للولايات المتحدة تاريخ حافل في الخلط بين الهزائم والانتصارات في الحروب. ففي عام 1973، أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون أن إدارته حققت "سلاما مشرفا" لم "يخذل" حلفاء واشنطن في فيتنام الجنوبية، لكن سايغون سقطت بعد عامين فقط. وفي مايو/أيار 2003، أعلن جورج دبليو بوش انتهاء العمليات القتالية الرئيسة في العراق، وأن "حليف القاعدة" لم يعد قائما. غير أن الولايات المتحدة بقيت غارقة في مستنقع عسكري، تحارب تنظيم "القاعدة"، بين تنظيمات أخرى، لثماني سنوات إضافية، ثم عادت مجددا عام 2014 لمحاربة تنظيم "داعش". وهكذا سار دونالد ترمب على النهج المألوف نفسه حين قال بإصرار: "لقد انتصرنا في هذه الحرب"، حتى قبل وقف إطلاق النار مع إيران في أبريل/نيسان.

وبالطبع، يشتهر ترمب بإصراره على إنجازاته حتى في مواجهة أدلة دامغة تشير إلى عكس ذلك. لكن حتى وفقا لمعاييره هو، يصعب تفسير ما أفضت إليه تلك الحرب على أنه نصر أميركي بأي معنى من المعاني. فعلى الرغم من أن ترمب ظل يبدل أهدافه من الحرب على نحو يكاد يكون يوميا قبل وقف إطلاق النار، فإن معظم هذه الأهداف، بما في ذلك بعض القضايا الرئيسة مثل تغيير النظام الإيراني وإلغاء برنامجه النووي، لم يتحقق حتى الآن. ومع ذلك، انطوت هذه الحرب على تداعيات تجاوزت تلك الأهداف المباشرة. فعلى المدى القصير، خرج ترمب شخصيا، والولايات المتحدة عموما، من الصراع في موقع أضعف. أما على المدى البعيد، وعلى الرغم من أن الصورة لم تتضح بعد، فمن المرجح أن تتعرض مكانة واشنطن الاستراتيجية، إقليميا وعالميا، لأضرار جسيمة.
الانتكاسات قصيرة المدى
عند إعلان وقف إطلاق النار، لم يكن موقف الولايات المتحدة أفضل مما كان عليه قبل اندلاع الحرب. فعلى الرغم من مقتل عدد من القادة الإيرانيين، بينهم "المرشد الأعلى" علي خامنئي، وتراجع القدرات العسكرية الإيرانية على نحو ملحوظ، فإن تغيير النظام لم يتحقق، كما لم تحرم طهران من قدرتها على تصنيع الأسلحة النووية. وبطبيعة الحال، يبقى احتمال تحقق الأمر الأخير واردا عبر المفاوضات، وقد تفضي انتفاضة شعبية ما إلى تغيير النظام، لكن هذا كله كان واردا قبل الحرب أيضا. وإذا كان ثمة ما تغير، فهو أن الصراع خفض من احتمال تحقق الأمرين كليهما. بل يمكن القول إن النظام الإيراني، على الرغم من الهزائم التي مني بها، خرج من الصراع في موقع أقوى، بعدما أثبت قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي عبر توجيه ضربات موجعة إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز.

