بحر الشمال يختبر ستارمر... هل يربح معركة المناخ ويخسر الطاقة؟

انتقادات من توني بلير ودونالد ترمب، وأسئلة متزايدة حول ما إذا كانت بريطانيا قادرة على خفض الانبعاثات دون التضحية بالنمو وأمن الطاقة

رويترز
رويترز
منصة النفط التابعة لشركة BP ضمن مشروع منطقة الحوض الشرقي (ETAP) في بحر الشمال، على بُعد نحو 100 ميل شرق مدينة أبردين في اسكتلندا، 24 فبراير 2014.

بحر الشمال يختبر ستارمر... هل يربح معركة المناخ ويخسر الطاقة؟

مع تصاعد الضغوط على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لإعادة النظر في القيود المفروضة على إنتاج النفط والغاز في بحر الشمال، تجد بريطانيا نفسها أمام معضلة لا تتوقف عند حدود السياسة الداخلية. فالنقاش لا يدور حول تراخيص الحفر أو الأهداف المناخية وحدها، وإنما يتصل بأمن الطاقة، والقدرة التنافسية للاقتصاد، والشرعية السياسية، وموقع بريطانيا في بيئة عالمية للطاقة تزداد اضطرابا وتقلبا.

عاد هذا الملف إلى الواجهة مع تدخل توني بلير، زعيم حزب العمال السابق، ورئيس وزراء المملكة المتحدة من عام 1997 إلى 2007، الذي حث حزب العمال على مراجعة بعض عناصر مقاربته للحياد الكربوني، وإيلاء عناية أكبر للطاقة الميسورة التكلفة، بدلا من مقاربات لإزالة الكربون، وصفها بأنها غير واقعية.

وقد كشفت تصريحات بلير عن تباينات داخل حزب العمال، وأعادت فتح سؤال ظن كثيرون أنه حُسم: هل تستطيع بريطانيا تسريع انتقال الطاقة مع الحفاظ على أسعار طاقة ميسورة، ونمو اقتصادي، ودعم شعبي؟

يرى المدافعون عن توسيع إنتاج بحر الشمال أن النفط والغاز المحليين سيظلان جزءا أساسيا من منظومة الطاقة البريطانية لعقود مقبلة

وفي صلب هذا النقاش يبرز تحد أوسع يواجه أوروبا برمتها. فقد أظهرت أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا أن أمن الطاقة وثيق الصلة بالأمن القومي. وكشفت هشاشة الدول التي تعتمد على واردات الطاقة. أما بريطانيا، التي تمتعت في السابق بدرجة عالية من الاكتفاء الذاتي بفضل إنتاج بحر الشمال، فتواجه اليوم سؤالا جوهريا: هل يخلق تقليص استخراج النفط والغاز محليا، قبل اكتمال الأنظمة البديلة، مخاطر اقتصادية واستراتيجية جديدة؟

حجة توسيع إنتاج بحر الشمال

يرى المدافعون عن توسيع إنتاج بحر الشمال أن النفط والغاز المحليين سيظلان جزءا أساسيا من منظومة الطاقة البريطانية لعقود مقبلة.

وتقوم هذه الحجة على ركائز رئيسة ثلاث. أولاها أمن الطاقة، إذ يقلل الإنتاج المحلي الاعتماد على الواردات من النروج وقطر والولايات المتحدة وأسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية. ولا يستطيع هذا الإنتاج أن يعزل بريطانيا عن حركة الأسعار الدولية، لكنه يمنحها قدرا أكبر من الصمود في أوقات التوتر الجيوسياسي.

أ.ف.ب
منصة كُلزين التابعة لشركة توتال، في بحر الشمال، على بُعد نحو 70 كيلومتراً شرق مدينة أبردين، التي تُعرف ذاتياً بعاصمة النفط في أوروبا، على الساحل الشمالي الشرقي لاسكتلندا،8 أبريل 2019

وتأتي الركيزة الثانية في المجال الاقتصادي. فبريطانيا لا تزال مستوردا صافيا للنفط والغاز، ومن شأن توسيع الإنتاج المحلي أن يحسن ميزان المدفوعات، ويدعم الجنيه الإسترليني، ويحد من الانكشاف على الأسواق المتقلبة. وكلما تعزز الجنيه، انخفضت تكلفة السلع المستوردة، من الغذاء إلى مدخلات الصناعة وتقنيات الطاقة المتجددة.

