"مولع بزياد" والموسيقى كاختبار للمناخ السياسي

عبد الأمير عجام يغوص في عوالم الرحباني الابن

غلاف "مولع بزياد"

"مولع بزياد" والموسيقى كاختبار للمناخ السياسي

إذا كان عنوان كتاب الباحث والناقد الموسيقي العراقي علي عبد الأمير عجام "مولع بزياد" الصادر حديثا عن "دار التكوين" و"الرافدين"، ضمن سلسلة "تساؤلات"، يوحي للوهلة الأولى، بالمديح والانحياز المطلق لزياد الرحباني، الفنان المتفرد بموهبته وعبقريته التي لا خلاف عليها، إلا أن واقع الكتاب يبدد مثل هذا الانطباع السريع الذي يتركه العنوان لدى القارئ.

وعلى الرغم من أن المؤلف لا يخفي شغفه وانبهاره بفن زياد، عبر معايشة حثيثة لنتاجه، لكنه في المقابل لم يتغاض عما هو سلبي، في إطار نقد مسيرة زياد، إن في اتجاه كتابة زياد للنصوص الغنائية، أو في اتجاه تعامله الفني مع والدته في الفترة المتأخرة، وما ترتب على ذلك من أثر غير مستحسن على صورة فيروز لدى الكثر من محبيها، مثلما تمثل هذا الأثر في العديد من الأعمال التي كتبها زياد أو لحنها وأدتها، بعد طول تمهل منها.

يتمثل ذلك أيضا لناحية جرأة الرحباني الكبيرة في التجريب، لكن ليس كل تجريب أو تجديد يكون في الضرورة موفقا وناجحا إبداعيا، وهو ما قاربه الباحث بجرأة، لتحليه بالذائقة والخبرة اللازمتين لتقييم الأثر المعاين. والحال هذه، يكون القارئ أمام كتاب متوازن، لم يشتط بصاحبه الشغف والإعجاب بعيدا عن جادة ما هو موضوعي في تقييم فنان يبقى مثيرا للجدل، لا لما يتصل بموهبته ومنجزه الفني إجمالا، بل أيضا بما يتعلق بمواقفه كذلك، وهو الذي لم يكن يوما بعيدا عن السياسة، بالمعنى المباشر وغير المباشر، مما استجلب آراء متضاربة أو متطرفة عنه.

الأغنية ومنسوب الحرية

يتوقف المؤلف عند تسمية كتابه، مستعيدا في لفتة وفاء، الكاتب والمترجم المصري، صاحب الإنجازات الثقافية الكبيرة، ثروت عكاشة، الذي من بين ترجماته الكثيرة كتاب لجورج برنارد شو عن فاغنر، عنوانه الأصلي "فاغنر المثالي"، غير أن عكاشة ارتأى له عنوانا آخر من وحي شغفه بالموسيقي الألماني.

أغنية زياد هنا تغدو مؤشرا الى طبيعة المناخ الثقافي والسياسي لبلد ما، ومستوى ارتفاع أو انخفاض منسوب الحريات فيه

 فكان "مولع بفاغنر"، العنوان الذي يستجيب لتفاعلات عجام مع موسيقى زياد ومجمل فنه، في مختلف تجلياته. فهو "زياد الاستثنائي" بالنسبة له، وهذا ما يصلح عنوانا ثانيا أو رديفا أيضا. ومثلما دأب عجام في أكثر من كتاب سابق له، فقد زاوج بشيء من سيرته وموضوع الكتاب، وإن لم يكن في سطور السيرة هذه ما هو شخصي إلا بقدر ما يضيء على الواقع الاجتماعي أو السياسي العراقي، من ذلك قوله، أنه نسخ كاسيت "أنا مش كافر" (1985)، مائة مرة، ووزعها على أصدقاء وأقرباء له، مما دعا أحد أصدقائه الى أن يطلق عليه لقب "رسول الأغنية الزيادية في بغداد، التي كانت سلطاتها تمنع أغنيات كهذه"، لما يعنيه اسم صاحبها من شبهات لدى المؤسسة الثقافية، كونه "متمردا شيوعيا".

ضمن هذا الجو، يذكر المؤلف أيضا أنه عندما أراد نشر مقال عن زياد في مجلة "فنون"، عام 1986، اشترط عليه رئيس التحرير التوقف عند الجانب الموسيقي "المحض". إن أغنية زياد هنا ذات النفس الآخر، في الضرورة، تغدو مؤشرا الى طبيعة المناخ الثقافي والسياسي لبلد ما، ومستوى ارتفاع أو انخفاض منسوب الحريات فيه. ولا يستثنى من ذلك بلد زياد نفسه، لبنان. وما انتقاله، إبان الحرب الأهلية من الشطر الشرقي لبيروت، حيث سكنه ومحيطه الذي نشأ فيه، إلى الشطر الغربي منها، إلا دليل على افتقاده بيئة أكثر حرية وأمنا، تتصل بطبيعة فنه، فضلا عن باقي تجسدات خطابه، ككل.

