حرب إيران تعيد تشكيل النموذج الاقتصادي بين الصين والخليج

صدمة هرمز قد تسرّع اتفاق التجارة الحرة العالق منذ 20 عاما

جاسون ليون
جاسون ليون

حرب إيران تعيد تشكيل النموذج الاقتصادي بين الصين والخليج

خلطت حرب إيران الحسابات الجيوسياسية بالأرقام الاقتصادية على نحو غير مسبوق. فمع تحوّل مضيق هرمز إلى عنق زجاجة مغلق أمام صادرات الخليج النفطية، ومرور النفط الروسي بعثرات الحرب والعقوبات، أصبح النفط الإيراني المتحرر من قيود المضيق، والنفط الأميركي المدعوم بوفرة الإنتاج، الأكثر حضورا في السوق نظريا.

وقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدول المتضررة إلى زيادة مشترياتها من النفط الخام الأميركي، فيما وضعت تكلفة الطاقة المرتفعة الصين، الأقرب أيديولوجيا إلى طهران ودول الخليج، الشريكة التاريخية لواشنطن، في خندق واحد أمام تقاطع غير مألوف للمصالح بين إيران والولايات المتحدة.

حاولت الصين الحفاظ على موقع وسطي خلال الحرب، في حين قرأ كثير من المحللين الاستراتيجيين هذا الصراع، في إطاره الأوسع، كجزء من سياق يهدف إلى كبح نفوذ بكين وتحسين شروط الولايات المتحدة في المنافسة الاستراتيجية معها. غير أن غموض أهداف إدارة ترمب، ولا سيما في ظل مقاربة "أميركا أولا"، يفتح البابا أمام احتمالات أخرى.

حاولت الصين الحفاظ على موقع وسطي خلال الحرب، في حين قرأ كثير من المحللين الاستراتيجيين هذا الصراع، في إطاره الأوسع، كجزء من سياق يهدف إلى كبح نفوذ بكين

إلى جانب الإشارات الصريحة في شأن تراجع واشنطن عن بعض خطوطها الحمراء، بما في ذلك حماية الملاحة في مضيق هرمز، والسعي إلى إعادة رسم خريطة الطاقة بطريقة قد تمسّ بمركزية دول الخليج فيها، فتح الباب أمام تساؤلات أوسع.

وقد برزت هذه التساؤلات خصوصا لدى دول الخليج، التي وجدت نفسها أمام تسارع غير مسبوق في الضغوط. إذ فرض الوضع عليها إعادة تعريف دورها الاقتصادي، في لحظة تتأرجح فيها بين مسارين: إما الانخراط في إعادة تشكيل الدور القيادي للولايات المتحدة ضمن شروط أكثر انتقائية في إطار الشراكة التقليدية، أو التوجه نحو تنويع شراكاتها وبناء علاقة أقل شرطية وأكثر مصلحية مع الصين، تقوم على التكامل في الصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، لا على مجرد تصدير الطاقة.

أ.ف.ب.
صورة جماعية لقادة وزعماء الدول خلال ختام القمة الصينية - الخليجية، في الرياض 9 ديسمبر 2022

في المقابل، أظهرت هذه التطورات أن بكين بدت الأكثر استعدادا للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات. ودفعتها إلى طرح تساؤلات موازية حول إمكان تحوّل تداعيات الحرب إلى رافعة سياسية واقتصادية تدفع العلاقات الخليجية–الصينية نحو مزيد من التنظيم والتثبيت والتقنين، سواء عبر توسيع العقود الطويلة الأجل، أو تعزيز التكامل في سلاسل القيمة، أو حتى كسر الجمود الذي يحيط بمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة العالقة منذ نحو عقدين.

وفي هذا السياق تحديدا، تميل القراءة الصينية إلى اعتبار أن ما فرضته الأزمة من تقارب مصلحي قد لا يبقى ظرفيا، بل قد يكون مرشحا لأن يتحول إلى مسار أكثر استدامة، وهو ما يفسر الاتجاه نحو مقاربة العلاقة مع الخليج باعتبارها شراكة قابلة لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة.

