تصدعات في جبهة "حميدتي"... كيف يتحقق السلام في السودان؟

تداعيات الانشقاقات المتتالية في "قوات الدعم السريع"

رويترز
رويترز
خديجة عيسى، لاجئة سودانية من مخيم الفاشر، تحمل هاتفا يعرض مقطع فيديو عرضه عليها مراسل من رويترز، تعرفت فيه على اقائد في "قوات الدعم السريع" الفاتح عبد الله إدريس، المعروف باسم أبو لولو، في مخيم تين للعبور شرق تشاد، في 23 نوفمبر 2025

تصدعات في جبهة "حميدتي"... كيف يتحقق السلام في السودان؟

منذ أبريل/نيسان 2023، أطلقت "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) آلة قتل وتدمير بلا كوابح في السودان. لم تكن الميليشيا منذ يومها الأول في الحرب مجرد طرف مسلح في نزاع، ولم تكن أداة قتال عادية تتبع منطق الحرب وأعرافها، بل كانت، في جوهرها، نظام عنف متكاملا؛ بندقية تتغذى على الغنيمة، وتعيش على اتساع الخراب، ولا تتوقف حين تنتهي المعركة، بل تتمدد في سعيها لتحطيم الدولة.

مارست "قوات الدعم السريع" أسوأ ما في الحروب من مناهج الإبادة والنهب والترويع والتهجير كشفت فيه عن طبيعتها بامتياز. وهذا التوصيف ليس بلاغة خطابية، ولا غضبا سياسيا عابرا، بل هو أدق وصف تحليلي لطبيعة مشروع الميليشيا وأدواته. فهي لم تمارس العنف باعتباره سلاحا في الحرب؛ بل كطريقة في الحكم، وأداة لاقتصاد افتراس مسلح، ووسيلة لإخضاع وترويع المجتمعات.

اليوم، تتصدّع هذه المنظومة وتتساقط أركانها. لا لأنها استيقظت على ضمير غائب، ولا لأن العنف تاب عن نفسه، بل لأن البنية التي منحتها سرعة التمدد الأولى كانت تحمل في داخلها بذرة انهيارها. فقد بنت "قوات الدعم السريع" أركان الانتماء إليها على الغنيمة لا على المؤسسة، وعلى العصبية لا على الوطنية، وعلى الرعاية الخارجية لا على الشرعية الداخلية، مما جعلها تبدو صلبة ساعة الانقضاض الأولى، لكنها تبدأ في التفتت حين تغيرت الكلفة والمصلحة والمآل.

بداية الانقسامات

بدأت سلسلة الانقسامات من "قوات الدعم السريع"، في أكتوبر/تشرين الأول مع اقتراب الجيش السوداني من تحرير ولاية الجزيرة، حين أعلن "أبو عاقلة كيكل" أحد أبرز قادتها هناك بل كان القائد الأعلى للميليشيا في ولاية الجزيرة، انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية. وبعد انشقاقه، شهدت قرى في شرق الجزيرة موجة عنف وانتقام واسعة بواسطة "قوات الدعم السريع"، شملت القتل والنهب والاعتداءات، في مشهد يكشف اعتماد الميليشيا على العقاب الجماعي.

التصدّع الداخلي لا يعني نهاية الخطر. فالوحش حين يضعف في الداخل، يبحث عن دعم من الخارج. وهنا تأتي خطورة البعد الإثيوبي

ثم جاء انشقاق النور أحمد آدم، المعروف بـ"القبة"، في أبريل/نيسان 2026، ليعمق الشرخ. فـ"القبة" ليس مقاتلا عابرا في أطراف "قوات الدعم السريع"، بل أحد وجوهها المؤسسة والميدانية. ويوصف على نطاق واسع بأنه الرجل الثالث في هذه "القوات". وهنا فإن التفكك أصبح يأتي من داخل العظم القيادي لها.