نقد يتقصى

على الصعيد النقدي، يجد القارئ نفسه حيال قراءة موسيقية متوازنة ودقيقة ينتهجها المؤلف، عموما. ومتى ما تعلق الحديث بمعزوفة موسيقية أو أغنية، لا يتوانى عن تناول التفاصيل، كمثل تتبع الآلات الموسيقية المستخدمة وما تؤديه من أدوار، في هذه أو تلك من الأغاني أو المقطوعات الموسيقية. يقول عجام عن أسطوانة موسيقى "أبو علي" و"ميس الريم" (1978): "في الوجه الآخر من أسطوانة زياد، جاءت مقطوعة أبو علي التي تبدأ من جو الترقب عبر الإيقاعات المتتالية المتمهلة من الصنوج النحاسية المرافقة لمجموعة الدرامز، ثم تبدأ نقرات زياد على الكيبورد حتى تنتظم مع ضربات الغيتار لتعلو الإيقاعات في واحد من التمهيدات العجيبة في الموسيقى العربية المعاصرة".

AFP
فيروز خلال عرض مسرحية "ميس الريم" في مسرح بيكاديلي في بيروت عام 1975، إلى جانب زياد الرحباني ووليم حسواني

وفي صدد تناظر بعض أغاني أو موسيقى زياد مع فنانين آخرين، يشير إلى أن أغنية "أنا مش كافر" تقترب من أجواء أغنيات الشيخ إمام. وعن تجربة دمج الآلات الغربية والشرقية التي اعتمدها زياد، كما في أسطوانة "ميس الريم" المشار إليها آنفا، والذي أعطى "اندماجها" شكلا موسيقيا جديدا لا هو بالشرقي ولا هو بالغربي، ويطلق عليه "فيوجن"، هذا المصطلح الذي يعني بشكل دقيق، "اندماج شكلين موسيقيين وصولا إلى شكل واحد".

هذا الشكل أو الاتجاه كما يذكر الباحث كان قد سبق إلى تدشينه الموسيقار العراقي الرائد جميل بشير (1921ـ1977) من خلال مقطوعته الموسيقية "شلالات"، التي قدمها تلفزيون بغداد في الستينات، إذ زاوج فيها بين الهارب والعود والغيتار، بمشاركة عازفين من إسبانيا والأرجنتين، مما حقق له "إنتاج نغم جديد قائم على الاتصال الموسيقي والثقافي".

يثير المؤلف أيضا مسألة استجابة زياد لأجواء الموروث المصري، كما لدى سيد درويش، المفتقد في بيت العائلة، بسبب أن عاصي لم يكن يحب الموسيقى المصرية، فاستحضره زياد "على نحو جميل"، كما لا يمكن إغفال توظيفه من الموسيقى الغربية ما هو قريب من الروح الشرقية، "الجاز بالذات لتميزه بسلطنة" واضحة، كما يذكر. مثل هذه النماذج في القراءة وسواها، هي ما يعزز الانطباع عن نظرة الباحث الموضوعية، وتوازنه النقدي، المشار إليه.

JOSEPH EID / AFP
زياد الرحباني خلال حفله ضمن مهرجان "بيروت هوليدايز" في بيروت، 2019

زياد الاستثنائي

يتحدث المؤلف عن تحقق حداثة الموسيقى العربية على يد زياد، بتجاوز مرحلة النقاش والرفض الجاهز لها، وما ترتب على ذلك من أثر جمالي، لذا يجيء "مولع بزياد" كعرفان بالجوهر الفائق الجودة لـ"زياد الاستثنائي". وينقل في موضع آخر عن الشاعر اللبناني حبيب يونس وصفه لزياد بـ"العبقري نجل العبقري والأيقونة فيروز".

يثير المؤلف مسألة استجابة زياد لأجواء الموروث المصري، كما لدى سيد درويش، المفتقد في بيت العائلة، بسبب أن عاصي لم يكن يحب الموسيقى المصرية

 وإذا كانت تجليات زياد "الاستثنائي" أكثر من أن تحصى، غير أن لدى حديث كهذا لا يمكن إلا التوقف اندهاشا عند "الموهبة الخارقة" للفتى، بتعبير أستاذه الأول بوغوص جلاليان. ففي سن السابعة لاحظ والده عاصي الرحباني أن ابنه يؤلف موسيقى، وحين طلب منه إعادة عزف بعض هذه المقطوعات وقد بلغت اثنتي عشرة مقطوعة أعاد عزفها، فعمد عندها الأب إلى تدوين نوطتها، وقرر أن يبدأ زياد دراسة "البيانو" بشكل جدي قبل أن يبلغ التاسعة من عمره، وفقا لكتاب طلال شتوي "زمن زياد"، الكتاب، ذي الخصوصية والأهمية في مجاله.

