كأس العالم في أميركا... عندما يلعب ترمب بقواعده الخاصة

كرة القدم قد لا تصنع سلاما

رويترز
رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل كأس العالم لكرة القدم في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن في 22 أغسطس/آب 2025 بحضور جياني إنفانتينو

كأس العالم في أميركا... عندما يلعب ترمب بقواعده الخاصة

بخلاف تحليلات سائدة في الشرق الأوسط والعالم، لا يشكل المونديال الذي ستكون أميركا- بالتعاون مع المكسيك وكندا- المُنَظِمة الأساسية له، عاملاً ضاغطاً على الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحفاظ على الهدنة القلقة الحالية في الحرب مع إيران في أثناء هذا السباق الرياضي الأشد شهرة والأكثر مُتابعة في العالم. في الجدل والخلاف الأميركيين بخصوص الحرب وسبل إنهائها، لا يحضر المونديال كعامل مؤثر إلا بشكل عابر وتقني، عادةً في إطار تشديد الإجراءات الأمنية في أثناء استضافته وإجراء مبارياته في ظل ظروف الحرب الدائرة ذات النهاية غير المحسومة وضرورة تأمين سلامة المشاركين فيه والمتابعين له (بهذا الخصوص، يُتوقع مجيء أكثر من مليون ومئتي ألف مشجع أجنبي إلى أميركا، فضلاً عن سفر مشجعين داخل أميركا يتراوح عددهم بين خمسة إلى عشرة ملايين). في الواقع، ثمة عوامل أخرى أكثر حضوراً وتأثيراً بكثير في هذا الجدل وفي اعتبارات البيت الأبيض واتخاذه القرارات بشأن الحرب مثل ارتفاع أسعار الوقود ولجم الغضب الجمهوري المكتوم، لكن المتصاعد، من هذه الحرب، فضلاً عن الحسابات السياسية المتعلقة بالانتخابات النصفية للكونغرس.

رويترز
عمال يقومون بتركيب عشب صناعي لملعب عائم ومساحة مخصصة للفعاليات على بارجة، أُطلق عليها اسم "احتفال سياتل لكرة القدم"، والتي ستستضيف حفلات مشاهدة المباريات والفعاليات التي ينظمها ويستضيفها نادي سياتل ساوندرز لكرة القدم خلال كأس العالم

من الواضح أن المونديال لم يكن حاضراً في التفكير السياسي لترمب بخصوص هذه الحرب وكيفية إدارتها. فعلى سبيل المثال، جاء أول ذكر رسمي أميركي لإيران مرتبطاً بالمونديال والحرب سريعاً وعابراً على لسان الرئيس ترمب رداً على سؤال وجهته مجلة "بوليتيكو" الأميركية بشأن مشاركة إيران في المونديال، وذلك بعد أربعة أيام من اندلاع الحرب، أي في الثالث من مارس/آذار. جاء هذا السؤال على خلفية غياب إيران عن اجتماع عقد في بداية الشهر نفسه، في مدينة أتلانتا الأميركية للدول التي تأهلت فرقها لخوض مباريات الدورة. حمل جواب الرئيس وقتها حسا سياسياً مُنتصراً يدور حول الحرب وليس الرياضة، كاشفاً، أيضاً على نحو جزئي، عن ضعف الاهتمام الرئاسي الأميركي بكرة القدم أو المونديال كفعالية رياضية عالمية مهمة تستضيفها أميركا: "أنا حقاً لا أهتم! أعتقد أن إيران دولة مهزومة بشدة، وهي بالكاد تستمر". كان الجواب غامضاً بخصوص حقيقة الموقف الأميركي من المشاركة الإيرانية في المونديال. لكن في خلال الأيام القليلة التالية، اتضح هذا الموقف بعد لقاء رئيس الاتحاد العالمي لكرة القدم (الفيفا) جياني أنفانتينو، بالرئيس ترمب في البيت الأبيض في العاشر من مارس. في تغريدة له عن هذا اللقاء، ذكر أنفانتينو ترحيب ترمب بمشاركة إيران في البطولة الكروية: "خلال المناقشات، أكد الرئيس ترمب مجدداً أن المنتخب الإيراني مرحب به، بطبيعة الحال، للمشاركة في البطولة في الولايات المتحدة".