ثم تلى ذلك في مايو/أيار 2026، إعلان علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا" خروجه من "قوات الدعم السريع". و"السافنا" القائد الذي لعب دورا ميدانيا كبيرا في معارك كردفان وفي حصار الفاشر أيضا، ثم خرج ليقول إن "الدعم السريع" تعيش حالة انهيار وتفكك داخلي، وإن قرارات حميدتي باتت تُدار بإملاءات خارجية. كما قال إنه مستعد لـ"المحاسبة أمام القضاء" بشأن أدواره خلال الحرب، بعد إقراره بالمشاركة في إسقاط مناطق في كردفان.

أ.ف.ب
قائد "قوات الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خلال اجتماع في العاصمة السودانية الخرطوم في 8 يونيو 2022

هذه الوقائع لا ينبغي قراءتها كحكايات أفراد. من الخطأ أن نغرق في أسماء المنشقين كما يغرق الناس في دفتر الأنساب، وننسى البنية التي تصنع المعنى. السؤال الجوهري ليس: من انشق ومن لم ينشق؟ بل: ماذا يعني أن تبدأ منظومة عنف كهذه في فقدان قادتها من الداخل؟ ماذا يعني أن يصير الخروج منها ممكنا، بل مرغوبا، عند من كانوا بالأمس من حماتها؟ وماذا يعني أن يقابل بعض السياسيين هذه الانشقاقات بالغضب أو الاستخفاف أو الشك، كأنما كانوا ينتظرون من هؤلاء القادة أن يستمروا في القتل حتى تكتمل لهم هندسة التسوية التي يطمعون عبرها في جزء من السلطة؟

الجواب يبدأ من طبيعة "قوات الدعم السريع" نفسها. فقد بنت هذه الميليشيا قوتها على شبكة من الولاءات القبلية، والمصالح المالية، والحماية الخارجية، لا على عقيدة وطنية جامعة أو بنية مؤسسية مستقرة. هذه الشبكة منحتها قدرة هائلة على التمدد السريع حين كان النهب مفتوحا، والإمداد متدفقا، والخطاب الخارجي يوفر لها غطاء سياسيا. لكنها الشبكة ذاتها التي تجعلها عرضة للتفتت حين تصبح الكلفة أعلى من العائد، وحين يشعر القائد الميداني أن السفينة لم تعد تبحر نحو السلطة، بل تغرق في رمال دارفور وكردفان والجزيرة.

خطورة البعد الإثيوبي

غير أن هذا التصدّع الداخلي لا يعني نهاية الخطر. فالوحش حين يضعف في الداخل، يبحث عن دعم من الخارج. وهنا تأتي خطورة البعد الإثيوبي. ففي فبراير/شباط 2026، كشفت تقارير صحافية أن إثيوبيا تستضيف معسكرا سريا في إقليم بني شنقول-قمز لتدريب آلاف المقاتلين لصالح "قوات الدعم السريع"، بالقرب من الحدود السودانية، وأن المعسكر كانت به، بحسب التقرير، طاقة استيعابية تصل إلى عشرة آلاف مقاتل ونحو 4300 متدرب في يناير/كانون الثاني 2026. كما شنت هذه القوات بالفعل هجمات على مدينة الكرمك شرقي السودان، وكما انطلقت من الأراضي الإثيوبية مؤخرا هجمات بالطائرات المسيرة.

ينبغي أن لا نُحمّل هذه الانشقاقات أكثر مما تحتمل من دلالات، ولا أن نُقلّل من معناها الميداني والسياسي في نفس الوقت

هذا المعسكر ليس تفصيلا حدوديا، ولا خبرا أمنيا عابرا. إنه محاولة لصناعة رئة خارجية لميليشيا بدأت تختنق داخليا. فإذا كانت القيادات تتفكك، والولاءات تضطرب، والخسائر تتراكم، فإن الحل عند رعاة الحرب ليس وقف الجريمة، بل تدويل مخزونها البشري: مقاتلون جدد، خطوط عبور جديدة، مطارات حدودية، طائرات مسيّرة، وتوسيع رقعة النار. وقد أشارت تحقيقات صحافية إلى تحديثات في مطار أصوصا، بينها منشآت مرتبطة بتشغيل المسيّرات، وكما أصبح وجود المرتزقة الأجانب في الميليشيا يصل إلى قرابة 60 في المئة من الموجودين في صفوفها في سياق يتصل بتحول الحرب إلى شبكة إمداد عابرة للحدود.

