كيف تحوّلت كأس العالم إلى أعظم آلة رياضية لصناعة المال؟

في حين تنتظر المدن المضيفة المكاسب، تذهب الحصة الكبرى من عائدات المونديال إلى "الفيفا"

المجلة
المجلة

كيف تحوّلت كأس العالم إلى أعظم آلة رياضية لصناعة المال؟

في صبيحة انطلاق كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ، لا يقتصر الحدث على إثارة المستطيل الأخضر ومنافسة المنتخبات وفرحة الجماهير. فخلف الأضواء والملاعب الضخمة، تدور عجلة اقتصادية عملاقة تديرها "الفيفا" ببراعة، محوّلة الشغف العالمي باللعبة إلى إيرادات قياسية.

وفقا للتقارير المالية لـ"الفيفا" وتحليلات المؤسسات المتخصصة، قد تقترب إيرادات دورة 2023-2026 من 13 مليار دولار، منها نحو 8.9 مليار دولار خلال عام 2026 وحده، فيما يُقدَّر الأثر التجاري الإجمالي المرتبط بالبطولة بنحو 10.9 مليار دولار.

وهذا الرقم ثمرة استراتيجية مدروسة امتدت لعقود. ويستغل المونديال الجاذبية الهائلة لكرة القدم التي تصل إلى مليارات المشاهدين حول العالم، ليتعدى إطار البطولة الرياضية، ليصبح حدثا تجاريا عالميا ضخما يجمع بين الإعلام والتسويق والرعاية والتجارة والتجارب الفاخرة.

ويشكل مونديال 2026 نقطة تحول جذري في استراتيجيا "الفيفا" المالية بفضل التوسع غير المسبوق إلى 48 منتخبا و104 مباريات بدلا من 64 مباراة في النظام السابق.

يعود جانب كبير من هذه الزيادة إلى الطلب العالمي المتنامي على حقوق البث، ولا سيما في الأسواق الكبرى. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت قيمة حقوق البث المرتبطة بكأس العالم 2026 بنحو 94 في المئة مقارنة بالدورة السابقة

وتقوم معادلة "الفيفا" الجديدة على زيادة عدد المباريات بنسبة تقارب 62 في المئة، مما يعني تلقائيا أياما إضافية من البث الحي، ومساحات إعلانية أكبر، وتذاكر إضافية للبيع، وهو ما يفسر الطفرة المالية الحالية.

العمود الفقري للإيرادات

تقف حقوق البث التلفزيوني والرقمي في قلب هذه الآلة. تبيع "الفيفا" حقوق نقل المباريات والمحتوى المرتبط بها إلى محطات ومنصات رقمية في أكثر من 175 دولة ومنطقة. ومن المتوقع أن تولّد هذه الحقوق نحو 3.9 إلى 4 مليارات دولار في مونديال 2026، مما يمثل 44 في المئة من إجمالي عائدات المسابقة (وهي النسبة العليا بين مصادر العائدات)، ومتجاوزة الـ 3.4 مليار دولار التي تحقّقت في قطر 2022.

أ.ف.ب
رئيس "الفيفا" جياني إنفانتينو، يحمل كأس العالم، خلال حدث رياضي في زيورخ 20 نوفمبر 2025

ويعود جانب كبير من هذه الزيادة إلى الطلب العالمي المتنامي على حقوق البث، ولا سيما في الأسواق الكبرى. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت قيمة حقوق البث المرتبطة بكأس العالم 2026 بنحو 94 في المئة مقارنة بالدورة السابقة، مدفوعة باستضافة البلاد للبطولة وتصاعد المنافسة بين شبكات البث والمنصات الإعلامية الكبرى على المحتوى الرياضي الحي.

أما المنصات الرقمية مثل "دا زون" (DAZN) و"يوتيوب" و"آبل تي في"، فقد أسهمت في توسيع آفاق البث الرياضي عبر تقديم المباريات مباشرة والمحتوى المصاحب والقصير، مع اعتماد نماذج إيرادات متنوعة تشمل الاشتراكات والإعلانات والرعايات الرقمية، مما عزز القيمة التجارية للمحتوى الرياضي.

