هل ينجح الزيدي في حل عقدة الكهرباء في العراق؟

الحكومة العراقية الجديدة تواجه إرثا ثقيلا من الاعتماد على الغاز الإيراني، وضغوطا أميركية متزايدة

المجلة
المجلة

هل ينجح الزيدي في حل عقدة الكهرباء في العراق؟

تتجه الأنظار إلى رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي لتعزيز علاقات بغداد مع الولايات المتحدة، في وقت يعمل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تحجيم نفوذ إيران في العراق والمنطقة، في مسعى قد تكون له انعكاسات مباشرة على ملفات حيوية، أبرزها قطاع الطاقة والكهرباء.

يخلف الزيدي رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، الذي مهّد منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2022 الطريق أمام عمالقة الطاقة الأميركيين لإبرام صفقات بمليارات الدولارات. وقد عززت اتفاقات تنقيب وتطوير متعددة وجود شركات مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون" في قطاع النفط الحيوي في العراق، الذي كانت تهيمن عليه شركات صينية وأوروبية لسنوات طويلة.

ويعتقد أن السوداني، على غرار سلطات إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه ذاتي، سعى من خلال الصفقات النفطية إلى تعزيز الدعم الأميركي للعراق وتخفيف الضغوط على البلاد المرتبطة بالعقوبات، وذلك عبر تقديم شروط أكثر جاذبية لشركات الطاقة الأميركية مقارنة بالعقود السابقة.

يُنظر إلى الزيدي باعتباره أحدث قائد إقليمي يبدي تقاربا مع الولايات المتحدة، بعد الرئيس السوري أحمد الشرع

ويتوقع المراقبون أن يسير الزيدي على خطى السوداني في محاولات جديدة لجذب مزيد من الاستثمارات الأميركية، على الرغم من أن فترة ولايته قد تحددها ظروف وخصائص مختلفة.

ما مدى تناغم الزيدي مع ترمب؟

يتمتع الزيدي، مثل سلفه، بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهناك دلائل على استعداده لتعزيز العلاقات الثنائية من خلال التعاون مع الرئيس ترمب. ودعا الرئيس الأميركي الزيدي إلى زيارة واشنطن عقب تشكيل الحكومة الجديدة، فيما أكد الجانبان خلال اتصال هاتفي العمل المشترك وتطوير العلاقات الثنائية والتعاون في مختلف المجالات.

.أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي علي الزبيدي يلقي كلمة فور تنصيبه رئيسا للحكومة، بغداد 16 مايو 2026

وقال ترمب على موقع "تروث سوشيال" بعد ترشيح المصرفي السابق لرئاسة الوزراء العراقية في أبريل/نيسان المنصرم: "هذه بداية فصل جديد رائع بين بلدينا - رخاء واستقرار ونجاح لم يشهده أحد من قبل".

ويُنظر إلى الزيدي باعتباره أحدث قائد إقليمي يبدي تقاربا مع الولايات المتحدة، بعد الرئيس السوري أحمد الشرع الذي أنهى عهد بشار الأسد، حليف إيران، والرئيس اللبناني جوزيف عون، اللذين وصلا إلى السلطة في أوائل عام 2025.

وظهر اسمه بعدما حذر ترمب من احتمال عودة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بسبب علاقاته الوثيقة مع إيران، التي تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربا معها منذ 28 فبراير/شباط.

وفي نهاية المطاف، سحب المالكي، الذي تولى السلطة بين عامي 2006 و2014، والسوداني ترشحهما، مما مهد الطريق أمام الزيدي لتولي رئاسة الحكومة العراقية.

قبل وصوله الى مكتب رئاسة الوزراء، كان الزيدي رجل أعمال لم يشغل أي منصب سياسي في العراق. وثمة مخاوف من احتمال تشابك السلطة والثروة، مثل الفترة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس العراقي السابق الراحل صدام حسين في عام 2003 بعد الغزو الأميركي العراق.  

يحتاج العراق إلى استثمارات أميركية لتوسيع قدرته على توليد الكهرباء لسد العجز الهائل فيها، وهو ما يقرب من نصف ذروة الطلب البالغة 55 غيغاوات خلال فصل الصيف.

وقال فريدي خويري، محلل الأمن العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة "راين" (RANE) لاستشارات مخاطر الأعمال، لـ"المجلة" قد تساعد خلفية رجال الأعمال، لكل من الزيدي وترمب، على المستوى الشخصي والخطابي، في تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق "لأن كلا الرجلين على الأرجح يفهمان عقد الصفقات وسياسات المعاملات، على الرغم من أن الزيدي يعتبر عديم الخبرة في السياسة بين الدوائر العراقية".

.أ.ف.ب
موظفو شركة نفط البصرة في حقل نهر بن عمر للنفط والغاز في ضواحي مدينة البصرة جنوب العراق 29 أبريل 2026

 وأضاف: "ومع ذلك، فإن الخلفيات التجارية المشتركة لن تزيل المشاكل الهيكلية في العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق. من الناحية النظرية، يمكن لخلفياتهما المشتركة أن تجعل التواصل أسهل، لكن هذا لن يضمن التوافق الاستراتيجي".

