تعود العلاقات البريطانية-الخليجية الى أكثر من قرنين، منذ بدأت المملكة المتحدة تطوير علاقات سياسية وأمنية وتجارية مع دول الخليج عبر شركة الهند الشرقية، قبل أن يتعزز حضورها الرسمي في المنطقة عام 1820 من خلال "المعاهدة البحرية العامة" مع مشيخات الساحل المتصالح (الإمارات العربية المتحدة حاليا)، بهدف تأمين الملاحة والتجارة البريطانية ومكافحة القرصنة في الخليج، فضلا عن مواجهة النفوذ العثماني والروسي والفرنسي آنذاك. وخلال القرن التاسع عشر، حافظت بريطانيا على نفوذ واسع في المنطقة، سواء عبر شركة الهند الشرقية أو من خلال الإدارة البريطانية المباشرة.
تُوِّج ذلك في حينه بتوقيع الاتفاقية البريطانية ـ الكويتية مع الشيخ مبارك الصباح في 23 يناير/كانون الثاني 1899، التي وضعت الكويت تحت الحماية البريطانية عمليا. كما أبرمت بريطانيا مع الملك عبد العزيز آل سعود معاهدة دارين عام 1915، ثم اتفاقية جدة عام 1927 التي اعترفت باستقلال مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها.
بلغت قيمة التجارة في السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي 53 مليار جنيه استرليني (71.1 مليار دولار) عام 2025
قبل أيام، في 20 مايو/أيار الجاري، أبرمت المملكة المتحدة اتفاقية التجارة الحرة مع مجلس التعاون الخليجي، وهي تنص على توظيف استثمارات ومبادلات تجارية تتجاوز قيمتها 3.7 مليار جنيه استرليني (5 مليارات دولار).
سبق التوقيع مفاوضات منذ سنوات بين مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة تناولت الجوانب الاقتصادية ذات الصلة كافة، سواء ما يتعلق بالتبادل التجاري أو توظيف الاستثمارات الخليجية في الصناعات والنشاطات الاقتصادية داخل المملكة المتحدة أو التعاون مع المؤسسات البريطانية لتطوير وتنمية أنشطة متنوعة في دول الخليج.
تاريخ عريق للعلاقات الخليجية - البريطانية
ظلت دول الخليج على صلة بالنشاط البريطاني من خلال علاقاتها بالهند وتجارتها المزدهرة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. واستخدمت دول الخليج الروبية الهندية، ثم "الروبية الخليجية" التي أصدرتها الهند عام 1959، كعملة متداولة في الأسواق المحلية حتى منتصف ستينات القرن الماضي، قبل أن تتجه الدول الخليجية تدريجيا إلى إصدار عملاتها الوطنية بعد خفض قيمة الروبية عام 1966.
مشهد عام لناطحات السحاب في حي المال "ذي سيتي" في لندن، المملكة المتحدة، 8 مايو 2021
وشكلت الروابط التجارية مع الهند أحد أبرز ملامح العلاقة مع بريطانيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين حتى بدايات عصر النفط، غير أن اكتشاف النفط منذ عشرينات القرن الماضي مثّل نقطة التحول الأهم في تطور العلاقات الاقتصادية البريطانية - الخليجية وتسارع توسعها.
وقد حصلت الشركات البريطانية مثل شركة النفط الأنكلو - إيرانية (Anglo-Iranian Oil Company ) التي تحوّلت عام 1954 إلى شركة البترول البريطانية (BP) على امتيازات للتنقيب والاستخراج في عدد من دول الخليج حيث جرى التوقيع، مثلا، لتأسيس شركة نفط الكويت (KOC) عام 1934 بين شركتي BP البريطانية وشركة "غلف أويل" (Gulf Oil) الأميركية مع إمارة الكويت في عهد الشيخ أحمد الجابر.