أما الركيزة الثالثة فتتصل بالوظائف والقدرة الصناعية. فقطاع بحر الشمال يدعم مئات الآلاف من فرص العمل في اسكتلندا وشمال شرق إنكلترا. ويحذر ممثلو الصناعة من أن التراجع السريع في الإنتاج قد يضعف المهارات والبنية التحتية التي يمكن أن تدعم لاحقا مشاريع احتجاز الكربون وتخزينه، وطاقة الرياح البحرية، وتطوير الهيدروجين.

تشير تقديرات هيئة انتقال بحر الشمال إلى أن إنتاج النفط والغاز سيواصل الانكماش بين عامي 2025 و2030 بمعدلات سنوية تقارب 7 في المئة و11 في المئة على التوالي

اكتسبت هذه الحجج زخما مع استمرار القلق من تكاليف المعيشة. فقد أظهرت استطلاعات "يوغوف" أن 65 في المئة من البريطانيين يعطون الأولوية لمنع ارتفاع فواتير الطاقة، مقارنة بـ24 في المئة يفضلون إزالة الوقود الأحفوري بالكامل من إمدادات الكهرباء. وحتى بين ناخبي حزب العمال، تتقدم القدرة على تحمل التكلفة على إزالة الكربون من الاقتصاد. لا يزال التأييد للحياد الكربوني قائما، غير أن تكلفة الطاقة باتت الهم الأكثر إلحاحا. غير أن إنتاج بحر الشمال البريطاني يمر أصلا بتراجع بنيوي.

فبعد نحو خمسة عقود من الاستغلال المكثف، بات هناك إجماع واسع، حتى بين الشركات العاملة في القطاع، على أن معظم الحقول البريطانية دخلت مرحلة النضج وتقترب تدريجيا من نهاية عمرها الإنتاجي. وقد بلغ الإنتاج ذروته مطلع القرن الحادي والعشرين، قبل أن يسلك مسارا هبوطيا متواصلا. وفي عام 2024، تراجع إنتاج النفط والغاز إلى أدنى مستوى له خلال القرن الحالي، منخفضا بنحو 75 في المئة مقارنة بذروة عام 1999.

أ.ف.ب
منصة غاز بين اسكتلندا والنرويج، في المحيط الأطلسي

وتشير تقديرات هيئة انتقال بحر الشمال (The North Sea Transition Authority NSTA) إلى أن إنتاج النفط والغاز سيواصل الانكماش بين عامي 2025 و2030 بمعدلات سنوية تقارب 7 في المئة و11 في المئة على التوالي. أما على المدى الأبعد، فتتوقع التقديرات أن ينخفض إنتاج بحر الشمال بنحو 90 في المئة في حلول عام 2050 مقارنة بمستويات عام 2024، مما يعني أن التراجع الهيكلي للإنتاج المحلي كان سيحدث بدرجة كبيرة حتى بمعزل عن الجدل السياسي الدائر حول سياسات المناخ والتحول الطاقوي. وهو ما يحد من إمكان تحقيق زيادة سريعة في الإنتاج.

في المقابل، تشير تقديرات هيئة انتقال بحر الشمال إلى أن الجرف القاري البريطاني لا يزال يحوي احتياطيات مؤكدة ومحتملة تقّدَّر بنحو 2.9 مليار برميل مكافئ نفطي، إضافة إلى 6.2 مليارات برميل من الموارد القابلة للتطوير مستقبلا، و4.6 مليارات برميل من الموارد الاستكشافية المحتملة. وبذلك يصل إجمالي الموارد المتبقية إلى نحو 13.7 مليار برميل مكافئ نفطي. لذلك، فإن زيادة الإنتاج لن تعيد بحر الشمال إلى مستوياته التاريخية، بل ستبطئ وتيرة التراجع. وسيعتمد الحفاظ على الإنتاج، أو رفعه بصورة محدودة، على أنشطة كثيفة لرأس المال، مثل الحفر التكميلي داخل الحقول القائمة، وتعزيز الاستخلاص، وربط الاكتشافات الصغيرة بالبنية التحتية الموجودة.

