لبنان بين 1983 و2026... هل تلعب "إيران - قاليباف" دور "سوريا - الأسد"؟

الطرف الأكثر حماسة للمفاوضات بين بيروت وتل أبيب هو دونالد ترمب

Pete Reynolds
Pete Reynolds

لبنان بين 1983 و2026... هل تلعب "إيران - قاليباف" دور "سوريا - الأسد"؟

لم يكن من الممكن توقع أن يسلك لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لولا المتغيرات التي حصلت في المنطقة ولبنان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحديدا بعد الحرب الواسعة التي شنتها إسرائيل ضد "حزب الله" ابتداء من سبتمبر/أيلول 2024 والتي انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ذلك الاتفاق الذي لم يثن تل أبيب عن مواصلة استهداف كوادر وعناصر "الحزب" فضلا عن مواقع تقول إنها تابعة له، وهو ما وضعه في موقع ضعف ولاسيما بعد اغتيال قيادات الصف الأول والثاني فيه، وعلى رأسهم أمينه العام السابق حسن نصرالله. كما شكل انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، حليف "الحزب" الذي حارب إلى جانبه زهاء عشر سنوات، "مقتلا استراتيجيا" له، وكل ذلك قلب المعادلة السياسية والأمنية في لبنان، ولو نسبيا، إذ لم تتمكن الحكومة اللبنانية من الإيفاء بالتزاماتها بموجب هذا الاتفاق ولاسيما لجهة حصر السلاح في يدها، كما تبين خلال الحرب المستأنفة بين "حزب الله" وإسرائيل ابتداء من 2 مارس/آذار الماضي، والتي انتهت هي الأخرى باتفاق لـ"وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام لتمكين مفاوضات السلام بين إسرائيل ولبنان".

وقد جاء هذا الاتفاق إثر محادثات مباشرة بين سفيري كل من لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، عقدت في 14 أبريل/نيسان بوساطة أميركية في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وحضرها وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو. هذه المحادثات بين البلدين والتي تعقد للمرة الأولى بصورة مباشرة منذ عام 1993 (في إطار مؤتمر مدريد للسلام)، يبدو حتى الآن أنها مستمرة، إذ من المرتقب أن تعقد جلستها الثانية الخميس 23 أبريل. ولا ريب في أن هذه الاستمرارية تنطوي على إشارة إلى مقدار الدعم الذي تحظى به من قبل الإدارة الأميركية، في وقت سرب في بيروت أنّ لبنان سيطالب خلالها بتمديد الهدنة لفترة تتراوح بين العشرين والأربعين يوما، وهو ما يتوقع أن يحظى بدعم أميركي. كما أن استمرارها هو نتيجة عجز "حزب الله" الرافض لها عن منعها، وهو أمر ما كان يمكن توقعه قبل حرب 2024.

استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية كبيرة في إسرائيل، من مختلف التيارات، تريد العودة إلى القتال وحسم المعركة ضد "حزب الله"، وذلك في وقت دخلت إسرائيل في توقيت انتخابي

لكن هل فعلا "حزب الله" يريد منعها، أقله في محطاتها الأولية؟ أم أنه يناور في رفضها، ويريد منها الهدنة وما يمكن أن يستتبعها من انسحاب إسرائيلي وإطلاق للأسرى ومن ثم ينقلب عليها في حال بلغت عناوين "أكبر"؟ ولكن كيف لذلك أن يحصل إن لم يبادر "الحزب" الطرف المعني بالحرب، وليس الحكومة اللبنانية متلقية نتائجها، إلى تقديم تنازلات، وفق مبدأ الخطوة مقابل خطوة، والذي لخصه إيمانويل ماكرون خلال لقائه نواف سلام الثلاثاء بالقول: الانسحاب الإسرائيلي مقابل سلاح "حزب الله"؟ لكن السؤال أيضا هل تريد إسرائيل أن تنسحب فعلا من "الحزام الأمني" الذي تقيمه في جنوب لبنان على أنقاض زهاء 55 قرية تمنع أهلها من العودة إليها؟ لا مؤشرات على ذلك حتى الآن، لا بل على العكس تماما فإن النزعة التوسعية التي تتجذر أكثر فأكثر في عقل اليمين الإسرائيلي، إضافة إلى العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة بعد عملية "طوفان الأقصى" والتي تقتضي إقامة مناطق عازلة على "حدود الاشتباك" في سوريا ولبنان وغزة، تدفعان إلى الاعتقاد أن أي انسحاب إسرائيلي من أي من هذه المناطق الثلاث مرهون باتفاقات إقليمية ودولية شاملة لا جزئية بما يخص أيا منها لوحده.