في طبيعة الحال، قاد اكتشاف النفط في بلدان الخليج إلى تحولات اقتصادية وسياسية عميقة في العلاقات مع المملكة المتحدة، مع تنامي الحضور الاستثماري والنفوذ الاقتصادي البريطاني في المنطقة لعقود، قبل أن تتجه الحكومات الخليجية تدريجيا خلال سبعينات القرن الماضي إلى تأميم أو زيادة سيطرتها على المصالح النفطية الأجنبية. وجاء النفط ليحل محل تجارة اللؤلؤ الطبيعي التي شكلت لعقود المصدر الرئيس للإيرادات والنشاط الاقتصادي في الخليج.
"مجلس الاستثمار الكويتي" في لندن
تشير البيانات والإحصاءات المتاحة بأن قيمة التجارة في السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجية بلغت 53 مليار جنيه استرليني ( 71.1 مليار دولار) عام 2025. وتتركز التجارة بالآلات والمعدات والمواد الغذائية، فضلا عن كون الخدمات المالية والتقنية من أهم مدخلات التجارة بين الطرفين. وكما هو معلوم، بدأت دول الخليج نشاطها الاستثماري المبكر في بريطانيا منذ خمسينات القرن الماضي، إذ أسست الكويت عام 1953 "مجلس الاستثمار الكويتي" في لندن لإدارة واستثمار الفوائض المالية الناتجة عن الإيرادات النفطية، بعد تغطية متطلبات الإنفاق العام، في خطوة تُعد من أوائل تجارب الصناديق السيادية في العالم.
وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت (يسار) يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي (أمام، الثاني من اليسار) وأعضاء الوفد، خلال مراسم توقيع في "10 داونينغ ستريت" في لندن ، 20 مايو/أيار 2026
واتسمت إدارة تلك الأموال منذ البدايات بسياسات استثمارية محافظة ركزت على الحفاظ على رأس المال وتنويع الأصول وتوفير مستويات مرتفعة من السيولة، بما يضمن حماية الفوائض النفطية واستدامتها على المدى الطويل.
وتُقدَّر قيمة الاستثمارات الخليجية في المملكة المتحدة بأكثر من 100 مليار دولار، مع لعب الصناديق السيادية الخليجية دورا رئيسا في ضخ هذه الاستثمارات عبر قطاعات العقارات والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية.
وتتنوع الاستثمارات الخليجية بين العقارات والبنية التحتية والخدمات المالية والتكنولوجيا، إلى جانب حصص في شركات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
على الرغم من مواجهة الاقتصاد البريطاني ضغوطا كبيرة في بين الاقتصادات الرئيسة، لا تزال بريطانيا عضوا في نادي الاقتصادات السبعة الكبار. وهي تأتي في المركز الرابع بين اقتصاديات مجموعة G7 ويعادل ناتجها المحلي الإجمالي 3.7 تريليون دولار.
تُقدَّر قيمة الاستثمارات الخليجية في المملكة المتحدة بأكثر من 100 مليار دولار، وتلعب الصناديق السيادية دورا رئيسا فيها
وقد فقدت بريطانيا ميزات نسبية عديدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولم تعد ذلك المركز الصناعي الكبير الذي عُرفت به منذ أواسط القرن الثامن عشر. تراجعت صناعة السيارات والسفن والمنسوجات. وبلغت قيمة الصادرات البريطانية من السلع والخدمات 931 مليار جنيه استرليني (1.2 تريليون دولار) عام 2025 في حين كانت قيمة الواردات في العام ذاته 970 مليار جنيه استرليني (1.3 تريليون دولار).
وحرم خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أو ما أطلق عليه اسم "بريكست" (Brexit)، بعد استفتاء عام 2016، من الميزات التي كانت تتمتع بها في علاقاتها التجارية والاستثمارية مع بلدان الاتحاد الأوروبي. ودفع هذا الخروج إلى تراجع في الأداء الاقتصادي والبحث عن شركاء يمكن أن يعوضوا جزءا من العوائد التي كانت تجلبها العضوية في الاتحاد الأوروبي .