كيف سيوازن العراق علاقاته مع أميركا وإيران؟

أثناء محاولته الحفاظ على الانسجام مع ترمب، تمهيدا لتعاون اقتصادي أعمق مع الولايات المتحدة، سيتعين على الزيدي أن يحقق توازنا في العلاقات مع الاقتصاد الأكبر في العالم من جهة ومع إيران من جهة أخرى. فالعراق لا يستطيع تحمل تكاليف قطع العلاقات مع إيران. ويهدف ترمب إلى القضاء على الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة بما في ذلك العراق، إذ شنت الجمهورية الإسلامية هجمات على أهداف أميركية وحلفائها الخليجيين خلال الحرب.

المسار الأكثر ترجيحا لبغداد هو التنويع التدريجي بعيدا عن إيران في مجالي الطاقة والتمويل، وليس الانسحاب الاقتصادي الكامل والمفاجئ

فريدي خويري، محلل في شركة "راين" لاستشارات مخاطر الأعمال

تماشيا مع هذا الهدف، أكد الزيدي رفضه استخدام الأراضي والمجال الجوي العراقي لضرب دول المنطقة، وأدان الهجمات الأخيرة على الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية التي أُطلقت من العراق - على الأرجح من قبل وكلاء إيران. إلا أن ترجمة موقف رئيس الوزراء إلى أفعال، قد تثير توترات مع كل من الولايات المتحدة وإيران.

وقال خويري: "من المحتمل أن يعرض الزيدي على الولايات المتحدة خطوات أو أفكارا محدودة حول كيفية التعامل مع الميليشيات المتشددة المدعومة من إيران، أو الامتثال المصرفي، مع طمأنة إيران والفصائل المتحالفة معها في الوقت نفسه بأن بغداد لن تنضم إلى الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد طهران".

.أ.ف.ب
سفن تجارية تعبر مضيق هرمز، قبالة السواحل العمانية 17 مايو 2026

وأضاف: "سيكون هذا التوازن صعبا لأنه من المرجح أن تفسر كل من واشنطن وطهران التحركات الجزئية على أنها غير كافية، خاصة أن كلا الجانبين يتشددان في مواقفهما وسط التوترات الإقليمية".

وأكمل: "لا يستطيع العراق تحمل الانفصال المفاجئ عن إيران لأنه لا يزال يعتمد على الغاز والكهرباء والتجارة والشبكات الاقتصادية الإيرانية العابرة للحدود، فضلا عن تمتع إيران بنفوذ سياسي وميليشيوي كبير داخل العراق". لكن تأثير واشنطن من خلال التحكم في إتاحة الدولار والعقوبات والمصارف، بالإضافة إلى اتفاقات الطاقة التي يسعى العراق إلى إبرامها، يعني أن الدولة من المرجح أن تميل نحو ترمب. 

وقال خويري: "إن المسار الأكثر ترجيحا لبغداد هو التنويع التدريجي بعيدا عن إيران في مجالي الطاقة والتمويل، وليس الانسحاب الاقتصادي الكامل والمفاجئ"، و"يمكن أن تؤدي العلاقة في النهاية إلى صفقات إذا اتخذ الزيدي بعض الإجراءات للحد من نفوذ الميليشيات، لكنها ستظل عرضة لضغوط العقوبات، وهجمات الميليشيات، وعلاقات العراق مع إيران".

نقص الغاز ومعضلة الكهرباء في العراق

إلى جانب المكاسب السياسية وتطوير البنية التحتية النفطية، قد يحتاج العراق إلى استثمارات أميركية لتوسيع قدرته على توليد الكهرباء لسد العجز الهائل فيها، وهو ما يقرب من نصف ذروة الطلب البالغة 55 غيغاوات خلال فصل الصيف.

وقع العراق مذكرتي ة تفاهم مع شركة "جي إي فيرنوفا" الأميركية لإنتاج 24,000 ميغاوات من الكهرباء، في صفقة وصفتها الحكومة العراقية بأنها "الأكبر والأكثر حداثة" في تاريخ الدولة

وفي العام الماضي، وقع العراق مذكرتي  تفاهم مع شركة "جي إي فيرنوفا" (GE Vernova) الأميركية لإنتاج 24,000 ميغاوات من الكهرباء، في صفقة وصفتها الحكومة العراقية بأنها "الأكبر والأكثر حداثة" في تاريخ الدولة.

كما وقع العراق صفقة أخرى مع شركة "يو جي تي رينيوابلز" (UGT Renewables)، لبناء مشروع للطاقة الشمسية بقدرة 3,000 ميغاواط، إضافة إلى تطوير ما يصل إلى 1,000 كيلومتر من خطوط نقل الكهرباء العالية الجهد. وفي منشور على منصة "إكس"، قالت السفارة الأميركية في بغداد إنها "فخورة بتوقيع الشركتين الأميركيتين اتفاقيات بمليارات الدولارات… لتلبية احتياجات العراق في مجال الطاقة". ومن المخطط أن يشمل المشروع محطات لتوليد الطاقة باستخدام الغاز الطبيعي وأنواع أخرى من الوقود ومصادر الطاقة المتجددة، بهدف تقليل اعتماد العراق على الغاز.