أما إثيوبيا، فإن تورطها هذا هو خطأ استراتيجي فادح. فالسودان لم يتعامل مع الجوار الإثيوبي بمنطق الهدم. حتى في ملف سد النهضة، بكل تعقيداته ومخاطره، ظل الموقف السوداني في أوقات كثيرة أقرب إلى البرغماتية وإدارة المصالح منه إلى شيطنة الجار. لكن تحويل الحدود إلى ممر لتدريب مقاتلين ضد الدولة السودانية ليس سياسة جوار؛ إنه عبور من الدبلوماسية إلى التورط. والجوار، كما يعرف أهل الحدود، ليس خطا على الخريطة فقط؛ إنه سوق ومرعى وماء ومصاهرة وذاكرة. ومن يسكب السلاح في هذا النسيج لا يشعل حرب السودان وحده، بل يضع النار في قش الإقليم كله.

أ.ف.ب
مخيم كومر للاجئين، بالقرب من ماجانان، على بعد 70 كم من الحدود السودانية في منطقة أمهرة الإثيوبية، في 29 فبراير 2024

كيف تتوقف الحرب؟

الانتصارات المتتالية للجيش السوداني منذ تحرير الخرطوم والجزيرة ومؤخرا فك الحصار عن مواقع استراتيجية في كردفان، ساهمت في الهزيمة المعنوية للميليشيا التي أصبحت تتخبط، بينما تسعى عبر تحالفها السياسي (تأسيس) إلى الانخراط في أي عملية سياسية يطرحها المجتمع الدولي، مدعومة بأطروحات تحالف "تقدم" الذي يرأسه رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك.

مع ذلك، ينبغي أن لا نُحمّل هذه الانشقاقات أكثر مما تحتمل من دلالات، ولا أن نُقلّل من معناها الميداني والسياسي في نفس الوقت. الانشقاقات من داخل الميليشيا لا تنهي الحرب بذاتها، ولا تقيم السلام بمجرد وقوعها. لكنها تُضعف الميليشيا، وتكسر شوكتها، وتضعضع أركان آلة القتل والنهب والتدمير التي أطلقتها. هذا هو معناها العملي: كل بندقية تخرج من يد الميليشيا، وكل قائد يفك ارتباطه بها، وكل مجموعة تغادر صفوفها، إنما تخصم من قدرتها على إيذاء السودانيين، وتقلل من سعة الخراب الذي تتخذه منهجا وموردا وسياسة.

المشكلة ليست في قول إن التفاوض ضروري، بل في تحويل هذه الجملة الصحيحة إلى ستار يحجب حقيقة أن التفاوض لا يكون أكثر جدية حين تكون الميليشيا أقوى، بل حين تفقد قدرتها على فرض الحرب كأداة ابتزاز سياسي

ولهذا بالضبط، لا مصادفة في غضب الساسة المتماهين مع الميليشيا والمستنفعين من استمرار وجودها وعنفها. فهؤلاء لا يغضبون لأن الانشقاقات تعطل السلام، بل لأنها تُضعف الأداة التي يستثمرون فيها سياسيا. يريدون ميليشيا متماسكة بما يكفي لابتزاز الدولة، وفرض شراكة جديدة على مقاعد الحكم، ويقايضون بها دماء السودانيين على موائد التسوية. ولذلك تبدو دعاواهم عن "وقف الحرب" مثل "قميص عثمان" جديد: يرفعونه حين يخدم بقاء الميليشيا، ويخلعونه حين يبدأ جسدها في التصدع.

ما يوقف الحرب فعلا هو إنهاء الوجود المؤسسي لـ"قوات الدعم السريع": تفكيك بنيتها العسكرية، قطع خطوط تمويلها وتسليحها، إنهاء رعايتها الخارجية، وتجريد مشروعها السياسي من القدرة على الابتزاز المسلح. وهذا يمكن أن يحدث سلميا وعبر التفاوض متى ما توقّف الذين يغذّون أوهامها وأطماعها السياسية ويرفعون من سقف مطالبها السياسية على حساب الشعب السوداني، ومتى ما انقطع عنها السلاح والعتاد الحربي والسياسي، ومتى ما كفّ رعاتها عن معاملتها كرصيد تفاوضي لا ككارثة وطنية.

