إيران تراهن على فانس... لكن القرار في مكان آخر

الخلاصة من مفاوضات إسلام آباد: "الإيرانيون يثقون بفانس، لكنهم لا يثقون بكوشنر أو ويتكوف"

رويترز
رويترز
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في إسلام آباد، باكستان، 11 أبريل 2026

إيران تراهن على فانس... لكن القرار في مكان آخر

بعد إحدى وعشرين ساعة شاقة، على حد تعبير جيه دي فانس نفسه، شكر نائب الرئيس الأميركي باكستان على استضافتها المحادثات، قبل أن يعلن في نهاية المطاف أن "إيران لم تكن مستعدة لقبول مطالبنا". وبذلك، ربما يكون الستار قد أُسدِل على ما قد يكون أهم محادثات سلام منذ نهاية الحرب الباردة. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، لم يسبق لنائب رئيس أميركي أن التقى مسؤولين إيرانيين. ولعل هذا وحده كافٍ ليكون أبرز إنجازات هذه الجولة. أما الإنجاز الآخر، فتجلى في التواصل المباشر مع وفد إيراني غلب عليه حضور قادة "الحرس الثوري"، بعيدا عن القنوات التقليدية التي احتكرها طويلا الدبلوماسيون والمفاوضون المعتادون.

وضم الوفد الإيراني ما لا يقل عن ستة من كبار ممثلي "الحرس الثوري"، بينهم السفير الإيراني في إسلام آباد، وهو من الجيل السياسي نفسه الذي ينتمي إليه محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني. أما الوفد الأميركي، فضم آندي بيكر، نائب مستشار الأمن القومي، الذي يعده كثيرون أبرز خبير ومفاوض داخل إدارة ترمب.

غير أن حضور جاريد كوشنر وستيف ويتكوف جعل مصير هذه المحادثات شبه محسوم منذ البداية، نظرا إلى انعدام الثقة الإيراني بهما، وإلى الاعتقاد السائد في طهران بأنهما يعبران عن المصالح الإسرائيلية أكثر مما يعبران عن المصالح الأميركية.

ويقول مسؤولون أمنيون باكستانيون إن الإيرانيين نجحوا في بناء علاقة جيدة مع فانس، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن هامش قراره محدود في ظل حضور ويتكوف وكوشنر. وقد كشف فانس نفسه أنه تحدث إلى ترمب ربما أكثر من اثنتي عشرة مرة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، فيما ذهب الإيرانيون إلى حد القول إنه تحدث أيضا إلى بنيامين نتنياهو.

ومن هنا يبرز السؤال: إذا كانت لدى فانس رغبة حقيقية في إنجاح هذه المحادثات، فهل يوجد في واشنطن، والأهم في تل أبيب، من يريد فعلا الوصول إلى اتفاق؟

العامل الإسرائيلي

حتى قبل بدء هذه المحادثات، واصلت وسائل الإعلام الإيرانية بث مقاطع لجو كينت وماركو روبيو وهما يكرران أن الولايات المتحدة دخلت الحرب لأن إسرائيل كانت ستشعلها على أي حال. وإلى جانب ذلك، رددت شخصيات بارزة من معسكر "ماغا" (جعل أميركا عظيمة مجددا)، أو ممن كانوا حتى وقت قريب جزءا منه، الفكرة نفسها. ومن بينهم تاكر كارلسون، وميغين كيلي، وشون رايان، وجميعهم مقربون من ترمب.

ليس من قبيل المصادفة أن يظهر عاصم منير، قائد القوات المسلحة الباكستانية، بزيه العسكري يوم وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد لاستقباله، في حين استقبل جيه دي فانس ببدلة رسمية

وقد وفر ذلك للإيرانيين مادة جاهزة ليستهلوا المحادثات بالقول: "نحن نعلم أن هذه ليست حربكم، وإنما حرب إسرائيل". وافتتح الإيرانيون بالفعل المفاوضات بهذه الفكرة، مضيفين إليها أن لبنان جزء من وقف إطلاق النار. وكانت باكستان قد أكدت، قبل بدء المحادثات، أن لبنان داخل في الاتفاق. كما كانت بيروت قد طلبت من إسلام آباد توضيح هذه النقطة مسبقا.

وفي الوقت نفسه، أثارت تغريدة وزير الدفاع الباكستاني، التي حذفت لاحقا، ودعا فيها إلى إزالة إسرائيل، مزيدا من التوتر بين إسلام آباد وتل أبيب قبل يومين من بدء المحادثات. وقد دفعت تلك التغريدة إسرائيل إلى التشكيك في قدرة باكستان على أداء دور الوسيط المحايد.