أ.ف.ب
أعضاء الوفد الإسرائيلي والعقيد ل. فارغو من الأمم المتحدة، وقائد البحرية الفرنسية هنري أوجين مارك بالاند، في 23 مارس 1949 في الناقورة، جنوب لبنان، لتوقيع اتفاقية مع لبنان، وهي جزء من اتفاقيات الهدنة لعام 1949

والواقع أنه لا يمكن تحديد سقف هذه المفاوضات ولا توقع الحدود السياسية والأمنية التي يمكن أن تبلغها، إذ إن مآلاتها وإمكان تنفيذ أي اتفاق قد يصدر عنها رهن بمستقبل موازين القوى في المنطقة، هذه الموازين التي ستفرزها الحرب الإقليمية الراهنة. وقبل الوصول إلى نتائج هذه المفاوضات، فإنّ قدرة لبنان على خوضها في ظل الظرف الراهن، هي محط تساؤلات عديدة، وتحديدا لجهة السقف الذي يمكن أن تصله هذه المفاوضات، هل هدنة معدلة على غرار عام 1949، كما يطرح وليد جنبلاط بدعم من نبيه بري، أم ترتيبات أمنية محدودة، أم مسار يفضي إلى تثبيت الخروج من حال الحرب كما تشير "مذكرة التفاهم"- 2026، بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لتسوية أوسع قد تصل إلى إبرام اتفاق سلام بين البلدين؟

بالتالي، فإذا كانت هذه المفاوضات غير ممكنة لولا المتغيرات الحاصلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن مآلاتها وإمكان تنفيذ نتائجها في حال كتب لها الاستمرار، ستكون خاضعة لحجم المتغيرات التي ستنتجها الحرب الإقليمية الراهنة، وتحديدا في ما يخص مستقبل النظام الإيراني وحدود التغيير داخله، بما ينعكس على قرارات "حزب الله"، تشددا أم مرونة، إذ لا يمكن توقع أن يقبل "الحزب"، الذي يرفض أصلا مبدأ التفاوض المباشر، بأي نتائج لهذه المفاوضات تتجاوز نقطتي وقف الحرب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وهما نقطتان حددهما الرئيس جوزيف عون كهدف للمفاوضات. لكن هل يقبل الوسيط الأميركي بهذا السقف المنخفض، نسبيا، للمفاوضات، بينما كان انعقاد الجلسة الأولى لها بمثابة إنجاز شخصي لدونالد ترمب، الذي كان يخطط لاتصال بين بنيامين نتنياهو وجوزيف عون، والأكيد أنه يطمح لاستضافتهما في مكتبه للتوقيع على اتفاق سلام بين البلدين.

وبالنظر إلى الديناميكيات الداخلية لهذه المفاوضات، يتضح أن الطرف الأكثر حماسة لها بين أطرافها الثلاثة، هو الرئيس ترمب؛ فبالإضافة إلى محاولته احتواء "الجبهة اللبنانية" بحيث لا يؤثر انفلاتها على سعيه للتوصل إلى اتفاق "دائم وشامل" مع إيران، فهو يطمح إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي جديد في المنطقة يتمثل في التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، في إطار توسيع "الاتفاقات الإبراهيمية" إنجازه الرئيس خلال ولايته الأولى.

في المقابل لا تبدو الحكومة اليمينية الإسرائيلية متحمسة لها، إذ يواجه نتنياهو معضلة صعبة جداً بشأنها، بحسب الصحافة الإسرائيلية، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية كبيرة في إسرائيل، من مختلف التيارات، تريد العودة إلى القتال وحسم المعركة ضد "حزب الله"، وذلك في وقت دخلت إسرائيل في توقيت انتخابي. كما يشار في إسرائيل إلى أن الأميركيين لم يعجبهم "الاندفاع" الإسرائيلي في لبنان، وقاموا بكبحه مرتين: في المرة الأولى، توقفت إسرائيل عن قصف بيروت، بناءً على طلب ترمب، أمّا المرة الثانية، فكانت بفرض وقف إطلاق النار عليها". ولذلك فإن تقدم المفاوضات مرتبط بشق منه في إمكان ترمب فرض وتيرتها وسقفها على الحكومة الإسرائيلية.