علاقة تُختبر ولا تُفكك

يقول الدكتور شو مينغتشي، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين، لـ"المجلة" إن الأزمات الجيوسياسية لا تُسقط العلاقات الاقتصادية الكبرى، بل تكشف بنيتها الحقيقية. وفي الحالة الخليجية–الصينية، تظهر العلاقة، وفق تعبيره، كعلاقة "هيكلية" لا ظرفية، إذ يشكل الخليج ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني، فيما تعتبر الصين شريكا اقتصاديا طويل الأمد لدول الخليج، ليس فقط كمستورد للطاقة، بل كسوق واستثمار وشريك صناعي.

ستواصل الصين سياسة تنويع مصادرها، إنما ليس على حساب الخليج. فالمسألة ليست "استبدال مورد بآخر"، بل تقليل الاعتماد على مسار واحد شديد الحساسية

الدكتور شو مينغتشي، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين

لكن الحرب، بحسب شو، لم تغير جوهر العلاقة بقدر ما غيرت "طريقة إدارتها". فالعالم الذي كان يفترض مرور النفط عبر مسارات مستقرة نسبيا، أصبح اليوم محكوما بمخاطر الملاحة، وارتفاع التأمين، وتذبذب سلاسل الإمداد، وتزايد التوترات الجيوسياسية.

وهنا لا تتجه بكين إلى تقليص الانكشاف، بل إلى إعادة هندسته، من تجارة نفط خام مباشرة إلى منظومة أكثر ترابطا، تقوم على عقود طويلة الأجل، وتكامل في التخزين والخدمات اللوجستية، وتوسع في الصناعات التحويلية، وآليات مؤسسية لتقاسم المخاطر. وفي هذا المعنى، لا ترى الصين في الأزمة سببا للابتعاد عن الخليج، بل تعتبرها سببا لتعميق العلاقة على أسس أكثر صلابة.

الطاقة: تنويع لا استبدال

في ملف الطاقة تحديدا، يوضح شو أن الصين ستواصل سياسة تنويع مصادرها، إنما ليس على حساب الخليج. فالمسألة ليست "استبدال مورد بآخر"، بل تقليل الاعتماد على مسار واحد شديد الحساسية.

رويترز
ناقلات نفط ترسو في ميناء هونج كونج، الصين 19 مارس 2026

ويضيف أن أهمية الخليج لم تتراجع على الرغم من الحرب، بل ربما أصبحت أكثر وضوحا. ففي لحظات عدم الاستقرار، لا يقاس المورد فقط بالتكلفة، بل بالقدرة على توفير كميات ضخمة بشكل مستمر. وهذه ميزة لا يزال الخليج يحتفظ بها، مقارنة بغيره.

لكن التحول الأهم، كما يراه، هو في طبيعة الشراكة نفسها، من تبادل تجاري تقليدي إلى شبكة مصالح أعمق تشمل التكرير والبتروكيماويات، والغاز الطبيعي المسال، والبنية التحتية للشحن، والتخزين، والتنسيق اللوجستي.

ستشكل القمة العربية -الصينية الثانية المقرر عقدها في الصين العام الجاري، فرصة سياسية جديدة لدعم هذه التعديلات

وانغ شياويو، باحثة في جامعة فودان

ومع توسع هذا "النسيج غير النفطي"، تصبح شراكة الطاقة أكثر استقرارا، لأنها لم تعد قائمة بذاتها، بل تصير جزءا من منظومة اقتصادية أوسع.

شريك متعدد الأبعاد

من هذا المنطلق، ترى بكين أن الخليج لم يعد مجرد منطقة طاقة، بل نقطة تقاطع لمجموعة مصالح استراتيجية، هي: رأس مال سيادي، وممرات تجارية، وبنية تحتية، وتحول صناعي متسارع. وهذا ما يفسر، وفق شو، لماذا تنظر الصين إلى دول مجلس التعاون كشركاء "طويلي الأمد ومتعددي الأبعاد، قادرين على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ مشاريع ضخمة وإعادة هيكلة اقتصاداتهم بعيدا من النفط وإعادة تموضعها ضمن شبكات التجارة والاستثمار العالمية". وبالتالي، فإن مفهوم "الاستراتيجيا" في بكين لم يعد مرادفا للطاقة وحدها، بل لمجمل منظومة التنمية.