من الواضح أن المونديال لم يكن حاضراً في التفكير السياسي لترمب بخصوص هذه الحرب وكيفية إدارتها


في حقيقة الأمر، كانت إيران، وليس أميركا، هي البادئة بإثارة موضوع مشاركتها بالمونديال في سياق سياسي من خلال ربط مشاركتها هذه بالحرب بين البلدين. ففي اليوم التالي لبدء الحرب، في الأول في من مارس، وبعد الهجوم الجوي الذي قاد إلى مقتل "المرشد الأعلى" علي خامنئي وعدد من مساعديه، شكك رئيس اتحاد الكرة الإيراني، مهدي حاج، بإمكانية مشاركة بلاده في البطولة العالمية: "ما هو مؤكد أنه بعد هذا الهجوم، لا يمكن توقع أننا نتطلع بأمل إلى كأس العالم". بعد هذا التشكيك بأيام، ورداً على تغريدة أنفانتينو عن ترحيب ترمب بمشاركة إيران في البطولة، صرح وزير الرياضة الإيراني، أحمد دونيامالي، أنه "في ظل قيام هذا النظام الفاسد [أميركا] باغتيال زعيمنا، لن نستطيع تحت أي ظرف المشاركة في كأس العالم. أطفالنا ليسوا آمنين، وعلى هذا الأساس فإن الشروط المطلوبة للمشاركة غير موجودة".

رويترز
أشخاص يلتقطون صورة تذكارية مع نسخة عملاقة من كأس العالم لكرة القدم على شاطئ سينتا كوستيرا في مدينة بنما في مايو2026

بعيداً عن التراشق السياسي والقانوني بخصوص مشاركة إيران في المونديال، ومحاولة كل طرف، الأميركي والإيراني، تسجيل نقاط ضد الطرف الآخر في ظل المواجهة الحادة بينهما، يبدو واضحاً أن المنتخب الإيراني سيشارك في المونديال. ففضلاً عن أنه أقام معسكره التدريبي في المكسيك، في ظروف مناخية شبيهة بلوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا حيث سيخوض الفريق مبارتين من مبارياته الثلاث في إطار مجموعته التي تضم أيضاً مصر ونيوزيلندا وبلجيكا، أعلنت السلطات الأميركية مؤخراً أنها منحت تأشيرات الدخول للاعبي المنتخب، فيما ذكر الجانب الإيراني أن بعض الإداريين الذين يرافقون المنتخب ما يزالون ينتظرون الحصول على تأشيرات الدخول.

بالرغم من تصاعد الاهتمام الشعبي الأميركي بكرة القدم في العقود الأخيرة، خصوصاً منذ استضافة الولايات المتحدة بطولة كأس العالم في لوس أنجلوس في عام 1994، فإنها ما تزال رياضة محدودة لجهة شعبيتها ومتابعة الناس لها، حتى مع تشكيل دوري كرة القدم الممتاز (Major League Soccer) في البلد في 1993 ولعبه أول نسخة له في عام 1996. كان تشكيل هذا الدوري أحد بنود اتفاق "الفيفا" مع اتحاد كرة القدم الأميركي لمنح الولايات المتحدة استضافة مونديال 1994، وذلك في إطار سعي أوسع ومشترك لنشر هذه اللعبة العالمية في الولايات المتحدة، التي- بخلاف بلدان العالم الأخرى- لم تُثرها اللعبة. بعد ثلاثين عاماً من بدء هذا الدوري، ما تزال كرة القدم من الألعاب الرياضية المحدودة الانتشار والمتابعة، بالرغم من زيادة الإقبال عليها بين الشباب عموماً.