إذا وجد النظام الإيراني "الجديد" أن مكاسب النفوذ الإقليمي، عبر "حزب الله"، أدنى من كلفته عليه، فهو قد ينفض عن وكلائه، نسبيا، أو يدفعهم إلى تغيير أنفسهم كما تغير هو

أما لبنان فهو الطرف الأضعف في هذه المفاوضات، وذلك غير عائد وحسب إلى أنه يواجه التباس الخصم والوسيط، بالنظر إلى انحياز واشنطن الذي لا جدال فيه لتل أبيب، لكن أيضا بالنظر إلى الانقسام الداخلي الحاد بشأن الحرب والمفاوضات في آن معا، فلا الحرب التي اندفع إليها "حزب الله"، لأجل إيران كما قال رئيس البرلمان الإيراني، حظيت وتحظى بإجماع داخلي، ولا المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تحظى به، كما اشترط الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم لحصولها. وفي تلخيص أولي للمعادلة الداخلية الراهنة يمكن القول إنه في مقابل أقصى الارتباط من قبل "حزب الله" بإيران، على ما صرح قاليباف، فإن سلوك مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل من قبل رئاستي الجمهورية والحكومة هو أقصى الانفكاك عن "محور المقاومة" الذي أحكم نفوذه في لبنان بعد "اتفاق الدوحة" في ربيع عام 2008، في أعقاب هجوم "الحزب" على بيروت والجبل.

غير أن هذا العامل الداخلي غير حاسم في مآلات الوضع التفاوضي إلا بمقدار كونه ارتدادا للعامل الخارجي؛ وهنا يمكن الاستدلال بتجربة "اتفاق 17 أيار" 1983 بين لبنان وإسرائيل، والذي لم يحُل التوصل إليه بوساطة أميركية، دون الانقلاب عليه في الداخل، من قبل القوى المعارضة لحكم أمين الجميل وعلى رأسها "حركة أمل" برئاسة نبيه بري. لكن هذا الانقلاب ما كان ليحصل لولا الدعم الإقليمي وتحديدا من قبل حافظ الأسد الذي أراد أن يحكم سيطرته على أي مفاوضات لبنانية-إسرائيلية. ويمكن هنا استحضار حادثة حصلت في مطلع التسعينات للدلالة على إرادة الأسد تلك، إذ صدر قرار بإقفال جريدة "السفير" الموالية لدمشق، لمدة شهر لمجرد نشرها وثيقة من مراسلتها في واشنطن ذات صلة بمضمون المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في إطار مؤتمر مدريد، وذلك لعدم إظهار كما لو أن لبنان يفاوض إسرائيل بمعزل عن سوريا.

أ.ف.ب
صور لنعوش مقاتلي حزب الله الذين قتلوا قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار خلال موكب جنازة جماعي في قرية كفرصير الجنوبية في 21 أبريل 2026

حتى إن أوساطا واكبت عن قرب أحداث الثمانينات في بيروت، في العقد الأخير من الحرب الباردة، تشير إلى أن ما حصل في بيروت خلال تلك الفترة تحديدا الهجمات ضد السفارة الأميركية وقوات البحرية الأميركية، كانت بقرار روسي وتنفيذ سوري و"إخراج" إيراني، وذلك في إطار السياسة الهجومية التي اعتمدها الأمين العام لـ"الحزب الشيوعي السوفياتي" يوري أندروبوف، خلال رئاسته للحزب بين 1982 و1984 تاريخ وفاته. وإذا أردنا إسقاط تلك المرحلة على المرحلة الراهنة مع استبدال سوريا-الأسد، بإيران-"الحرس الثوري" أو بإيران-قاليباف، حسب التوزّع الجديد لمراكز النفوذ في "النظام الإيراني الجديد"، فهل يمكن توقع تكرار التجربة من حيث إسقاط إيران، عبر "حزب الله"، لأي اتفاق يتم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل؟

لا ريب في أنّ هذا السيناريو غير محسوم بتاتا، إذ إن النظام الإيراني الذي أنهكته الحرب بشدة، بحيث أصبح بقاؤه هدفا أسمى له مع توقعات صفرية للمستقبل في ظل الضغوط الداخلية والخارجية، قد يدفع ببرغماتيته إلى حدودها القصوى بمجرد تقديم ترمب عرضا له يمكنه قبوله من دون أن يظهر كأنه انكسر واستسلم. وهذا ينسحب على ملف "حزب الله" بالنسبة لطهران، فإذا وجد "النظام الجديد" أن مكاسب النفوذ الإقليمي، عبر "الحزب"، أدنى من كلفته عليه، فهو قد ينفض عن وكلائه، نسبيا، أو يدفعهم إلى تغيير أنفسهم كما تغير هو، بحيث ينخرطون في التسويات الداخلية والإقليمية بأعلى درجات البرغماتية.

