انتخابات أرمينيا بين الماضي العثماني والنفوذ الروسي

يرى الأرمن أن فتح المعبر الحدودي، والسماح على الأقل لمواطني الدول الثالثة بالعبور، من شأنه أن يخلق مناخا إيجابيا للغاية داخل أرمينيا

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطابا خلال المحادثات مع الرئيس الفرنسي في يريفان في 5 مايو 2026

انتخابات أرمينيا بين الماضي العثماني والنفوذ الروسي

دفع الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، والهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، بأمن الطاقة العالمي وطرق العبور البديلة إلى صدارة الأجندة الدولية. وتعد منطقة القوقاز إحدى المناطق المحورية في هذا السياق.

وقد تأثرت دول القوقاز الثلاث (أذربيجان وأرمينيا وجورجيا) التي تمتلك موارد للطاقة و/أو تقع على طرق نقل حيوية، مباشرة بالمنافسة بين روسيا والولايات المتحدة، وكذلك بتجاذبات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا وإيران، فضلا عن الدول الغربية وغيرها من القوى الساعية إلى حصة من الإمكانات الاقتصادية والتجارية التي تختزنها المنطقة.

ولا تزال جورجيا تواجه أزمة سياسية حادة، يتمحور معظمها حول الخيار بين التقارب الأوثق مع الغرب أو مع روسيا. أما الخلافات التاريخية بين أذربيجان وأرمينيا، فقد عادت إلى الظهور بعنف بعد استقلال البلدين عام 1990.

فقد احتلت أرمينيا قرابة 20 في المئة من إجمالي الأراضي الأذربيجانية، بما في ذلك كاراباخ، لما يقرب من 35 عاما، قبل أن ينتهي ذلك تماما عقب حرب كاراباخ الثانية عام 2020، والعملية العسكرية التي نفذها الجيش الأذربيجاني عام 2023 واستمرت يوما واحدا، ووُصفت بأنها عملية لمكافحة الإرهاب.

وقد مهّد ذلك الأرضية لتطبيع العلاقات بين أذربيجان وأرمينيا، وكذلك بين تركيا وأرمينيا. غير أن ثمة قضايا حساسة لا تزال بحاجة إلى حل.

الوضع قبل الانتخابات

ستُجرى الانتخابات في أرمينيا في السابع من يونيو/حزيران. وخلال رحلة قمت بها إلى يريفان الأسبوع الماضي، أتيحت لي فرصة معاينة الوضع في البلاد عن قرب قبيل هذه الانتخابات.

لقد أدت خسارة كاراباخ، وتدهور الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية في أرمينيا، إلى تراجع الدعم الشعبي لرئيس الوزراء نيكول باشينيان وحزب "العقد المدني" الذي يقوده. ويقال إن التأييد لباشينيان انخفض إلى نحو 25–30 في المئة. ومع ذلك، لا يزال المرشح الأوفر حظا، فحتى الناخبين الذين فقدوا تعاطفهم معه يبدون معارضة أشد للمرشحين الآخرين.

تحتل تركيا مكانة بارزة في أرمينيا وفي القوقاز عموما، وذلك أساسا بحكم موقعها الجغرافي، ودورها التاريخي، وعلاقاتها الوثيقة للغاية مع أذربيجان

ومن أبرز الشخصيات المحتملة المعارضة لباشينيان روبرت كوتشاريان، الرئيس الأسبق، مرشح "تحالف أرمينيا" والمدعوم من حزب "الطاشناق" القومي المتشدد؛ وسامفيل كارابيتيان، رجل الأعمال الأرمني–الروسي، مرشح "حزب أرمينيا القوية".

وقد وصف وزير خارجية أرميني سابق الركائز الأساسية للجبهة المناهضة لباشينيان بأنها: "روسيا، والكنيسة، والطاشناق".

ويَعِد باشينيان بتحسين العلاقات مع أذربيجان وتركيا، وتعزيز الروابط مع الغرب، وإنعاش الاقتصاد. أما سياسات خصومه، فتشير إلى مستقبل يقوم على استمرار الصراع مع دول الجوار وتوثيق العلاقات مع روسيا.

أ.ف.ب
تظاهرة لمواطنين في يريفان في 12 نوفمبر 2020، احتجاجا على اتفاق إنهاء القتال مع أذربيجان بشأن منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها

يبقى باشينيان المرشح الأكثر ترجيحا للفوز. غير أن السؤال المطروح هو: إذا فاز، هل سيتمكن من الحكم، أم ستتدخل القوى المناهضة له بطرق قد تدفع البلاد إلى أزمة؟

موقف تركيا ودورها

تحتل تركيا مكانة بارزة في هذه المعادلة، سواء في أرمينيا أو في القوقاز عموما، وذلك أساسا بحكم موقعها الجغرافي، ودورها التاريخي، وعلاقاتها الوثيقة للغاية مع أذربيجان.

