أنطولوجيا قصصية تلقي الضوء على أدب أفريقيا المكتوب بالعربيةhttps://www.majalla.com/node/331508/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%84%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9
لا تشبه "أنطولوجيا القصة القصيرة في الأدب العربي الأفريقي" مثيلاتها من الأنطولوجيات الأدبية العربية التي صدرت سابقا، فهي تكشف لنا عن أرض جديدة للأدب العربي لم نكن نعرف معظمها. فباستثناء الأدب السوداني المعروف في العالم العربي، فإن أدب جنوب السودان وتشاد وإريتريا والصومال وجيبوتي، المكتوب بالعربية، لا يزال غير منتشر بما فيه الكفاية.
الأنطولوجيا التي صدرت أخيرا عن "دار الريس" أعدها الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن وقدم لها الناقد آدم يوسف والناقدة مواهب إبراهيم بدراستين مهمتين تلخصان اتجاهات السرد في المجموعة والجوانب الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالإنتاج الأدبي في هذه البلدان.
ما وراء الصحراء
احتل السودان في هذه المجموعة نحو ثلثي القصص ربما بسبب ازدياد الإنتاج الأدبي باللغة العربية في هذا البلد. فيما احتلت البلدان الخمسة الأخرى الثلث الأخير من الكتاب. وهناك ثلاثة من هذه البلدان لغتها الرسمية ليست العربية هي جنوب السودان والصومال وإريتريا. أما تشاد وجيبوتي، فتخضعان، بحسب المعد، "للإرث اللغوي للمستعمر الفرنسي الذي تطغى لغته على اللغة العربية رغم أن دستوري البلدين نصا على أن اللغتين العربية والفرنسية هما اللغتان الرسميتان للدولة". وتحتوي الأنطولوجيا على 148 قصة قصيرة لـ 107 كتاب، إذ إن بعض الكتاب نشرت له قصتان أو ثلاث.
يرى الناقد آدم يوسف أن الأدب القصصي باللغة العربية ظهر متأخرا في دول أفريقيا ما وراء الصحراء، وأن هناك أقطارا لم تشهد هذا اللون من الأدب باللغة العربية، مشيرا إلى أن كتابة الشعر لا تزال هي الطاغية. ونوه بأن بعض الكتاب الأفارقة يتحفظون عن استخدام مصطلح "دول أفريقيا جنوب الصحراء" التي تشملها المجموعة القصصية "باعتبار أن له دلالات استعمارية، وأن أفريقيا قارة واحدة".
تتناول النصوص قضايا الفساد السياسي وأهوال الحروب والتهميش والهجرة والمنفى ووضع المرأة والموروث الأسطوري والعادات والتقاليد
يتفق الناقدان آدم يوسف ومواهب إبراهيم على أن الكتاب جمعوا بين تقنيات الكتابة التقليدية والحديثة وجسدوا في هذه النصوص قضايا الفساد السياسي وأهوال الحروب والتهميش والهجرة والمنفى ووضع المرأة والموروث الأسطوري والعادات والتقاليد. وقدمت النصوص "وجهات نظر جديدة للقراء، من خلال أسماء المدن والأغاني والأمثال والحكم المقتبسة من تراثهم، وذلك من أجل تأصيل ثقافة تجسد روح الهوية والتراث، وتعبر عن طريقة حياتهم ومغامراتهم وأفكارهم". واختصت موضوعات قصص جنوب السودان "بقضايا المجتمع المسيحي ونقلت عاداته وتقاليده وطقوسه وأساليب حياته".
ونوه الناقدان بأسماء متميزة في تاريخ الأدب الأفريقي مثل إبراهيم الكانمي وبابا التنبكتي والكاتب التشادي الراحل علي يوسف ماريل، إلى جانب الهادي محمد آدم وأحمد جابر وموسى شاري وعبد القادر ابه وصلاح عبدالله البلالي من الجيل الأول في تشاد، ومن الجيل الثاني: كوثر سالمي وعامر يوسف القوني وجدي روزي. ومن جنوب السودان برزت أسماء في العقدين الأخيرين من أمثال استيلا قايتانو وجون بوي وآرثر قابريال. أما من السودان فنوها بأسماء ساهمت في تطور القصة القصيرة، ونحا بعضها في اتجاه التجريب أمثال إبراهيم إسحق وبشرى الفاضل وعيسى الحلو وصلاح البشير ويحيى فضل الله وبثينة خضر والصادق محمد عبد الرحيم.
مشهد جوي لنهر النيل قرب مدينة جوبا في جنوب السودان، 2025
وتشير مواهب إبراهيم إلى التجارب الجديدة التي تجاوزت التقنيات التقليدية "ومالت إلى أسلوب التداعي، والحوار الداخلي، والاتجاه إلى الرمز بدلا من التصريح والتعبير المباشر. كذلك غياب أثر الحدث والتعرض إلى مواضيع أخرى مختلفة وتجارب نفسية وذاتية واستخدام تيار الوعي، وعدم وضوح الشخصية وتعدد شخصيات القصة بتعدد مقاطعها وأحداثها وبروز ما يسمى بالبطل الجماعي، والابتعاد عن السرد الذي لا طائل منه، واستعمال المونولوغ لرسم معالم الشخصية وإبراز صفاتها وسبر أغوارها واستخدام اللغة الشعرية الموحية والمكثفة، بحيث تقترب لغة القصة الحديثة كثيرا من لغة القصيدة، أما نهايات القصة القصيرة فهي مفتوحة وأصبحت مهمة القارئ ليحسم النهاية بناء على ثقافته، والخاتمة التي تسيطر على أفق توقعه".