البرغماتية الإيرانية تبقى مجرد سيناريو محتمل، إذ لا يزال من المبكر توقع التوازنات والتسويات الجديدة في المنطقة، في ظل تداخل الحسابات والهواجس إزاء الوضع الإقليمي الجديد

وقبل لبنان و"حزب الله"، فإن إيران نفسها التي كانت خارج محادثات مدريد مطلع التسعينات، وهو ما دفعها إلى الانقلاب على نتائجها وتحديدا "أوسلو" وبدرجة أقل "وادي عربة"، فدعمت "حماس" و"الجهاد" في فلسطين وكثفت دعمها لـ"حزب الله" في لبنان بالتنسيق مع سوريا، إيران هذه قد تنخرط هذه المرة أو تسهل أي تسوية إقليمية بما يخص الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وبما يخص أي مسار إقليمي للتطبيع مع إسرائيل استكمالا لـ"الاتفاقات الإبراهيمية". وليس قليل الدلالة في هذا السياق أن يكون الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل قد تم بالتزامن مع الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بما يعد كسرا لخط أحمر إيراني تاريخي. وليس قليل الدلالة أيضا أن لا نشهد على انتقاد إيراني "ممنهج" لسلوك لبنان هذا المسار، إلا موقف علي أكبر ولايتي الذي حذر الحكومة اللبنانية من اعتماد "نهج رفيق الحريري"، في إشارة إلى أنه كان حليفا للولايات المتحدة وفرنسا فضلا عن علاقته المتينة بالمملكة العربية السعودية. وللمفارقة فإن "إساءة" ولايتي للحريري والتي ضمرت تهديدا لسلام بأن يلقى مصيره، تزامن مع رفع "جمهور المقاومة" صور رفيق الحريري في بيروت واسترجاع مواقف له يتحدث فيها عن "المقاومة"، وذلك في خطة "صبيانية" لتدعيم خطاب التخوين ضد سلام، فإذا بافتضاحهم يأتي من حيث لم يتوقعوا، أي من قلب طهران ظهيرهم الإقليمي!

أ.ف.ب
خلال إزالت الحفارات أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثا عن ناجين مدفونين تحت الأنقاض في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان، في 21 أبريل 2026

لكن هذه البرغماتية الإيرانية تبقى مجرد سيناريو محتمل، إذ لا يزال من المبكر توقع التوازنات والتسويات الجديدة في المنطقة، في ظل تداخل الحسابات والهواجس إزاء الوضع الإقليمي الجديد على إثر الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، والتي أكدت نتائجها حتى الآن صعوبة بزوع فجر "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشر به نتنياهو، فإذا بنا أمام "شرق أوسط  جديد-قديم"، بحسب تعبير الصحافة الإسرائيلية. وهذا كله ينسحب على لبنان الذي يخوض المفاوضات مع إسرائيل في توقيت حساس، إذ لم تكتمل بعد الاستراتيجيات العربية والإقليمية للتعامل مع المرحلة المقبلة، التي لا يمكن للبنان وحده أن يحدد ملامحها، من خلال اتفاق "فوق العادة" مع تل أبيب، في حال كانت الدول العربية حذرة حيال اتفاقات مماثلة، وفي حال كانت تركيا، التي ترى لبنان حاليا امتدادا لسوريا، حذرة أيضا ومتوجسة من حكومة نتنياهو، وهو ما عبّر عنه مؤخرا وزير خارجيتها بحديثه عن أن إسرائيل تحاول فرض "واقع جديد" في لبنان. ولذلك فإن سقف المفاوضات الحالية بين لبنان وإسرائيل قد يكون "اتفاقا أمنيا" لا أكثر، في صدى للسقف الذي يضعه أحمد الشرع للمفاوضات السورية-الإسرائيلية، وفي استعادة مفارقة لشعار "وحدة المسار والمصير"!

font change

مقالات ذات صلة