تحسين البنية

يتقاطع هذا التوجه مع قراءة الباحثة في جامعة فودان، وانغ شياويو، التي ترى أن الحرب ستدفع التعاون إلى إعادة ترتيب أولوياته لا تقليصه. ففي المدى القصير، ستفرض تكلفة الشحن والتأمين والضغوط الأمنية مزيدا من الحذر. أما في المدى المتوسط، فسيبقى التعاون قائما، لكن مع تركيز أكبر على أمن الإمدادات، وتعديل مسارات النقل، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتعزيز آليات التعاون القائمة، بدلا من إطلاق مشاريع جديدة فقط.

رويترز
قوراب وناقلات بضائع في مضيق هرمز، قبالة سواحل مسقط، عمان 18 أبريل 2026

وتقول وانغ لـ"المجلة" إن التحول الأهم، في رأيها، هو انتقال التعاون من منطق "التوسع الكمي" إلى منطق "تحسين البنية"، أي جعل العلاقة أقل هشاشة وأكثر كفاءة في مواجهة الصدمات. وهي ترى أن القمة العربية -الصينية الثانية المقرر عقدها في الصين العام الجاري، ستشكل فرصة سياسية جديدة لدعم هذه التعديلات.

التوجه شرقا

في المقابل، يعتبر الكاتب السياسي والباحث الصيني تشاو تشي جيون أن الحرب لا تُضعف العلاقات الطاقية بين الصين والخليج، بل تدفعها إلى تحول جذري من علاقة "بيع وشراء" إلى ما يشبه "مجتمعا أمنيا للطاقة". وهو يرى أن اعتماد الصين على استيراد نحو 72 في المئة من نفطها الخام، يأتي ربعها تقريبا من الخليج، يجعل الاستقرار مع هذه المنطقة مسألة استراتيجية وليست تجارية.

الحرب لا تُضعف العلاقات الطاقية بين الصين والخليج، بل تدفعها إلى تحول جذري من علاقة "بيع وشراء" إلى ما يشبه "مجتمعا أمنياً للطاقة"

الكاتب السياسي والباحث الصيني تشاو تشي جيون

ويشير إلى أن اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين لم تدفع إلى فك الارتباط، بل إلى تعزيز التوجه شرقا. فالصين، باعتبارها أكبر سوق صناعية مستقرة في العالم، توفر طلبا طويل الأمد لا يخضع لتقلبات سياسية مفاجئة، فيما تمنحها احتياطاتها الاستراتيجية الضخمة قدرة على امتصاص الصدمات.

رويترز
الرئيس الصيني شي جين بينغ يلقي خطاباً في حفل افتتاح الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي، في دار ضيافة دياويوتاي الحكومية في بكين، الصين، في 30 مايو 2024

لكن الأهم في طرح تشاو هو البعد المالي. إذ يرى أن الحرب سرّعت استخدام أدوات مثل التسويات بالعملة المحلية ومقايضات العملات لا سيما بين السعودية والصين، كوسيلة لتقليل التعرض للنظام المالي الغربي، وهو اتجاه مرشح للتوسع تدريجيا.

وفي ملف إصلاح الأضرار في محطات الطاقة الخليجية التي استهدفت بالعدوان الإيراني، وقدّرتها مؤسسة "ريستاد إنرجي" بما لا يقل عن 25 مليار دولار، يعتبر تشاو أن الشركات الصينية مرشحة للعب دور أكبر، ليس فقط بسبب التكلفة، إنما بسبب قدرتها على تقديم حزم متكاملة تشمل التمويل والهندسة وسلاسل الإمداد، في وقت تواجه فيه الشركات العالمية تأخيرات طويلة في الإنتاج والتوريد.

