تحضر شهرزاد كمعادل موضوعي لكتابة المرأة من جهة، كما تحضر بتقنيات القص الشديدة الخصوصية التي تحوي الغريب والمشوق في الوقت نفسه. لكن بسمة الخطيب في روايتها "حائكات الأزل" (دار الآداب، بيروت) تستحضر شهرزاد بطريقة مغايرة. فرغم أن الرواية تحكي عن حائكات يحترفن تلك المهنة منذ القدم، إلا أن الحكاية تحضر منذ البداية بقوة، بل هي ليست حكاية واقعية أو معاصرة، بل من "الأزل"، حكاية من الماضي السحيق المليء بالأساطير، التي تنسجها الكاتبة باقتدار لتقدم بها حكايتها عن الحائكات والحاكيات على السواء.
وإذا كان الرجل قد سعى إلى مصادرة الحكاية على الدوام، فإن الحياكة لا تزال منذ ذلك الوقت فنا نسويا أصيلاـ تتوارثه الفتيات عن الجدات، ويبرعن في رسمه وتفاصيله، بل ويتمكنّ عبره من السيطرة بالنسيج على كامل الأجساد، وربما الأرواح أيضا. لم يكن عالم الملابس على اتساع تفاصيله وثرائه بريئا من محاولات التحكم المختلفة، وليس ذلك جديدا على الإنسان، فهو مذ خرج من الجنة الأولى يستر عورته بأوراق الشجر.
هكذا تبدأ الرواية بإشارتين دالتين، الأولى على لسان "الحائكات" اللاتي يشرن إلى دور الحكاية في الإنقاذ والفداء وإصلاح ما فسد طوال الزمن، وأن الحياكة يمكن أن تعوضهن عن الحكي، وإن منعن من الحكاية واشتغلن بالأعمال الشاقة كالزراعة والرعي والغزل. من هنا يتحول الرداء المنسوج إلى وسيلة لحفظ الحكايات عبر الأجيال. أما الإشارة الثانية فتأتي بتوقيع الكاتبة التي تلفت النظر إلى أن الرواية هي وفاء منها لعالم القرية التي ولدت فيها في لبنان حيث احترفت النساء هناك فنون الغزل والحياكة والتطريز.
قصر الهجران
ننتقل إلى متن الحكاية حيث مشهد معاصر للحفيدة ندى التي تعود من دفن جدتها، وبينما هي في الطريق تمر بالأماكن التي ستتحول إلى عتبات للحكايات بعد ذلك، حيث "قصر الهجران" وحكاياته المثيرة، وحيث تجد على عتبة بيتها امرأة تعطيها قطعة قماش فريدة من نوعها تنسب الى جدتها، وتخبرها أن هناك أمانة متروكة عند تلك الجدة تخص هذه القطعة، مما يدفع البنت إلى البحث عن أصول تلك القطعة. تعود الساردة في الوقت نفسه إلى ماضي تلك العائلة من خلال السيدات اللاتي احترفن الحياكة على مدى سنوات. ذلك كله يجعل القارئ متشوقا للتعرف الى تفاصيل تلك الحكاية التي تبدو غريبة وتربط بين قطعة قماش وعدد من الأسرار والحكايات الأخرى التي نتعرف اليها تباعا.