وتراوحت الاستثمارات الأخيرة في أنشطة الاستكشاف والإنتاج بين 5 (6.4 مليار دولار) و6 مليارات جنيه إسترليني (8 مليار دولار) سنويا. وسيحتاج الحفاظ على الإنتاج أو رفعه بصورة متواضعة إلى استمرار الإنفاق عند هذا المستوى، إلى جانب مشاريع تطويرية جديدة ومحددة. وحتى في ظل سيناريوهات سياسية أكثر دعما لإنتاج، سيبقى الأثر المرجح في حدود إبطاء التراجع وإطالة عمر الحوض، لا تحقيق زيادة مستدامة في الإنتاج اليومي.

زيادة الإنتاج لن تعيد بحر الشمال إلى مستوياته التاريخية، بل ستبطئ وتيرة التراجع

من هنا، يرى منتقدو توسيع الحفر في بحر الشمال أن المكاسب الاقتصادية المتوقعة مبالغ فيها. فالنفط والغاز المنتجان في بحر الشمال يباعان في الأسواق الدولية، مما يعني أن زيادة الإنتاج لا تضمن خفض الأسعار المحلية. وقد عرفت بريطانيا ذلك خلال أزمة الطاقة بين عامي 2022 و2023، حين استمر الإنتاج المحلي بينما ارتفعت فواتير الأسر تبعا للأسعار العالمية.

وقد جادلت حكومة حزب العمال بالمنطق نفسه، إذ ذكرت في ورقة حقائق أعدتها في شأن أزمة إيران، أن المملكة المتحدة "متلقية للأسعار في الأسواق العالمية وليست صانعة لها". وأضافت: "إن أعمال الاستكشاف المستقبلية في بحر الشمال محدودة للغاية بحيث لا يمكن أن تُحدث فرقا ملموسا في حجم المعروض داخل السوق الدولية... كما أن منح تراخيص جديدة لاستكشاف حقول جديدة لن يُحدث أي تأثير يُذكر على الأسعار التي تحددها الأسواق العالمية والتي يدفعها المستهلكون البريطانيون". في عبارة أخرى، ترى الحكومة أن زيادة الإنتاج المحلي من خلال تراخيص جديدة لن تكون كافية للتأثير في أسعار النفط والغاز العالمية، وبالتالي لن تؤدي إلى خفض فواتير الطاقة التي يتحملها المستهلكون في المملكة المتحدة.

أ.ف.ب
توربينات الرياح لإنتاج الطاقة النظيفة بالقرب من سواحل ساحل مونتروز في إسكتلندا، بريطانيا، 8 يونيو 2023

ويرى محللون كثيرون أن أمن الطاقة على المدى الطويل يقتضي تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. فمصادر الطاقة المتجددة، بعد تركيبها، لا تتعرض لصدمات الإمداد الجيوسياسية أو تقلبات أسعار السلع الأساس. من هذه الزاوية، يبدو تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والتخزين، والطاقة النووية، طريقا أكثر ثباتا على المدى الطويل.

هناك أيضا مسألة ثقة المستثمرين. فقد وصل حزب العمال إلى الحكم وهو يعد باستقرار السياسات المرتبطة بانتقال الطاقة. وأي تحول نحو توسيع إنتاج الوقود الأحفوري قد يثير قدرا من عدم اليقين لدى المستثمرين الذين يوجهون مواردهم إلى مشاريع الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة.

سياسة الطاقة تُصاغ اليوم على نحو متزايد من زاوية الصمود الوطني والسيادة الاقتصادية، لا من زاوية تغير المناخ وحده

لذلك تقف الحكومة أمام توازن بالغ الدقة. فالابتعاد السريع عن الوقود الأحفوري قد يقوض أمن الطاقة والدعم الشعبي، في حين أن التباطؤ المفرط قد يضعف الالتزامات المناخية والاستثمارات المستقبلية.