 Anis MILI / AFP
زياد الرحباني خلال افتتاح الدورة الـ55 من مهرجان الحمامات الدولي في تونس، 2019

وليس أقل إدهاشا من الواقعة المذكورة، مسألة تلحين زياد وهو في سن الرابعة عشرة، أغنية "قديش كان في ناس" وكتابة المقطع الأول منها، فيما أكمل عمه منصور الرحباني كتابة بقية المقاطع. "قديش كان ناس/ عالمفرق تنطر ناس/ وتشتي الدني ويحملوا شمسية/ وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني". كان ذلك في العام 1970، وليس عام 1973، كما جاء في "الكرونولوجيا" الملحقة بالكتاب، التي غطت أبرز محطات زياد ونتاجه.

صورة فيروز حسب زياد

بما أن حضور فيروز كان طاغيا في الكتاب، وهو مما لابد منه، إذ لا يمكن لأي حديث أن يتم عن زياد أو الأخوة رحباني، بمن فيهم إلياس، دون فيروز، والعكس أيضا يصح. كيف لا والمسار يتشابك وكل يؤدي إلى الآخر. كيف لا و"أغنية فيروز الرحبانية، نوع من إعادة وعي الإنسان العربي للوردة، من كونها إشارة جمالية خارجية إلى كونها باعثا مستمرا على الإحساس بالجمال". وفي خصوص زياد، وهو الابن، فقد ارتبط فنيا بشكل مبكر جدا بالعائلة، وإذا كانت فيروز قد اتخذت مسارا مختلفا، حسب تعبير المؤلف، مع نصوص الشاعر جوزيف حرب وألحان زياد، مقارنة بمرحلة فيروز "الرحابنة" التي طغى فيها الطابع المثالي على أغاني الحب، غير أن المسار المختلف تمثل مع حرب وزياد، في أن صورة المرأة العاشقة "بدت أكثر نضجا، وأقرب للواقع". أيضا ظهرت في "معرفتي فيك" (1987)، كعاشقة من (عصرنا المأزوم و"الواقعي" أكثر مما ينبغي). لذا جربت من خلال أغنية "عودك رنان" الغناء النقدي الاجتماعي الساخر، وهو ما خبره زياد من قبل عبر مسرحيتيه "فيلم أميركي طويل" و"نزل السرور"، أو عبر أسطوانتيه "شريط غير حدودي" و"أنا مش كافر".

JOSEPH EID / AFP
زياد الرحباني خلال حفله ضمن مهرجان «بيروت هوليدايز» في بيروت، 2019.

لكن عجام يذهب أبعد من ذلك في تناول صورة فيروز مثلما بدت حسب تخطيطات زياد، بتعبيره، فيتساءل بمرارة، كيف أمكن فيروز، المنشدة البهية لأجواء من نوع "نحن والقمر جيران"، و"جسر القمر"، و"القناطر الغافية على الجداول"، أن تغني شيئا مثل "كان غير شكل الزيتون، كان غير شكل الصابون (....) كان أوسع هالصالون، كان أشرح هالبلكون، وطبعا إنت يا حبيبي كان حبك أد الكون"؟ كما كان محقا في امتعاضه من أن "غلاظة كلام" كهذا قد "جفف في صوت فيروز ما بقي فيه من ينابيع رقة". وفي موضوع آخر يقول، تطل فيروز جريئة وإن كان عليها أن تناقش نجلها مليا في أغنيتي "تنذكر ما تنعاد" و"حبني بس حبني".

جانب من نتاجاته الأخيرة لم يخل من بعض ملامح الإفراط في العبث ومن ملامسة أشكال من العدمية

 إجمالا، يمكن القول، إن أهم مآخذ الناقد في هذا الموضوع تنصب على طبيعة الكلام الذي تغنيه فيروز لزياد، ولم يكن مفهوم الأخير في كون "الأغنية هي موسيقى بالأساس، ولا فضيلة  أكبر للكلام فيها"، ليخفف فداحة "انثلام" صورة فيروز كما يحتفظ بها الكثير من محبيها في دواخلهم. مما يدفع إلى القول "إن جانبا من نتاجاته الأخيرة لم يخل من بعض ملامح الإفراط في العبث ومن ملامسة أشكال من العدمية"، حسبما ينقل عن كمال حمدان. من هنا فإن ذرائع "التجديد" لن تشفع في تبرير ما يمكن عدّه عثرات في المسير.

font change