على مدى نحو ثمانية عقود، التزمت كوريا الشمالية بنمط صارم في توريث الحكم ضمن خلافة أبوية. وانتقلت السلطة المطلقة من الأب إلى الابن، فترسخ هرم مألوف يهيمن عليه الرجال، وبدا عصيا على التغيير.
غير أن الظهور العلني غير المسبوق لابنة كيم جونغ أون المراهقة، كيم جو آي، يفتح الباب أمام احتمال زعزعة هذا النسق. ففي مطلع عام 2026، عرضتها وسائل الإعلام الرسمية وهي تطلق النار من بندقية قنص بحضور كبار مسؤولي الحزب والجيش، ثم عادت في 19 مارس/آذار لتظهرها وهي تقود دبابة قتالية جديدة خلال تدريب تكتيكي.
ووفقا لجهاز الاستخبارات الوطني في كوريا الجنوبية، تبدو جو آي اليوم الاسم الأكثر ترجيحا لخلافة نظام كيم جونغ أون. ولم يعد التساؤل المطروح يتعلق بما إذا كان النظام الكوري يستعد لتقديم قائدة عليا، بل بالطريقة التي ستمكنه من تمرير هذا التحول داخل مجتمع شديد التمسك بالبنية الأبوية التقليدية. ويبدو أن النظام اهتدى إلى معادلته الخاصة عبر حملة مدروسة لصناعة الرموز والأساطير، تقوم على التلاعب اللغوي والصوري، إلى جانب ترسيخ مفهوم "السياسة الأمومية"، القائم على مزج عميق بين الرمزية السلالية وصورة القيادة الأمومية شبه المقدسة.
ويعتقد أن كيم جو آي تبلغ نحو 13 عاما، وبقيت بعيدة عن الأضواء طوال السنوات الأولى من حياتها. لكنها ظهرت للمرة الأولى أواخر عام 2022 في موقع لإطلاق صاروخ باليستي، في مشهد ربطها رمزيا بمنظومة الردع النووي في البلاد، فيما تكشف الصور الأحدث عن حضور أكثر انخراطا وفاعلية على الأرض. ومن خلال هذا الظهور المتدرج، يعمل النظام على إعادة تشكيل صورتها من وريثة تحاط بالحماية في الظل إلى قائدة قيد التكوين، مع ترسيخ حضورها داخل المؤسسة الدفاعية للدولة.

ويختلف هذا المسار، إلى حد ما، عن صعود كيم جونغ أون في مطلع العقد الثاني من الألفية. فعلى الرغم من أن النظام اختاره داخليا وريثا للسلطة عام 2009، فإن الوفاة المفاجئة لوالده، كيم جونغ إيل، عام 2011 اختصرت إلى حد كبير فترة تهيئته أمام الجمهور، ودفعته سريعا إلى خوض حملة لبناء شرعيته وإثبات أهليته.