بلير وترمب وسياسة سيادة الطاقة

يشير تدخل توني بلير إلى اتجاه سياسي أوسع داخل الديمقراطيات الغربية. فسياسة الطاقة تُصاغ اليوم على نحو متزايد من زاوية الصمود الوطني والسيادة الاقتصادية، لا من زاوية تغير المناخ وحده. ويظهر الإطار ذاته في الولايات المتحدة، إذ قال الرئيس دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني 2025 إن على بريطانيا زيادة إنتاج بحر الشمال والسعي إلى قدر أكبر من الاعتماد على الذات في مجال الطاقة. وتجد هذه الحجة صداها لدى من يرون في إنتاج الطاقة محليا موردا استراتيجيا في زمن تشتد فيه الضبابية الجيوسياسية.

المنطق هنا واضح. فالدول التي تنتج قسما أكبر من طاقتها تحتفظ بهامش أوسع من حرية الحركة، مقارنة بالدول المعتمدة على الواردات. وقد اكتسب هذا الرأي أهمية إضافية بعد استخدام روسيا صادرات الطاقة أداة سياسية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واحتدام المنافسة العالمية على المعادن اللازمة لانتقال الطاقة.

بالنسبة إلى بريطانيا، لم تعد سيادة الطاقة تعني العودة إلى ظروف الثمانينات. فحتى مع توسيع عمليات الحفر، يبدو الاكتفاء الذاتي الكامل بعيد المنال. وعمليا، ينبغي على بريطانيا الإجابة عن مدى إمكان أن يؤدي النفط والغاز المحليان دور جسر خلال الانتقال إلى نظام أقل اعتمادا على الكربون.

الخطر على حزب العمال في أن يرى الناخبون اتساع الفجوة بين الأهداف البعيدة والضغوط القريبة

يعكس النقاش حول الحفر في بحر الشمال تحديا أوسع تواجهه الاقتصادات المتقدمة. فقد أصبح الانتقال إلى صافي الانبعاثات الصفري سؤالا سياسيا واقتصاديا في آن واحد. وعلى الحكومات أن تثبت أن السياسة المناخية قادرة على تحسين مستويات المعيشة، لا التضييق عليها.

لا تقتصر مهمة ستارمر على اتخاذ قرار في شأن تراخيص حفر إضافية. فالمطلوب منه صوغ مقاربة للطاقة تحقق التكلفة الميسورة، وتضمن الأمن، وتدفع مسار إزالة الكربون. والاختيار الجامد بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة لن يحقق هذه الأهداف على الأرجح. أما المقاربة الأكثر صدقية، فهي التي تقر بأن الهيدروكربونات ستبقى جزءا من مزيج الطاقة لفترة، بالتوازي مع تسريع الاستثمار في التقنيات البديلة.

أ.ف.ب
توربينات الرياح لاستخدام للطاقة النظيفة بالقرب من سواحل ساحل مونتروز في إسكتلندا، بريطانيا 8 يونيو 2023

ويكمن الخطر على حزب العمال في أن يرى الناخبون اتساع الفجوة بين الأهداف البعيدة والضغوط القريبة. أما الخطر على بريطانيا، فهو أن يؤدي الانقسام السياسي حول الطاقة إلى إضعاف أمن الطاقة ومسار التحول المناخي في وقت واحد.

ما تحتاجه بريطانيا اليوم هو مقاربة عملية لا تتراجع عن صافي الانبعاثات الصفري ولا تعود إلى الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنها تعترف بأن أمن الطاقة جزء أصيل من عملية الانتقال نفسها. ففي بيئة جيوسياسية أشد اضطرابا، باتت التكلفة الميسورة والاستدامة وثيقتي الصلة.

وقد يصبح نجاح ستارمر في الحفاظ على هذا التوازن أحد الاختبارات الحاسمة لرئاسته الحكومة.

font change

مقالات ذات صلة