كيف تتحدى "الفيفا" تحدي المناطق الزمنية والجغرافيا؟

على الرغم من الإيجابيات المالية الكبيرة، يواجه مونديال 2026 تحديا جغرافيا يتمثل في اتساع رقعة القارة الأميركية وتعدد مناطقها الزمنية (Time Zones) . قد يحول هذا التباين دون تمكن ملايين المشاهدين في أسواق شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط من متابعة بعض المباريات الحيّة في أوقات ذروة محلية مناسبة.

بلغت إيرادات التذاكر والضيافة يوم المباريات في قطر 2022 نحو 950 مليون دولار، 686 مليون دولار أميركي منها حصده بيع التذاكر، فيما جرى تحقيق 243 مليون دولار أميركي من خلال بيع حقوق الضيافة

لكن "الفيفا" حوّلت هذا التحدي إلى فرصة استثمارية، من خلال مبيعات حقوق البث الرقمي والملخصات السريعة عبر الهواتف الذكية. فعبر تطبيق "فيفا بلاس" (+FIFA) والشراكات مع منصات التواصل الاجتماعي، تسعى "الفيفا" إلى تحقيق عوائد إعلانية حتى من المشجعين الذين يغطون في النوم أثناء البث المباشر، من خلال إعلانات "ملخصات الصباح التالي" و"الـريلز" "(Reels)" السريعة الانتشار.

شركاء يدفعون المليارات

لا تكتفي "الفيفا" ببيع الصورة التلفزيونية، إنما تبيع أيضا "الارتباط العاطفي" بالعلامة التجارية. وفي حين تتوقع الميزانية الرسمية المعدلة لـ"لفيفا" إيرادات من حقوق التسويق تبلغ 1.78 مليار دولار، فإن مؤسسات وتحليلات مستقلة عدة تتوقع أن تصل إيرادات الرعاية المرتبطة بكأس العالم 2026 تحديدا إلى 2.7-2.8 مليار دولار.

أ.ف.ب
صورة جوية تظهر تجهيزات منطقة مهرجان مشجعي الفيفا في ساحة بلازا دي لا ليبيراسيون في غوادالاخارا، المكسيك، 9 يونيو 2026

تدفع شركات عملاقة (مثل أديداس، كوكا كولا، وأرامكو، وفيزا) مبالغ ضخمة مقابل الظهور على لوحات الملاعب الرقمية والإعلانات والفعاليات المصاحبة. وبحسب تقارير "الفيفا"، فإن زيادة عدد المباريات في هذه النسخة وفرت مساحات وفرصا ترويجية مضاعفة للشركاء، مما جعل الاستثمار مربحا للطرفين.

من الجماهير إلى "التجربة الفاخرة"

داخل الملاعب، تروي التذاكر وباقات الضيافة قصة النمو الأبرز. فبعدما بلغت إيرادات التذاكر والضيافة في قطر 2022 نحو 950 مليون دولار، 686 مليون دولار أميركي منها حصده بيع التذاكر، فيما جرى تحقيق 243 مليون دولار أميركي من خلال بيع حقوق الضيافة الخاصة بكأس العالم، يتوقع أن تقفز هذه الإيرادات في 2026 إلى نحو 3 مليارات دولار، مدفوعة بارتفاع أسعار التذاكر والتركيز الشديد على "باقات الضيافة الفاخرة".

وتحتفظ "الفيفا" بحقوق البيع كاملة عبر شركة تابعة لها، وتركز على جلب الجمهور الراغب في تجارب شاملة تضم مقاعد الشخصيات المهمة (VIP) والمنصات الرئيسة، وبوفيهات وضيافة فاخرة من فئة 5 نجوم، فضلا عن وصول حصري لكواليس الملاعب والفعاليات الجانبية. يرفع هذا النموذج متوسط الإيراد لكل مشجع مستفيدا من السعة الاستيعابية الضخمة للملاعب الكبيرة المتوفرة في أميركا الشمالية.

