لم يكن من الممكن توقع أن يسلك لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لولا المتغيرات التي حصلت في المنطقة ولبنان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحديدا بعد الحرب الواسعة التي شنتها إسرائيل ضد "حزب الله" ابتداء من سبتمبر/أيلول 2024 والتي انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ذلك الاتفاق الذي لم يثن تل أبيب عن مواصلة استهداف كوادر وعناصر "الحزب" فضلا عن مواقع تقول إنها تابعة له، وهو ما وضعه في موقع ضعف ولاسيما بعد اغتيال قيادات الصف الأول والثاني فيه، وعلى رأسهم أمينه العام السابق حسن نصرالله. كما شكل انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، حليف "الحزب" الذي حارب إلى جانبه زهاء عشر سنوات، "مقتلا استراتيجيا" له، وكل ذلك قلب المعادلة السياسية والأمنية في لبنان، ولو نسبيا، إذ لم تتمكن الحكومة اللبنانية من الإيفاء بالتزاماتها بموجب هذا الاتفاق ولاسيما لجهة حصر السلاح في يدها، كما تبين خلال الحرب المستأنفة بين "حزب الله" وإسرائيل ابتداء من 2 مارس/آذار الماضي، والتي انتهت هي الأخرى باتفاق لـ"وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام لتمكين مفاوضات السلام بين إسرائيل ولبنان".
وقد جاء هذا الاتفاق إثر محادثات مباشرة بين سفيري كل من لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، عقدت في 14 أبريل/نيسان بوساطة أميركية في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وحضرها وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو. هذه المحادثات بين البلدين والتي تعقد للمرة الأولى بصورة مباشرة منذ عام 1993 (في إطار مؤتمر مدريد للسلام)، يبدو حتى الآن أنها مستمرة، إذ من المرتقب أن تعقد جلستها الثانية الخميس 23 أبريل. ولا ريب في أن هذه الاستمرارية تنطوي على إشارة إلى مقدار الدعم الذي تحظى به من قبل الإدارة الأميركية، في وقت سرب في بيروت أنّ لبنان سيطالب خلالها بتمديد الهدنة لفترة تتراوح بين العشرين والأربعين يوما، وهو ما يتوقع أن يحظى بدعم أميركي. كما أن استمرارها هو نتيجة عجز "حزب الله" الرافض لها عن منعها، وهو أمر ما كان يمكن توقعه قبل حرب 2024.


