنه من المحتمل أيضا أن تكون الرواية المتداولة قد خضعت للمبالغة أو صيغت عمدا بأسلوب درامي لإخفاء الوسيلة الفعلية التي قادت إلى العثور على الطيار. ويبدو هذا التفسير منطقيا، خاصة أن بعض الخبراء طرحوا احتمال أن تكون القصة نفسها جزءا من استراتيجية تضليلية أو إدارة متعمدة للغموض، يتم فيها إبراز أداة معينة على حساب إخفاء أدوات أخرى قد تكون أكثر تقليدية أو أشد سرية. عند هذه النقطة، تتجاوز القصة فكرة كونها مجرد جهاز جديد، لتكشف عن طبيعة الحروب الحديثة التي تدار على مستويات متعددة في آن واحد: ميدانيا، واستخباراتيا، ونفسيا وإعلاميا.

أثر ضعيف

هنا ينبغي التمييز بدقة بين رقمين مختلفين، الرقم الأول هو 200 ميل، وهو لا يشير إلى مدى تقنية "جوست مرمور"، بل يعكس عمق وجود الطيار داخل الأراضي الإيرانية، أي مدى توغله في مسرح العمليات، وهو ما يوضح حجم التحدي وتعقيد مهمة الإنقاذ. أما الرقم الثاني فهو 40 ميلا، وهو الرقم الذي ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب علنا عند حديثه عن العثور على الطيار، والذي لا يتعلق بموقع الطيار داخل إيران، بل يرجح أنه يشير إلى مسافة الرصد أو المرحلة التي أصبحت فيها وسائل التعقب قادرة على التقاط أثره أو تثبيت موقعه بدرجة أعلى من الدقة. في عبارة أخرى، ووفقا لما صرح به ترمب، كان الطيار على عمق كبير داخل إيران، لكن رصده أو تأكيد موقعه تم من مسافة تقارب 40 ميلا في مرحلة محددة من العملية، وليس عبر كامل نطاق الـ200 ميل.

AFP
طائرة من طراز أف 15 تقلع أثناء عملية "ملحمة الغضب"

وهنا يتضح الفارق مع الأنظمة الحرارية. فالتصوير الحراري يعتمد على رصد حرارة الجسم على السطح، أي البحث عن جسم أكثر دفئا من محيطه، وهي تقنية فعالة للغاية لكنها تتأثر بطبيعة الأرض، وبقدرة الهدف على الاختباء بين الصخور أو استخدام العزل، وكذلك بعامل الوقت، إذ قد تؤدي حرارة الصحراء نفسها إلى تشويش الصورة.

أما نظام "همسة الشبح" كما صور في التسريبات، فلا يركز على حرارة الجسم، بل يسعى إلى التقاط أثر داخلي أضعف بكثير مرتبط بنبض القلب ذاته. لذلك، فهو نظريا لا يعد بديلا من الرصد الحراري، بل طبقة إضافية مكملة له. فبينما يوفر الحراري مؤشرا بصريا الى وجود جسم حي أو دافئ، يفترض أن يضيف هذا النظام محاولة أكثر دقة لتمييز إنسان حي، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الإشارة الحرارية وحدها كافية.

من هنا، فإن الأدق هو عدم التعامل مع الأمر بوصفه مفاضلة بين الرصد الحراري من جهة، وأنظمة تتبع دقات القلب أو غيرها من الخصائص البيومترية مثل الصوت أو قرنية العين من جهة أخرى، بل كجزء من منظومة أميركية أشمل للتعقب والتحديد. فالمؤشرات المتاحة توحي بأن العملية لم تعتمد على أداة واحدة، بل على تراكب طبقات متكاملة.

وبناء على ذلك، فإن القوة الحقيقية في هذه العملية لم تكن في تقنية بعينها، بل في قدرة الولايات المتحدة على دمج وسائل متعددة ضمن منظومة واحدة، بحيث تتقلص مساحة البحث تدريجيا إلى أن يصبح الوصول إلى الطيار ممكنا. وقد عكست هذه الصورة في توصيف مدير وكالة الاستخبارات المركزية للعملية، إذ أشار إلى أنها نفذت بدرجة عالية من الإتقان ومن دون أخطاء تذكر.

font change

مقالات ذات صلة