في مفارقة لافتة، فإن السعي إلى تحقيق إيرادات قياسية عبر التسعير المرتفع أثار انتقادات متزايدة من جماهير اللعبة، وسط مخاوف من أن تتحول البطولة الأكثر ربحية في التاريخ إلى البطولة الأقل قدرة على استقطاب المشجع العادي إلى المدرجات

غير أن استراتيجيا التسعير لم تمر من دون جدل. ففي الأسابيع الأخيرة، فتحت سلطات ولايتي نيويورك ونيوجيرسي تحقيقا في بعض ممارسات بيع تذاكر البطولة، بعد شكاوى تتعلق بالتسعير الديناميكي (Dynamic Pricing) وارتفاع الأسعار بصورة حادة، إضافة إلى تقارير إعلامية تزعم خلق ندرة مصطنعة للتذاكر ومعلومات غير واضحة حول مواقع المقاعد. ويعكس هذا الجدل التوتر المتزايد بين سعي "الفيفا" إلى تعظيم الإيرادات وبين مطالب الجماهير بالحفاظ على إمكان الوصول إلى الحدث بأسعار معقولة.

رويترز
ملعب ميتلايف الذي يستضيف منافسات كأس العالم لكرة القدم 2026، في إيست رذرفورد، نيوجيرسي، الولايات المتحدة، 7 مايو 2026

وفي مفارقة لافتة، فإن السعي إلى تحقيق إيرادات قياسية عبر التسعير المرتفع أثار انتقادات متزايدة من جماهير اللعبة، وسط مخاوف من أن تتحول البطولة الأكثر ربحية في التاريخ إلى البطولة الأقل قدرة على استقطاب المشجع العادي إلى المدرجات.

الترخيص والمنتجات التجارية

تضيف حقوق الترخيص نحو 669 مليون دولار إلى إيرادات "الفيفا" خلال دورة 2023-2026، وفقا للميزانية الرسمية للاتحاد الدولي. وتشمل هذه الحقوق منح تراخيص استخدام العلامة التجارية لكأس العالم وشعاراته على القمصان والكرات الرسمية والتذكارات والمنتجات الاستهلاكية المختلفة، مقابل إتاوات مالية. كما تعمل "الفيفا" على توسيع حضورها الرقمي عبر منصات التجارة الإلكترونية والمقتنيات الرقمية القائمة على تقنية الـ"بلوك تشين" ومبادرات مرتبطة بالألعاب الرقمية.

تباع هذه المنتجات داخل الملاعب، فضلا عن المنصات الإلكترونية وعالميا، مستفيدة من موجة الحماسة العالمية التي يولدها الحدث.

الرقمية، الفعاليات، والشراكات

تتجاوز مصادر الدخل الأقسام الرئيسة التي سبق وذكرناها، لتشمل الفعاليات المصاحبة مثل مهرجانات المشجعين (Fan Festivals)، التي تجذب ملايين الزوار وتدر إيرادات إضافية من الرعاية المحلية.

وبفعل النجاح التجاري لمونديال الرجال، قرر مجلس "الفيفا" رفع إجمالي المخصصات المالية للمنتخبات الـ48 المشاركة في كأس العالم 2026 بنسبة إضافية تبلغ 15 في المئة، لتصل إلى 871 مليون دولار. 

على الرغم من أن كأس العالم يُسوَّق غالباً بوصفه فرصة اقتصادية استثنائية للدول والمدن المضيفة، فإن البيانات المالية تشير إلى أن "الفيفا" تبقى المستفيد المالي الأكثر استقراراً من البطولة

وتشمل هذه الزيادة رفع مخصصات التحضير لكل منتخب من 1.5 مليون إلى 2.5 مليون دولار، وزيادة مكافآت التأهل من 9 ملايين إلى 10 ملايين دولار، فضلا عن تقديم مساهمات إضافية لتغطية نفقات الوفود وتوسيع مخصصات التذاكر الممنوحة للفرق، بما يتجاوز 16 مليون دولار.