واقعية نقدية
يلاحظ أن الكثير من القصص المختارة انتهجت واقعية نقدية، تصور الحياة الاجتماعية بطريقة رافضة لبؤس الحال، إذ تحمل السلطات الاستبدادية مسؤولية قمع الحريات والحروب الأهلية والاستعلاء الطبقي والفقر، كما في قصص حمد كمال من جيبوتي وجمال همد من إريتريا وعبدالله قاسم دامي من الصومال، ومعاناة المرأة في مختلف حياتها العائلية والاجتماعية كما في قصص آلاء جمال وآن الصافي وصباح السنهوري وأيمن بك وإكرام بركة وروضة الطاهر ومنذر عشرية وموسى حسن شاري.
ويشمل ذلك تناول القصص للأساطير والحكايات الشعبية، فبعضها لم يستفد من هذا الموروث السردي جماليا واتجه نحو نقد ممارساته الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بقصص السحر والجن والأشخاص المعتقدين بـ"الأولياء الصالحين"، باعتبارها خرافات شعبية تعيق تطور الوعي وتحد من الانتفاع من الوسائل والابتكارات المعاصرة في الطب والحياة.
امرأة سودانية تنسج سعف النخيل في قرية السقاي شمال الخرطوم، 2023
وتكشف بعض هذه القصص عن أضرار اجتماعية في ممارسة هذه الخرافات، فهناك امرأة، في قصة "حفنة من تراب" لرهام حبيب الله، لم تذهب بطفلها إلى طبيب القرية لعلاجه وذهبت بدلا من ذلك إلى تابعة لأحد الأولياء حيث حصلت على تمائم وأوراق مليئة بالطلاسم، فكانت النتيجة موت الطفل. وفي قصة أخرى لعبد الباسط مريود تتحدث عن "السبر"، كوقاية خرافية من "العين والسحر" عبر تمائم وقلائد حول الرقبة تتوسطها "ظفر حوت". كما هناك قصة لعصام أبو القاسم تحذر فيها الأم أطفالها من الذهاب إلى بيت جارهم لوجود شجرة هناك مسكونة بالشياطين. وقصة لاستيلا قايتانو تزعم فيها الجدة بأنها رأت زوجها الميت يعود بصورة تمساح.
يمكن ملاحظة بعض التجارب اللافتة التي تجاوزت التحديدات البنائية للقصة القصيرة، مثل قصة "جدلية الحياة بين طي السحاب" لأسماء عثمان الشيخ، التي لمست لواعج الجسد واشتهاءه بلغة جريئة، وقصة "جثة تتكئ على عمود" لمنصور الصويم حيث يربط الواقعي بالمتخيل الفجائي، من خلال قصة أربعة شيوخ يخرجون معا لأداء صلاة الفجر، وفي كل يوم يرون عددا متزايدا من جثث القتلى مربوطة إلى عمود كهرباء حتى اليوم السابع الذي يعون فيه أن أجسادهم هي الأخرى اتخذت شكلا أقرب إلى الصليب.
إلى جانب قصص فنية أخرى لمحمد حسن النحات وعماد البلك وسارة الجاك ورانيا مأمون وأحمد أبو حازم وأريج محمد أحمد وأسامة الشيخ إدريس وصديق الحلو وطلال الطيب إبراهيم وعبد الغني كرم الله وهبة الأمين.
الكاتبة السودانية رانيا مأمون خلال مشاركتها في ندوة ضمن مهرجان "ذي أتلانتيك" في واشنطن، 2024
إضافة إلى قصص تراوحت مستوياتها الفنية بين الخطاب النقدي والهواجس العامة، مثل قصص عاطف الحاج سعيد ومنى محمد صالح وإسراء الريس وتسنيم طه، ودارت القصص حول الهجرة والمنافي وادعاءات المثقفين الزائفين.
بلدان ومناف
لا نعرف الكثير عن الكاتبات والكتاب الذين تضم الأنطولوجيا أعمالهم، فلم تكن هناك سير لهم تبين أعمارهم، أو زمن حياتهم، إلى جانب أعمالهم المنشورة وأماكن سكناهم.
لكننا نعرف من خلال مقدمات المعد والناقدين أن المجموعة تضم قصصا قصيرة "لأدباء وأديبات شباب ومخضرمين" بعضهم يسكنون في بلدانهم والبعض الآخر يسكن في دول الخليج العربي والغرب، وهو ما نلاحظه من خلال مواضيع بعض القصص. كما يتبين أن القصص نشرت في أوقات متقاربة، وكان الاختيار "وفق أسس محددة ومعايير معينة، حيث الاهتمام بالمستوى الفني وتقنيات الكتابة والمحمول الثقافي والتنوع بين أجيال الكتاب، من الرواد والمجددين والحداثيين، وكذلك بين كاتبات وكتاب يمثلون أجيالا مختلفة امتدت حوالى خمسة عقود".
بعض القصص كتب بلغة واقعية حديثة، فيما كتب بعضها الآخر بلغة تقليدية وأخرى رومانسية ووجدانية تعتمد على التشبيهات الشعرية
يحضر في القصص العديد من الأماكن مثل الخرطوم وأم درمان وكسلا وجوبا وأنجمينا وسيتيت وجيبوتي وبر الدناكل وأسمرا وجدة ولشبونة وغيرها.
تتنوع لغة القصص بين الفصحى واللغة الهجينة التي تحتوي على عبارات وحوارات بالعامية، وبعضها كتب بلغة واقعية حديثة، فيما كتب بعضها الآخر بلغة تقليدية وأخرى رومانسية ووجدانية تعتمد على التشبيهات الشعرية. وفي بعض القصص ظهر الخطاب السياسي بشكل مباشر وتقريري، خاصة حين تعمد كتابها الكشف عن الأوضاع الاجتماعية في هذه البلدان والمنافي.