.أ.ف.ب
عامل في محطة خرمالة للطاقة، جنوب أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، 15 يونيو 2025

ويعتمد العراق على إيران في واردات الغاز التي تغطي أكثر من 40 في المئة من احتياجاته من الطاقة، إلا أن الصراع الحالي والعقوبات الأميركية على طهران تؤدي إلى عدم ثبات حجم واردات الغاز.

كهرباء العراق... أزمة تسعير لا أزمة إنتاج

وتزيد الضغوط المتصاعدة على موازنة بغداد، إلى جانب اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار المرتبط بالتوترات في مضيق هرمز، من صعوبة تأمين العراق واردات الغاز اللازمة لتلبية الطلب المحلي على الكهرباء. ويعتمد أكثر من نصف إنتاج الكهرباء في الدولة على محطات تعمل بالغاز. ويعتبر رفع أسعار الكهرباء أمرا ضروريا لمعالجة أزمة الكهرباء في العراق، وهي خطوة قد يكون الزيدي مترددا في اتخاذها، على الأقل في الوقت الحالي، لتجنب زيادة معاناة الشعب.  

وقال جيم كرين، زميل أبحاث الطاقة في معهد بيكر بجامعة رايس الأميركية، لـ"المجلة": "إن أزمة الكهرباء في العراق هي أزمة تسعير. ليس لدى المرافق المملوكة للحكومة أي حافز لإنتاج المزيد من الكهرباء، لأنها تخسر المزيد من المال مقابل كل كيلووات ساعة إضافية تولدها".

وأضاف: "إذا كان الزيدي يريد حل هذه الأزمة، فيتعين عليه أن يبدأ عملية إصلاح الأسعار. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يكون هدفه رفع أسعار الكهرباء إلى مستويات تعكس التكلفة"، ذلك "إن القيام بذلك سيشجع المزيد من الاستثمار في قطاع الطاقة ويحفز المزيد من الحفاظ على جانب الاستهلاك".

أغلق ممر هرمز بعد تصاعد الحرب مع إيران، فانخفضت صادرات العراق من النفط بنحو 90 في المئة نتيجة ذلك، وهو ما وضع الحكومة العراقية في مأزق حتى مع ارتفاع أسعار النفط

وقال وزير النفط العراقي باسم محمد خضير إن العراق التي يزيد عدد سكانها على 45 مليون نسمة تهدف إلى زيادة إنتاجها من الغاز من خلال الاستفادة القصوى من حقولها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في حلول عام 2030، وهو الهدف الذي سيتطلب أيضا مشاركة أكبر من شركات الطاقة الأميركية.

إغلاق هرمز وتراجع صادرات النفط العراقي

عيّن الزيدي باسم محمد خضير وزيرا للنفط، الذي أعلن بدوره أن الوزارة تجري محادثات مع عدد من شركات الطاقة الأميركية، من بينها "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"هاليبرتون"، مشيرا إلى وجود مفاوضات متقدمة في شأن مشاريع واستثمارات جديدة في قطاع النفط العراقي.

.أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي الأسبق محمد شياع السوداني ، ووزير النفط حيان عبد الغني السواد (أعلى الى اليمين)، والمبعوث الأميركي الخاص إلى العراق توم باراك (أعلى الى اليسار)، ومدير تطوير الأعمال في شركة "شيفرون" جو كوتش، بغداد 23 فبراير 2026

يذكر أن العراق هو إحدى الدول التي انخفضت صادراتها النفطية بشكل حاد بسبب الحصار المفروض على مضيق هرمز - الذي يمر عبره ما يقرب من خمس النفط والغاز الطبيعي في العالم. وبسبب إغلاقه، انخفضت صادرات العراق من النفط بنحو 90 في المئة  نتيجة ذلك، وهو ما وضع الحكومة العراقية في مأزق حتى مع ارتفاع أسعار النفط.

وأعلن الوزير خضير أن صادرات الخام العراقية عبر مضيق هرمز انخفضت من 93 مليون برميل إلى 10 ملايين برميل في نيسان/أبريل الماضي. ومع اعتماد ما يقرب من 90 في المئة من موازنة العراق على عائدات النفط، فإن الإغلاق قد يؤثر على آفاق الدولة لإبرام مزيد من صفقات الطاقة مع الشركات الأميركية. وتشير تقارير حديثة إلى أن الاحتياطيات النقدية في العراق لن تكفي سوى حتى أغسطس/آب، في ظل توقف صادرات النفط.

وقال خويري: "من المرجح أن تسعى بغداد إلى إنشاء هياكل استثمارية تقلل الإنفاق الحكومي المسبق، بما في ذلك حوافز تقاسم الإنتاج، وعقود الخدمات، ودعم التمويل الأميركي، والصفقات التي تركز على توليد الطاقة".

font change

مقالات ذات صلة