كيف تتوزع المليارات؟ خريطة إيرادات "الفيفا"

تتوزع إيرادات "الفيفا" في دورة 2023-2026 وفق نسب تقريبية تعكس أولوياتها الاستراتيجية، حيث تشكل حقوق البث التلفزيوني والرقمي النسبة الكبرى كما سبق وذكرنا، تليها إيرادات التذاكر وباقات الضيافة بنسبة تقارب 28 في المئة، ثم الرعاية والتسويق بنحو 24 في المئة، فيما تسهم حقوق الترخيص والمنتجات التجارية بنسبة نحو 6 في المئة.

رويترز
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، يتحدث في المؤتمر 76 لكرة القدم، في فانكوفر، كندا 30 أبريل 2026

ومن الجدير بالذكر أن الجزء الأكبر من إيرادات "الفيفا" خلال الدورة المالية الممتدة لأربع سنوات يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بكأس العالم للرجال، التي تمثل المصدر الرئيس لتمويل المنظمة. ولذلك، تبدو السنوات الثلاث التي تسبق البطولة أكثر هدوءا من الناحية المالية مقارنة بعام المونديال، الذي يشهد تدفقا استثنائيا للإيرادات الناتجة من حقوق البث والرعاية والتذاكر والضيافة والتراخيص التجارية.

من يجني الحصة الكبرى؟

وعلى الرغم من أن كأس العالم تُسوَّق غالباً بوصفها فرصة اقتصادية استثنائية للدول والمدن المضيفة، فإن البيانات المالية تشير إلى أن "الفيفا" تبقى المستفيد المالي الأكثر استقرارا من البطولة.

فالاتحاد الدولي يحتفظ بمعظم عائدات البث والرعاية والتراخيص مع إعفاءات ضريبية واسعة، بينما تتحمل الحكومات والمدن المضيفة (16 مدينة في هذه النسخة) جانبا مهما من تكاليف الأمن، النقل، البنية التحتية، وتنظيم الفعاليات المصاحبة. هذا النموذج يجدد مع كل نسخة، النقاش حول "عدالة توزيع العوائد" بين منظومة "الفيفا" والمدن المضيفة التي قد لا تلمس عائدا مباشرا يوازي حجم إنفاقها الضخم.

وتشير التقارير المحلية من المدن الأميركية (مثل نيويورك/نيوجيرسي، لوس أنجليس، وأتلانتا) إلى أن البلديات المحلية تضغط بقوة لزيادة حصتها من عائدات "مناطق المشجعين" (Fan Zones) ومبيعات التجزئة المحلية، بعدما تبين أن "الفيفا" تستحوذ على المعاملات المالية الكبرى مع إعفاءات ضريبية كاملة من الولايات.

كرة القدم... لعبة أم إمبراطورية مالية؟

مع انطلاق صافرة البداية هذا الصباح في مونديال 2026، تكون "الفيفا" قد أثبتت مجددا أنها أتقنت فن تحويل الشغف الكروي إلى ثروة مستدامة. فخلف كل هدف يهزّ الشباك وكل احتفال جماهيري مجنون في المدرجات، تعمل منظومة اقتصادية شديدة التعقيد جعلت من كأس العالم الحدث التجاري الأنجح على وجه الأرض. وبينما تتنافس المنتخبات على الكأس الذهبية، تستمر "الفيفا" في حصد المليارات، تاركة سؤالا مفتوحا حول كيفية تحقيق توازن حقيقي بين الأرباح الهائلة، وبين الحفاظ على سحر اللعبة الشعبي وخدمة الجماهير التي تصنع هذا السحر؟

font change

مقالات ذات صلة