وقد صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "تحرير الأراضي الأذربيجانية المحتلة دشّن عهدا جديدا في القوقاز"، وأن عملية تطبيع العلاقات مع أرمينيا قد بدأت.

يثير احتمال تدخل روسيا في الانتخابات مخاوف واسعة في أرمينيا. ويخشى كثيرون أنه إذا لم تأتِ النتائج على هواها، فقد تلجأ موسكو إلى التدخل بوسائل مختلفة

وقد مهّد هذا النهج- إلى جانب قرار رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان التخلي عن الشرط المسبق القاضي بأن تعترف تركيا أولا بالإبادة الجماعية- الطريق مجددا أمام الدبلوماسية. وفي هذا السياق، يواصل المبعوثون الخاصون الذين عينتهم تركيا وأرمينيا عقد اجتماعات منتظمة.

وفي موازاة ذلك، تسيّر كل من الخطوط الجوية التركية وشركة "بيغاسوس"، وهي أكبر شركة طيران خاصة في تركيا، رحلة مباشرة يوميا بين إسطنبول ويريفان. وتكون هذه الرحلات محجوزة بالكامل في كلا الاتجاهين، وتشكل الغالبية العظمى من ركابها من الأرمن.

ولا توجد حتى الآن تجارة مباشرة بين البلدين، غير أن البضائع التركية تُصدَّر إلى أرمينيا عبر جورجيا، بقيمة يقال إنها تبلغ نحو 1.3 مليار دولار.

وعلى الرغم من توافر البنية التحتية التي تسمح بعبور الأشخاص والمركبات من خلال معبر أليجان/مارغارا الحدودي بين تركيا وأرمينيا، المغلق منذ 35 عاما، فإن القرار السياسي اللازم لتشغيل هذا النظام لم يُتخذ بعد.

وتسعى أرمينيا إلى التطبيع الكامل للعلاقات مع تركيا، وإقامة علاقات دبلوماسية، وفتح الحدود بين البلدين بشكل كامل. وهي تسجل التطورات الإيجابية في هذا المسار، لكنها تشكو في الوقت نفسه من بطء وتيرته.

أ.ف.ب
قلعة مدينة كارس، شرق تركيا، بالقرب من الحدود التركية الأرمينية، في 9 يناير 2022

ويرى الأرمن أن فتح المعبر الحدودي، والسماح على الأقل لمواطني الدول الثالثة بالعبور، من شأنه أن يخلق مناخا إيجابيا للغاية داخل أرمينيا.

في المقابل، تحرص تركيا على تنسيق عملية التطبيع مع أرمينيا ومزامنتها مع مسار التطبيع بين أذربيجان وأرمينيا، تجنبا لتكرار التوترات التي نشأت مع أذربيجان عندما وقّعت تركيا وأرمينيا بروتوكولات زيوريخ الشهيرة عام 2009.

أما أذربيجان، فتنتظر من أرمينيا إزالة البنود الواردة في دستورها، والتي تنص على أن كاراباخ جزء من أرمينيا، قبل توقيع اتفاق سلام معها.

وقد أعلن باشينيان استعداده لاتخاذ هذه الخطوة، غير أن عليه أولا الفوز في الانتخابات. وبعد ذلك، ينبغي أن يقر البرلمان التعديل الدستوري، ثم أن يُعرض على استفتاء شعبي.

وكان أحدث تطور مهم وإيجابي بين تركيا وأرمينيا مشاركة نائب الرئيس التركي جودت يلماز في اجتماع المجموعة السياسية الأوروبية الذي عقد في يريفان في الرابع من مايو/أيار. وخلال وجوده في يريفان، عقد نائب الرئيس يلماز لقاء ثنائيا مع نظيره الأرميني، ووصِف الاجتماع بأنه سار على نحو جيد.

روسيا مصدر قلق كبير أيضا في أرمينيا

يثير احتمال تدخل روسيا في الانتخابات مخاوف واسعة في أرمينيا. ويخشى كثيرون أنه إذا لم تأتِ النتائج على هواها، فقد تلجأ موسكو إلى التدخل بوسائل مختلفة.

فباشينيان سياسي يرى مستقبل أرمينيا في التعاون والاندماج مع الغرب، ويميل إلى تحسين العلاقات مع تركيا، ولا يريد أن تقع بلاده مرة أخرى تحت الهيمنة الروسية.

وقال دبلوماسي أرميني رفيع سابق إن "مزيدا من الغرب" و"مزيدا من تركيا" يعنيان، بالنسبة إلى أرمينيا، "قدرا أقل من روسيا".