وهنا فإن الميزان الصحيح هو أن نفتح الباب لتفكيك الوحش، ولكن ليس أن نفتح نافذة للإفلات من العدالة. فالدولة لا تملك سوى سلطة العفو عن الحق العام، ولكن الحقوق الفردية لا يمكن إسقاطها وباب التقاضي وطلب العدالة مفتوح للمواطنين وللمجتمع المدني الذين تضرروا من هؤلاء القادة. ولكن في ميزان الدولة، سيبقى دفع مفاسد استمرارهم في خندق الميليشيا مقدما على ما عداه.

رويترز
رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك يتحدث خلال مؤتمر صحافي في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 16 أبريل 2023

لكن هذا الميزان غائب عند بعض من يتحدثون باسم تحالف "صمود". فقد قال بكري الجاك، الناطق الرسمي باسم التحالف، إن من يعتقد أن الحرب ستتوقف بانشقاقات "سينتظر كثيرا"، مضيفا أن قبول بعض المنشقين مثل "السافنا" و"القبة" ينبغي أن يكون مدخلا للتفاوض والحوار السياسي الشامل، دون أن يوضح ما الذي يعنيه بذلك. فباب الحوار السياسي الشامل مفتوح لكل من ينحاز للسودانيين ضد هذه الميليشيا وما أنزلته ببلادهم من دمار وبشعبها من أذى.

ومن حيث الظاهر، يبدو كلام الجاك دعوةً إلى التفاوض. ولكنه في حقيقته، يخلط بين أمرين مختلفين: الانشقاق بوصفه إضعافا لآلة القتل، والتفاوض بوصفه مسارا لإنهاء الحرب. نعم، الانشقاقات وحدها لا توقف الحرب، وهذه بدهية لا تحتاج إلى منبر لإعلانها. لكن هل المطلوب، إذن، أن يبقى قادة الميليشيا داخلها يواصلون القتل حتى يكتمل نصاب التفاوض؟ هل تصبح البندقية أكثر قبولا أخلاقيا لأنها لم تنشق بعد؟ وهل يكون "الميليشياوي"، لدى بكري الجاك أقل خطرا حين يظل في صفوف الميليشيا، وأكثر إزعاجا حين يغادرها؟

المشكلة ليست في قول إن التفاوض ضروري، بل في تحويل هذه الجملة الصحيحة إلى ستار يحجب حقيقة أبسط: التفاوض لا يكون أكثر جدية حين تكون الميليشيا أقوى، بل حين تفقد قدرتها على فرض الحرب كأداة ابتزاز سياسي. التفاوض الذي يقوم على تفكيك آلة القتل يختلف جذريا عن التفاوض الذي يحافظ عليها بوصفها شريكا سياسيا في المستقبل. الأول طريق إلى إنهاء الحرب، والثاني طريق إلى تقنينها.

أما خالد عمر يوسف، القيادي في "صمود" و"المؤتمر السوداني"، فقد مضى في نفس الدرب عندما علّق على عودة كيكل والنور (القبة) والسافنا وغيرهم إلى ما أسماه "حضن الوطن"، بالقول إن ذلك لا يحل المشكلة الرئيسة، وإن الحرب لا تزال تعصف بأرجاء واسعة من البلاد، كما ورد في تقارير صحافية عن تصريحاته. وذهبت عناوين أخرى إلى أنه اعتبر عودة هؤلاء تسقط حجج "دعاة الحرب" أو تكشف استمرار الحرب رغم انشقاقهم.