ما أبرز بنود الاتفاق بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة؟
تؤكد الاتفاقية على إعفاء نحو 93 في المئة من الصادرات البريطانية إلى أسواق الخليج من الرسوم الجمركية، تضاف إلى ذلك تسهيلات لوجستية منها تسريع عمليات ترخيص الاستيراد والتخزين وتسهيل الإجراءات البيروقراطية. وتمنح الاتفاقية تسهيلات في الأعمال الاستثمارية المتبادلة وتشير بنود الاتفاقية الى أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة "SME" وإفساح المجال أمام المستثمرين لتوظيف الأموال في مثل هذه المشروعات في بريطانيا.
ويرى البريطانيون أن اقتصادات دول الخليج التي تحقق ناتجا إجماليا يبلغ 2 تريليون دولار سنويا تمثل سوقا مهمة للاستيراد من المملكة المتحدة خلال السنوات المقبلة. يضاف إلى ذلك أن الحرب الأخيرة والأخطار الايرانية عززت احتياجات دول الخليج للمنظومات الدفاعية التي تفتح المجال أمام الصناعات العسكرية البريطانية.
ويقدّر الجانب البريطاني، استنادا إلى بيانات مكتب الإحصاءات الوطني (ONS)، أن حجم التجارة بين بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي، البالغ نحو 53 مليار جنيه إسترليني (71.1 مليار دولار)، قد يرتفع بنحو 19.8 في المئة بموجب الاتفاقية، بما يعادل زيادة سنوية تقارب 15.5 مليار جنيه إسترليني (20.8 مليار دولار) على المدى الطويل.
مبنى بنك إنكلترا فيقيمة التجارة في السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجية بلغت 53 مليار جنيه استرليني ( 71.1 مليار ، 7 أغسطس 2025، بعدما خفّض بنك إنكلترا سعر الفائدة الرئيس بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 4 في المئة
تهدف الاتفاقية إلى تعزيز أنشطة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة. وكما سبق ذكره، فإن تعزيز دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة يعد من أهم الأهداف الذي يشمل تلك المشروعات في بريطانيا أو بلدان دول مجلس التعاون.
لا تزال المملكة المتحدة تتمتع بقدرات جيدة في مجالات تقنية عالية يمكن الاستفادة منها في تطوير أنشطة متعددة في دول الخليج. ويراهن كل من البريطانيين والخليجيين على العلاقات التي تربطهما منذ زمن طويل لتفعيل الاتفاقية الجديدة للإسهام في بناء علاقات اقتصادية وطيدة للاستفادة من الميزات النسبية لدى الطرفين.
غني عن البيان أن دول الخليج، بما تملكه من فوائض مالية وصناديق سيادية ضخمة، تمثل شريكا استثماريا بالغ الأهمية بالنسبة للمملكة المتحدة . فقد واجه الاقتصاد البريطاني خلال السنوات الأخيرة تحديات معقدة أربكت الحكومات المتعاقبة، وأسهمت في سقوط حكومات محافظة وتبدّل رؤساء وزراء عدة خلال فترة زمنية قصيرة، لا سيما منذ جائحة كوفيد-19، وسط صعوبة الموازنة بين سياسات التحرير الاقتصادي ومتطلبات تمويل الرعاية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تعوّل الحكومة البريطانية على الاتفاقية الجديدة للإسهام، ولو جزئيا، في تنشيط الاقتصاد وجذب مزيد من الاستثمارات الخليجية، فيما تأمل دول الخليج بدورها أن تساعد الاتفاقية في إعادة دفع الاقتصاد البريطاني نحو النمو والاستقرار، الأمر الذي يفسر حرص لندن على تقديم تسهيلات وحوافز جاذبة للمستثمرين الخليجيين. ومع ذلك، تبقى النتائج الفعلية رهنا بالتطورات الاقتصادية العالمية والبريطانية خلال السنوات المقبلة.