أن تجاور أعمال كيث هارينغ (1958ـ 1990) وجان ميشال باسكيا (1960 ــ 1988) أعمال مرشدهما الروحي وصاحب النفوذ في الفضاء الفني النيويوركي أندي وارهول (1928 ــ 1987)، فتلك مسألة معقدة تخضع لشروط العلاقة الشخصية قبل أن تكون استجابة لعناصر فنية وتاريخية ضاغطة. لا علاقة لأسلوبي الفنانين اللذين ماتا صغيرين بأسلوب الفنان الذي طبع عصره بسطحية موضوعاته الملغزة التي تتسم بطابع شعبوي من جهة الرؤية كما من جهة تقنية التنفيذ. أما أن يجتمع وارهول بجيف كونز وداميان هيرست ومارينا براموفيتش وسواهم من الفنانين المعاصرين، فتلك مسألة يمكن تأملها بطريقة سلبية.
ما الذي يفكر فيه منظمو معرض رواد الفن المعاصر الذي يقيمه متحف الفن الحديث والمعاصر (موكو) ببرشلونة؟ كان هناك معرض شخصي للرسام البريطاني الغامض الهوية بانكسي خصصت له ثلاث قاعات. مع العلم أن بانكسي يملك متحفا هامشيا في المدينة. ما هذه الفوضى؟ بانكسي فنان شارع وهو لا ينتمي إلى أسلوب "البوب آرت" ولا إلى الفنون المعاصرة. كيف يمكن أن نجلبه إلى بيت الطاعة؟ أعلينا ألا نقع في الفخ أم علينا أن نستجيب لما صار سياق تفكير كما لو أن كل شيء يقوله منظمو المعارض صحيح؟
غير أن شيئا من ذلك الغموض ينجلي حين نشاهد لوحة لسلفادور دالي (1904 ــ 1989) وقد تم ضمها إلى المعرض. وإذا كان دالي هو ابن كاتالونيا غير أن متحفا باسمه لم يقم في برشلونة كما هي حال زميله السوريالي الآخر خوان ميرو. ما يفهم من عرض تلك اللوحة التي قال صاحبها "أنا السوريالية"، أن منظميه لم يكترثوا كثيرا بالمسافات التي تفصل بين تيار أو نوع فني وآخر، بقدر ما انصب اهتمامهم على الأعمال التي يملكها المتحف لكي تكون ملائمة لفكرتهم عن المعاصرة. إنها معاصرة على الطراز الكاتالوني الضيق. لذلك فإنها لا تصلح أن تكون أساسا لقراءة نقدية يراد من خلالها مراجعة التاريخ. على سبيل المثل، من العسير أن يتقبل المرء اجتماع الأميركي جيف كونز والكاتالوني سلفادور دالي تحت سقف واحد. كما لا أعتقد أن مخازن المتحف، أي متحف، تصلح للإلهام دائما. غير أن لمنظمي المعارض وجهة نظر أخرى تتتسم بقدر لا يخفى من التعالي هربا من المساءلة النقدية.
دمية مستعارة
ليس الترتيب الذي وضعت فيه المعروضات مهما ولا مرشدا. أبدأ بـ"جوجو"، وهي عبارة عن دمية أطفال تم تكبيرها من قبل الفنانة الاوسترالية المقيمة في نيويورك سي هندري. صار الكثير من الفنانين المعاصرين يفعل ذلك. ويعتبر الدب الذي يتوسط مطار حمد الدولي بالدوحة أشهرها. ذلك العمل هو من صنع الفنان السويسري أورس فيشر. في حقيقة الأمر فإن فيشر لم ينحته بل قدم نسخة صغيرة منه قد تكون الدمية الأصلية وقد اشتراها من السوق إلى أحد المعامل لكي يتم تكبيرها بما يناسب مطارا ينافس بسعته وكثرة خدماته أكبر المطارات في العالم.