السودان اليوم أمام مهمة مزدوجة: أن يفتح الباب لكل من يريد الخروج من ماكينة القتل، وأن يغلق الطريق أمام إعادة تدويرها سياسيا أو إقليميا

وهنا أيضا، لا خلاف على أن الانشقاقات لا تحل المشكلة كلها. غير أن السؤال السياسي الحقيقي هو: هل لأنها لا تحل كل المشكلة ينبغي التقليل من أثرها؟ هل نرفض الدواء لأنه لا يشفي المرض كله من جرعة واحدة؟ في السياسة، كما في الحرب، لا تُقاس الخطوات الجزئية بقدرتها على إنجاز النهاية دفعة واحدة، بل بقدرتها على تغيير ميزان القوة باتجاه النهاية الصحيحة. والنهاية الصحيحة هي إضعاف الميليشيا لدرجة إجبارها على التفاوض لتفكيك نفسها سلميا وهذه الانشقاقات تغيّر ميزان القوة. ربما لا تكتب خاتمة الحرب، لكنها تمزق بعض صفحاتها السوداء.

إن خطاب "صمود" في هذه النقطة يكشف مأزقا أعمق: مأزق قوى تريد الظهور بمظهر دعاة السلام، لكنها لا تستطيع أن تقول بوضوح إن تفكيك "الدعم السريع" مصلحة وطنية لأنها تريد الاستفادة من وجودها سياسيا بترويج خطاب بأن "الطرفين مجرمان"، وإنتاج حالة مساواة بين جهاز الدولة وأدوات عنف الميليشيا. وأن تقف هذه القوى في منتصف الطريق بين الضحية والجلاد، مع أن منتصف الطريق هنا ليس حيادا، بل موضع آخر من مواضع الانحياز.

أ.ف.ب
عناصر من الجيش السوداني أثناء دورية في مدينة صالحة، جنوب أم درمان، بعد يومين من استعادة الجيش السوداني للمدينة من قوات الدعم السريع، في 22 مايو 2025

هذا هو جوهر المسألة: من يعترض على إضعاف الميليشيا عمليا، أو يستخف به، أو يساويه باستمرار الحرب، إنما يتعامل مع قوة القتل كرأسمال سياسي. ولذلك يبدو موقفه، حتى لو غُلّف بلغة السلام، كأنما يقول لقيادات الميليشيا المنشقة: لماذا خرجتم الآن؟ كان عليكم أن تبقوا في مواضعكم حتى تأتي التسوية التي تجعل منكم حليفا سياسيا معترفا به ويدعمنا في مستقبل السودان. وهذا ليس موقفا ضد الحرب، بل موقف ضد هزيمة الأداة التي صنعت الحرب.

السودان أمام مهمة مزدوجة

إن السلام الحقيقي في السودان يبدأ من إنهاء الوجود المؤسسي لـ"قوات الدعم السريع" وأي شيء غير ذلك هو هدنة مع الخراب. والسلام الذي يحفظ للميليشيا بنيتها وسلاحها وامتيازاتها هو تأجيل للحرب وتصعيد مؤجل لها وليس إنهاء لها. والعملية السياسية التي تبدأ من مكافأة الميليشيا بمقعد سياسي لا من تفكيكها ستكون نسخة أخرى من تلك الحرفة السودانية القديمة في ترقيع الثوب المحروق: نخيط حول النار ونتركها تأكل القماش من الداخل.

السودان اليوم أمام مهمة مزدوجة: أن يفتح الباب لكل من يريد الخروج من ماكينة القتل، وأن يغلق الطريق أمام إعادة تدويرها سياسيا أو إقليميا. التفكيك لا يعني الفوضى، والمحاسبة لا تعني تعطيل الانشقاق، والسيادة لا تعني إنكار الحاجة إلى تسوية سياسية. لكنها تسوية تبدأ من الحقيقة لا من المساواة الزائفة بين الدولة والميليشيا، وبين من يريد إنهاء البندقية ومن يريد تقنينها. وهنا تبدو المفارقة في حديث قادة "صمود" أكثر وضوحا. فهم بتصريحاتهم هذه وكأنهم يقولون و"ماذا عنا؟"، هل في المركب مساحة لنلتحق بها قبل غرق الميليشيا.