أ ف ب
الملعب العشبي المجهز بالكامل يظهر في ملعب لوس أنجلوس (أعيدت تسميته مؤقتًا من ملعب SoFi) قبل كأس العالم لكرة القدم 2026 في لوس أنجلوس في 7 يونيو 2026

فحسب استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" ونشرت نتائجه في عام 2024، جاءت الفوتبول (أو كرة القدم الأميركية التي تختلف كثيراً عن كرة القدم السائدة في أنحاء العالم الأخرى) بالمرتبة الأولى بنسبة متابعة شعبية تبلغ 41 في المئة، تليها لعبة البيسبول بنسبة متابعة مقدارها 10 في المئة، فيما جاءت كرة السلة ثالثةً بمتابعة بلغت نسبتها 9 في المئة. أما كرة القدم، فجاءت رابعة بنسبة متابعة مقدارها 5 في المئة لتأتي وراءها خامسةً لعبة هوكي الجليد بنسبة متابعة تبلغ 4 في المئة.

وفي استطلاع آخر في العام ذاته ونشرته مجلة "الإيكونوميست"، بلغت نسبة متابعي كرة القدم نحو 10 في المئة، بالمرتبة الثالثة بعد الفوتبول وكرة السلة. يعود الاختلاف في نسبة المتابعة لكرة القدم في الاستطلاعين إلى العينة التي تم استطلاعها، ففي استطلاع "غالوب" شملت العينة البالغين في الولايات المتحدة، فيما شملت العينة في استطلاع "الإيكونوميست" متابعي الرياضة فقط وليس عموم البالغين الأميركيين.

بالرغم من تصاعد الاهتمام الشعبي الأميركي بكرة القدم في العقود الأخيرة، خصوصاً منذ استضافة الولايات المتحدة بطولة كأس العالم في لوس أنجلوس عام 1994، فإنها ما تزال رياضة محدودة لجهة شعبيتها ومتابعة الناس لها


ثمة ترقب أو توقع سياسي وشعبي عالمي بأن فترة عقد المونديال الوشيك في أميركا (7 أسابيع بين 11 يونيو/حزيران و19 يوليو/تموز) ستعني ضمانة أكيدة تقريباً بعدم استئناف العمليات الحربية الكاملة بين أميركا وإيران في أثنائها على أساس أن الرئيس ترمب، لأسباب اعتبارية وشعبية، لن يحاول أن يُعكر صفو هذا المهرجان الرياضي الرسمي والشعبي الكبير، بإعطاء أوامر بمواصلة القصف وإنهاء الهدنة الحالية الطويلة لكن الهشة. هذا الترقب/التوقع مبالغ به كثيراً، فعلى الأغلب لن يشكل المونديال رادعاً لأميركا يقودها ترمب يمنع استئناف الحرب، ليس فقط لأن المونديال نفسه لن يحظى بمتابعة شعبية أميركية عالية يخشى ترمب إفسادها عبر إشعال "نار خارجية"، بل أيضاً لأن بمقدور الرجل، الرئيس المعبأ بالمفاجآت وبالرغبة في سرقة الأضواء، أن يستفيد من "الاسترخاء العام" بعيداً عن أجواء السياسة والحرب الذي يخلقه المونديال عالمياً، و"يباغت" إيران والعالم باستئناف حاد للحرب. ليس هذا مؤكداً بالطبع، فالعامل الأساسي الذي يحكم سلوك ترمب بخصوص الحرب ورغبته المفهومة في إنهائها بصفقة سلمية سريعة يمكنه تقديمها كنصر سياسي في أميركا، هو مقدار التجاوب الإيراني لمنحه مثل هذه الصفقة. المؤكد تقريباً هو أنه إذا شعر ترمب أن مثل هذه الصفقة بعيدة أو تتراجع احتمالاتها، فلن يكون المونديال عائقاً يمنعه من إنهاء الهدنة والعودة للحرب، فخمسة أسابيع من الانتظار العقيم لصفقة تبدو مستحيلة في آخر المطاف هو حمق سياسي لن يرتكبه ترمب المحاصر بضغط الوقت وارتفاع أسعار الطاقة.

font change