لطالما نُظر إلى الشتات الأرمني بوصفه القوة المحركة للحملات المناهضة لتركيا واتهامات الإبادة الجماعية

ومنذ وصول باشينيان إلى السلطة، تراجع النفوذ الروسي والحضور الروسي في أرمينيا بشكل ملحوظ. فقد باتت شبكة الكهرباء تحت سيطرة الدولة الأرمينية، كما انتقلت السيطرة على الحدود من الروس إلى حرس الحدود الأرميني.

غير أن قطاعات استراتيجية أخرى في البلاد، مثل الغاز الطبيعي والمصارف والسكك الحديدية، لا تزال خاضعة جزئيا أو إلى حد كبير للسيطرة الروسية. كما لا تزال القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 في غيومري قائمة.

سياسة ترمب الموجهة نحو الأعمال والربح

إن ضخامة السفارة الأميركية في يريفان، التي تضم نحو 1800 موظف، تمثل مؤشرا واضحا إلى اهتمام الولايات المتحدة بأرمينيا والمنطقة الأوسع.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مصافحة بين رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان أثناء مراسم توقيع اتفاقية ثلاثية في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 8 أغسطس 2025

وقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرارا أن الصراع بين أرمينيا وأذربيجان هو إحدى الحروب التسع التي أنهاها حول العالم. واتخذ ترمب خطوات لضمان الاستفادة من اتفاق السلام عبر مشروع الطريق الدولي للسلام والازدهار، المعروف اختصارا باسم "TRIPP"، والذي سُمي باسمه.

وسيربط هذا المشروع أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي، ومنها إلى تركيا، عبر ممر للنقل والطاقة يمتد 43 كيلومترا ويمر في منطقة سيونيك الأرمينية.

وتدعم تركيا وأذربيجان هذا المشروع بقوة، وهو المشروع الذي طالما أشار إليه البلدان باسم ممر زنغزور. وما إن يتحقق هذا المشروع، حتى تزداد قوة الروابط التي تصل تركيا بآسيا الوسطى وآسيا عموما.

أما إيران، فليست راضية عن هذا المشروع، إذ تقلقها احتمالات الوجود الأميركي على امتداد حدودها، كما تنظر إليه بوصفه مبادرة قد تنافس طموحها في أن تصبح مركزا للربط الإقليمي. وليس مستغربا أن يكون لدى روسيا بدورها تحفظات مماثلة.

أين يقف الشتات الأرمني؟

لطالما نُظر إلى الشتات الأرمني بوصفه القوة المحركة للحملات المناهضة لتركيا واتهامات الإبادة الجماعية.

وقد قال السياسيون وقادة الرأي الأرمن الذين تحدثت إليهم في يريفان، وهم يمثلون طيفا واسعا من وجهات النظر، إن الشتات الأرمني و"حزب الطاشناق القومي" المتشدد لا يزالان حاضرين كقوة، لكنهما لم يعودا يتمتعان بالقوة والنفوذ اللذين امتلكاهما في السابق.

تنتهج تركيا سياسة تهدف إلى الحيلولة دون أن تطغى أحداث الماضي المأساوية على العلاقات بين البلدين، وإلى تطوير علاقات مستقبلية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون

فقد شكّلت الوفيات التي وقعت في الدولة العثمانية خلال الأيام المظلمة من الحرب العالمية الأولى– والتي يصفها الجانب الأرميني بأنها إبادة جماعية، بينما تصفها تركيا بأنها حوادث مأساوية تكبد فيها الطرفان خسائر في ظل ظروف تلك الحقبة– مصدرا رئيسا للتوتر بين الأتراك والأرمن على مدى عقود طويلة.

وتنتهج تركيا سياسة تهدف إلى الحيلولة دون أن تطغى أحداث الماضي المأساوية على العلاقات بين البلدين، وإلى تطوير علاقات مستقبلية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون.

وفي هذا السياق، قال الرئيس رجب طيب أردوغان، في رسالة التعزية التي وجهها في 24 أبريل/نيسان من هذا العام، إن كثيرا من المواطنين العثمانيين من أصل أرمني عانوا معاناة شديدة خلال الحرب العالمية الأولى، وإنه يشارك الأرمن ألمهم، ويحيي مجددا بكل احترام ذكرى جميع المواطنين العثمانيين الذين فقدوا حياتهم.

وتأتي هذه الخطوات أملا في أن تساعد على تجاوز الذكريات المؤلمة بين البلدين، والتخلي عن السياسات العدائية، وتبني فكرة التعاون القائم على المنفعة المتبادلة.

وفي المحصلة، فإن انطباعي العام هو أنه، على الرغم من وجود بعض نقاط الخلاف، فإن كثيرا مما يلزم لبناء مستقبل مشترك بين تركيا وأرمينيا، قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بات متوافرا في جوهره، شرط أن تستمر السياسة في التحرك في هذا الاتجاه، وأن لا تؤثر أطراف ثالثة مختلفة سلبا في مسار الأحداث.

font change

مقالات ذات صلة