أ.ف.ب
صورة نشرتها قوات الدعم السريع في 30 أكتوبر 2025، تظهر عناصر من "قوات الدعم السريع" وهم يعتقلون مقاتلا يُعرف باسم أبو لولو (يسار) في الفاشر، في منطقة دارفور غرب السودان

وهذا بالطبع هو تساؤل مشروع وحق مكفول لهم، ولكنه يتطلب منهم في البدء اتخاذ الخيار الشجاع بالتوقف عن توفير الرصيد السياسي المعنوي للميليشيا والتماهي معها وإيجاد التبريرات والدفاع عن الجهات الداعمة والمحركة لـ"قوات الدعم السريع" وتغذية خطابها السياسي ومحاولة الدفع بتسوية تقنن وجودها، أصالة أو عبر تحالفها السياسي "تأسيس" الذي ما فتئت "صمود" تطالب بإدراجه في العملية السياسية وكأنه فاعل سياسي طبيعي وإعلان موقف صريح من مستقبل وجودها المؤسسي في الساحة السياسية دون إغراقه في متاهة تخليط معرفية ومحاولة تبرئتها من أوزار إشعال الحرب. وهو ما ظلت تتبناه صمود منذ تأسيسها. هذا الموقف من الانحياز المبدئي ضد من أذاق السودانيين الأمرّين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، هو الحد الفاصل بين التماهي مع الميليشيا والانحياز إلى بقاء الوطن.

السودان لا يطلب من أبنائه أن يعودوا ملائكة، بل أن يكفوا عن أن يكونوا وقودا في محرقة غيرهم. أما العدالة، فستأتي لا كغضب عابر، بل كذاكرة دولة تستعيد نفسها من تحت الرماد

وهنا يصبح الفرق واضحا بين من يريد إنهاء الحرب ومن يريد إدارة توازنها. الأول يسعى إلى كل ما يضعف آلة القتل، حتى وهو يطالب بالعدالة. والثاني يقلق من ضعف الميليشيا، لأنه بنى مشروعه السياسي على بقائها. الأول يرى في الانشقاق خصما من قدرة الجريمة. والثاني يرى فيه خصما من قدرة التفاوض باسم الجريمة. الأول يسأل: كيف نحمي السودانيين؟ والثاني يسأل: كيف نحافظ على منصة التسوية؟

إن السودان لا يحتاج إلى سلام يعيد للميليشيا هندامها بعد أن اتسخ بالدم. لا يحتاج إلى من يغسل البندقية في ماء اللغة السياسية، ثم يعيدها إلى كتف الجلاد باسم الشمول والواقعية. بل يحتاج إلى عملية وطنية واضحة المعالم: وقف الدعم الخارجي ووقف إمداد السلاح والمال والغطاء السياسي، وفتح مسارات خروج آمنة لمن يفك ارتباطه بآلة القتل، وإخضاع المتورطين في الجرائم للمساءلة، وإعادة بناء مؤسسة أمنية واحدة تحت سلطة الدولة، وتجريم أي صيغة تعيد إنتاج "الدعم السريع" ككيان سياسي أو مؤسسي مسلح داخل مستقبل السودان.

الوحش يتصدّع. هذه حقيقة. لكن التصدّع وحده لا يكفي. لا بد أن يتحول إلى سياسة: استقبال من يفك ارتباطه، عزل من يصر على الارتهان، تجريم شبكات التمويل والتسليح، وملاحقة الجناة أمام القانون. فالسودان لا يطلب من أبنائه أن يعودوا ملائكة، بل أن يكفوا عن أن يكونوا وقودا في محرقة غيرهم. أما العدالة، فستأتي لا كغضب عابر، بل كذاكرة دولة تستعيد نفسها من تحت الرماد.

والذين يغضبون من ضعف الميليشيا عليهم أن يختاروا لغتهم بصدق: إما أنهم مع وقف الحرب، وهذا يبدأ بإضعاف آلتها وإنهاء وجودها المؤسسي؛ وإما أنهم مع بقاء الميليشيا قوية بما يكفي لابتزاز الدولة والمجتمع. أما الجمع بين دمعة السلام وحراسة البندقية، فهذه حيلة قديمة يعرفها السودانيون جيدا. فقد رأوا كثيرا من تجار السياسة يبيعون النار في النهار، ثم يأتون ليلا لوعظ الناس عن فضيلة الماء.

font change