وفي ظل كل ذلك، برز تساؤل جوهري: عن أي تفاهمات كان الأميركيون يتحدثون، فيما كانت إسرائيل تمارس دبلوماسيتها الخاصة بالقوة العسكرية في لبنان؟

رويترز
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في إسلام آباد، باكستان، في 11 أبريل 2026

لقد بات معروفا منذ وقت طويل ما الذي يريده الإيرانيون من الأميركيين، وما الذي يريده الأميركيون من الإيرانيين. فالقضية الإيرانية دارت، على مدى أكثر من خمسة عشر عاما، حول ثلاثة ملفات رئيسة: الطموح النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية، وشبكة الجماعات الحليفة لإيران في أنحاء الشرق الأوسط.

هذه الملفات لم تتغير. والذي تغير أن الولايات المتحدة دخلت الحرب هذه المرة دفاعا عن إسرائيل. ولم يعد ذلك مجرد استنتاج يردده خصوم ترمب، إذ تحدث مسؤولون سابقون في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن عنه صراحة خلال الأيام الأخيرة. فقد قال كل من جون كيري وبن رودس إن إسرائيل حاولت، على مدى سنوات، الضغط على كل رئيس أميركي من أجل مهاجمة إيران، وإن ترمب كان أول من استجاب لهذا الضغط في نهاية المطاف.

أجندة باكستان والسعودية

ليس من قبيل المصادفة أن يظهر عاصم منير، قائد القوات المسلحة الباكستانية، بزيه العسكري يوم وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد لاستقباله، في حين استقبل جيه دي فانس ببدلة رسمية. وفي الوقت نفسه، وصلت إلى السعودية أكبر قوة جوية باكستانية منذ سبعينات القرن الماضي. كما أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن معاهدة الدفاع المشترك مع باكستان دخلت حيز التنفيذ العملياتي. وهذه نقطة لا يجوز إغفالها. فمن منظور إسلام آباد، كان لا بد من وقف الاعتداءات الإيرانية على السعودية على الفور. وزاد المشهد دلالة حضور وزير المالية السعودي إلى إسلام آباد في التوقيت نفسه الذي وصل فيه الأميركيون والإيرانيون، وهو تزامن لم يكن عابرا، إذ أعلن في تلك الأثناء عن حزمة كبيرة من الدعم للاقتصاد الباكستاني المثقل بالأعباء.

لمح الإيرانيون إلى أن يوما واحدا لا يكفي لمحو عقود من انعدام الثقة، وهو ما أبقى الباب مواربا أمام جولة ثانية

وكان وجود عناصر من "الحرس الثوري" ضمن الوفد الإيراني لضمان أن تأخذ طهران في حسبانها دور باكستان. ويبدو أن السعوديين شعروا بخيبة واضحة لأن الولايات المتحدة هاجمت إيران من دون التشاور معهم. وجاءت الاعتداءات الإيرانية اللاحقة ضد السعودية لتبدد ما راكمته الرياض من ثقة مع طهران، وتعيد باكستان إلى نقطة البداية.

وكان هذا، في نظر إسلام آباد، أبرز ما خرجت به من هذه المحادثات. أما جمع إيران والولايات المتحدة على أرض واحدة، فمنح صورة سياسية لافتة، من دون أن يفتح أفقا واقعيا لنتيجة ملموسة. ومع ذلك، تتفق باكستان وإيران ودول أخرى، في الحد الأدنى، على أن إسرائيل، لا الولايات المتحدة، تتحمل مسؤولية إشعال هذا النزاع. وعلى الرغم من ذلك، كان لا بد من بلوغ خاتمة ما، وكان جيه دي فانس الرجل الأنسب للتحاور معه، في ظل تصاعد شعبيته داخل تيار "أميركا أولا"، الذي بدأ يوجه انتقادات متزايدة للنفوذ الإسرائيلي في الحياة السياسية الأميركية.

هل كان الاتفاق ممكنا؟ وماذا عن الجولة الثانية؟

يقال إن الإيرانيين أبدوا استعدادا محتملا لنقل اليورانيوم إلى دولة ثالثة مثل تركيا. وهذه فكرة نوقشت في سلطنة عمان قبل اندلاع هذا النزاع، وهو ما أكده وزير الخارجية العماني. كما أبدى الإيرانيون استعدادا لتقييد دعمهم للجماعات الحليفة، وهو أمر يقولون إنهم اضطروا إليه منذ سقوط بشار الأسد. إلا أنهم يرفضون التفاوض بشأن قدراتهم الصاروخية.

رويترز
لوحة قرب المركز الإعلامي، خلال المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد، باكستان، في 11 أبريل 2026

وفي السياق نفسه، بدا أن ثمة تفاهما حول رفع "ضريبة هرمز"، إذا رفعت الولايات المتحدة جميع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة على طهران. ولمح الإيرانيون إلى أن يوما واحدا لا يكفي لمحو عقود من انعدام الثقة، وهو ما أبقى الباب مواربا أمام جولة ثانية.