ويخلص تشاو إلى أن تسريع اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول الخليج غدا ضرورة استراتيجية. فالحرب، وفق قراءته، كشفت هشاشة سلاسل الإمداد، ورفعت التضخم، وأظهرت حاجة الخليج إلى الانتقال من نموذج تصدير النفط إلى نموذج "المركز اللوجستي والرقمي" المرتبط بأكبر اقتصاد صناعي في العالم.

وينقل تشاو عن بيانات صينية أنه من المتوقع أن يؤدي إبرام اتفاقية تجارة حرة إلى رفع نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في دول الخليج بنحو 2.1 نقطة مئوية. وهو يرى أن إنشاء منطقة تجارة حرة بتعريفة شبه صفرية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يقتصر أثره على خفض تكاليف المواد المرتبطة بمشاريع إصلاح البنية التحتية للطاقة، بل يمتد أيضا إلى توفير قاعدة نمو أكثر استقرارا لدول الخليج في بيئة اقتصادية عالمية تتسم بتقلبات متزايدة وعدم يقين متصاعد.

نحو علاقة تعاد هندستها

عند تقاطع هذه القراءات الثلاث، لا تبدو الحرب عامل إضعاف للعلاقة بين الصين ودول الخليج، بقدر ما تكشف عن تحوّل أعمق في البيئة التي تدار فيها هذه العلاقة. فالعلاقة التي جرى طويلا اختزالها في بعدها الطاقي، تظهر اليوم كشبكة مصالح أوسع، لكنها تُدفع تحت ضغط الأزمات إلى البحث عن قواعد أكثر ثباتا وتنظيما، في عالم لم يعد يوفر مظلات مستقرة كما في السابق.

 تبدو المقاربة الصينية أقرب إلى استثمار هادئ في لحظة تراجع اليقين في الدور الأميركي، من دون أن تعني بالضرورة استبداله، بقدر ما تعني ترسيخ موقعها كشريك على المدى الطويل

غير أن ما يمنح هذه التحولات معناها الحقيقي لا يكمن فقط في تطور العلاقة مع الصين، بل في السياق المقابل الذي سلطت حرب ايران الضوء عليه . فمقاربة "أميركا أولا"، بما تعكسه من ضغط متزايد على الحلفاء وإعادة ترتيب لأولويات الالتزام، ترسل إشارة واضحة إلى أن تكلفة الحفاظ على ملامح العلاقة التقليدية قد تتحول تدريجيا إلى عبء مستمر، الأمر الذي يجعل مسار إعادة التوازن أو التحول الجذري خيارا أكثر حضورا وواقعية.

.أ.ف.ب
يمرّ سائقون بسياراتهم أمام عمود دخان يتصاعد من غارة جوية إيرانية مزعومة في المنطقة الصناعية بالدوحة في الأول من مارس 2026

في هذا السياق، يكتسب التقارب الصيني–الخليجي بعدا مختلفا، بوصفه جزءا من إعادة تموضع أوسع تسعى من خلاله دول الخليج إلى موازنة علاقاتها وبناء شراكات أكثر ارتباطا بالمصالح المباشرة وأقل عرضة للتقلبات السياسية.

وفي المقابل، تبدو المقاربة الصينية أقرب إلى استثمار هادئ في لحظة تراجع اليقين في الدور الأميركي، من دون أن تعني بالضرورة استبداله، بقدر ما تعني ترسيخ موقعها كشريك يمكن البناء عليه على المدى الطويل.

لكن المفارقة الأهم أن هذا التحول لا يقاس فقط بصعود دور الصين، إنما بتراجع قابلية النظام القديم للاعتماد عليه كما كان. وبينما تعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها، تواجه دول الخليج اليوم اختبارا من نوع مختلف؛ لا يقتصر على إدارة توازناتها الخارجية، بل يمتد إلى قدرتها على إعادة صوغ مفهوم أمنها الاقتصادي في عالم تُبنى فيه المظلات وفق منطق المصالح لا الالتزامات.

font change