واعترف ترمب لاحقا، على منصته "تروث سوشيال"، بأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات في مسائل كثيرة، لكنه أضاف أنه لن يقبل حتى بنسبة 95 في المئة من المطالب الأميركية، إذ يريد امتثالا إيرانيا كاملا بنسبة 100 في المئة لتجنب استئناف الأعمال القتالية. أما الباكستانيون، فأكدوا أنهم ما زالوا على اتصال منتظم بالطرفين منذ مغادرة الوفدين الإيراني والأميركي.

جيه دي فانس... رهان مستقبلي؟

اللافت أن فانس التزم الصمت طوال الشهر الماضي منذ اندلاع الحرب. ومن المعروف، وفق ما هو موثق على نطاق واسع، أنه عارض دائما الحرب على إيران، بل أبدى تحفظا على المغامرات الخارجية عموما. كما وجه انتقادات علنية إلى إسرائيل بسبب حربها في غزة وسياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية. وفانس، وإن ظل وفيا لترمب وأحجم حتى الآن عن مهاجمته علنا، يبدو بعيدا في مقاربته عن خط ويتكوف وكوشنر. ويذهب كثيرون أيضا إلى تحميل الرجلين قسطا من المسؤولية عن الإخفاقات في أوكرانيا وغزة.

ربما أراد فانس إنجاز اتفاق في إسلام آباد، لكن يديه كانتا مقيدتين بترمب، وروبيو، وكوشنر، وويتكوف، وهم جميعا أقرب إلى المقاربة المؤيدة لإسرائيل

وثمة حقيقة كشفتها محادثات إسلام آباد بوضوح، وهي أن الهوة بين الأجندتين الأميركية والإيرانية واسعة إلى حد بعيد. غير أن ذلك لم يكن مفاجئا، فهو واقع معروف منذ أكثر من عقدين. أما الجديد، فهو أن الجليد انكسر للمرة الأولى منذ عام 1979، وأن جيه دي فانس أصبح الرجل الذي صافحته إيران فعليا. وذلك، في حد ذاته، إنجاز قد يمهد الطريق لاتفاق محتمل في مرحلة ما بعد ترمب، إذا قرر فانس خوض الانتخابات الرئاسية عام 2028.

وكان ترمب قد أعلن بالفعل فرض حصار على مضيق هرمز، وانتشرت على الإنترنت سخرية تقول: كيف يمكن لحصار أن يحاصر حصارا آخر؟ وفي الداخل الأميركي، سارع عدد من خصوم فانس إلى الإشادة بترمب لأنه أوفده إلى إسلام آباد، لا ليفتح باب النجاح، وإنما ليضعه في واجهة فشل متوقع، ويقصي في الوقت نفسه أصدقاءه المحافظين، مثل تاكر كارلسون، وجو روغان، ومارجوري غرين، وجو كينت، وستيف بانون. فالمسألة تتصل بالسياسة الداخلية الأميركية بقدر ما تتصل بالعلاقات الخارجية، ولا سيما في لحظة تشهد تحولا داخل الكابيتول هيل، مع تصاعد الانتقادات للتأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي.

رويترز
وصول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى إسلام آباد، باكستان، للقاء رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، لإجراء محادثات حول إيران، في 11 أبريل 2026

كما أن مجرد لقاء الإيرانيين، في وفد غلب عليه حضور "الحرس الثوري"، مع فانس، بدلا من الدبلوماسيين التقليديين مثل ظريف أو الراحل علي لاريجاني، يفتح صفحة جديدة في سجل التوتر الإيراني-الأميركي الممتد على مدى نصف قرن. والأهم أن هذا الحرس الثوري نفسه يريد التحدث إلى فانس. غير أن السؤال يبقى: ما حجم النفوذ الحقيقي الذي يملكه فانس، وهو المعروف بموقفه المعارض للصوت الإسرائيلي داخل إدارة ترمب؟

وربما أراد فانس إنجاز اتفاق في إسلام آباد، لكن يديه كانتا مقيدتين بترمب، وروبيو، وكوشنر، وويتكوف، وهم جميعا أقرب إلى المقاربة المؤيدة لإسرائيل. وفي اللحظة التي أعلن فيها ترمب حصار هرمز، كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير يعلن بدوره حالة تأهب قصوى استعدادا لاستئناف الحرب على إيران.

أما باكستان، فتمضي في التحدث مع جميع الأطراف. غير أن ترمب، في نهاية المطاف، لا ينتمي إلى قوالب الدبلوماسية التقليدية، ولذلك يظل كل شيء واردا، وكل مفاجأة ممكنة.

font change

مقالات ذات صلة