أسطرة الكائن في رواية "غبش" للألماني فيرنر هرتسوغ

شبح الإمبراطورية اليابانية

Lina Jaradat
Lina Jaradat

أسطرة الكائن في رواية "غبش" للألماني فيرنر هرتسوغ

كرس الكاتب والمخرج الألماني فيرنر هرتسوغ جانبا واسعا من تجربته السينمائية والكتابية لتتبع شخصيات تتحرك عند الحواف القصوى للتجربة الإنسانية. شخصيات تنجذب نحو العزلة والمخاطرة والهوس، كأنها تستجيب لقوة خفية تدفعها بعيدا من الاستقرار واليقين.

لهذا تتسم أعماله بتوتر داخلي عميق، حيث تبدو الشخصيات في مواجهة دائمة مع الطبيعة والزمن وأسئلتها الوجودية الثقيلة. ومن داخل هذا العالم الفني يتشكل عمله الروائي، "غبش"، الصادر عن "دار قرطاس" في أربيل (2026، ترجمة كاميران حوج).

تنطلق الرواية من الحادثة المرتبطة بالملازم الياباني هيرو أونودا، الذي واصل القتال في جزيرة لوبانغ الفيليبينية حتى عام 1974 تحت تأثير قناعته بأن الحرب العالمية الثانية لا تزال قائمة. ومن خلال هذه الواقعة يبتعد الكاتب عن السرد التاريخي المباشر، ويتجه نحو تتبع التشققات العميقة في وعي رجل استحوذت عليه فكرة واحدة حتى غدت مركز وجوده بالكامل. هكذا تتحول الرواية إلى رحلة داخل عقل يتآكل ببطء ويرفض الاعتراف بانهيار العالم الذي تأسس عليه.

منذ المشهد الافتتاحي، تتقدم الغابة بوصفها حضورا كثيفا يحيط بالشخصيات ويراقب حركتها بصمت غامض، حتى تبدو كائنا يمتلك وعيه الخاص. فالمطر والطين والأوراق المتحللة والحشرات والأصوات المتداخلة، تتحول تدريجيا إلى لغة خفية تحكم العالم الداخلي للرواية.

وعندما يظهر هيرو أونودا خارجا من بين الأوراق للمرة الأولى، يشعر القارئ بأنه يخرج من عمق الدغل ذاته، كأن الطبيعة احتفظت به طويلا داخل عتمتها الرطبة ثم دفعته فجأة إلى الضوء: "ببطء، ببطء شديد، يتخذ رجل الورق سمات. هل هو شبح؟ ذاك الذي كنت أراه طوال الوقت دون أن أدرك كنهه، رغم أنه أمام عيني، جندي ياباني؟ هيرو أونودا".

يكتب هرتسوغ شخصيته ككائن يعيش حالة تحول مستمرة، نصفه إنسان، ونصفه أثر متبق من مهمة عسكرية قديمة

يكشف هذا المقطع جوهر البناء الروائي؛ فأونودا يظهر بوصفه صورة باهتة للحرب نفسها، رجلا تآكلت ملامحه الإنسانية تحت تأثير العزلة الطويلة والاختباء الدائم، حتى التحم وجوده بالغابة والرطوبة والظلال. يكتب هرتسوغ شخصيته ككائن يعيش حالة تحول مستمرة، نصفه إنسان، ونصفه أثر متبق من مهمة عسكرية قديمة لا تزال تتحكم بمصيره. ومن هنا تقترب الرواية من التأمل الوجودي العميق في العزلة والزمن والهوية أكثر من اقترابها من السرد الحربي المعتاد.

الحرب بوصفها عقيدة روحية

تتجلى الحرب في الرواية بوصفها منظومة إيمانية كاملة، إذ يقاتل أونودا دفاعا عن المعنى الذي يمنح وجوده تماسكه واستمراره، فالأوامر العسكرية التي تلقاها عام 1944 خرجت من حدود التعليمات الميدانية العابرة، وتحولت إلى مصير نهائي يحكم رؤيته للعالم. يقول له القائد: "اعتبارا من هذه اللحظة لا توجد قواعد. أنت القاعدة".

تحمل هذه العبارة الثقل الفكري للرواية كلها، إذ يتحول الجندي إلى مرجعيته الوحيدة، ويغدو مع مرور الزمن عالما كاملا قائما بذاته، منفصلا عن حركة الواقع وتحولاته. ويتمكن أونودا عند تلك النقطة من إنكار نهاية الحرب، والتشكيك في العالم المحيط، والتعامل مع العقود الطويلة التي مرت بوصفها امتدادا طبيعيا لمهمته الأولى.

  JIJI PRESS / AFP
الجندي الياباني هيرو أونودا بعد خروجه من الأدغال في جزيرة لوبانغ بالفيليبين، حيث ظل مختبئا منذ الحرب العالمية الثانية معتقدا أن الحرب لم تنتهِ

ومن داخل هذا اليقين يتكون وعي أونودا الجديد، إذ يتعامل مع العالم الخارجي كمساحة ملتبسة ومخادعة، فيواصل التشبث بفكرته الأولى، وكأن السنوات الطويلة التي مرت ليست سوى استمرار طبيعي للحظة البداية. ولهذا يقترب الكاتب من شخصيته بحذر إنساني عميق، فيظهر أونودا مأخوذا بالطاعة حتى أقصى حدودها، غارقا داخل يقين صارم يمنحه قدرة هائلة على الاحتمال والصمود، وفي الوقت نفسه يعزله عن التحولات الكبرى التي اجتاحت العالم من حوله. وعندما يصل الرحالة نوريو سوزوكي إلى الجزيرة ويخبره بانتهاء الحرب، يتخذ المشهد طابع مواجهة بين زمنين متباعدين، زمن العالم الذي تبدل عبر السنين، وزمن أونودا الساكن داخل لحظة عسكرية قديمة. فاليابان تغيرت، والإمبراطور فقد هالته المقدسة، والعالم اندفع نحو عصر جديد، بينما بقي أونودا عالقا داخل أوامره الأولى، كأن الزمن توقف عنده منذ لحظة الانسحاب الياباني.

وفي السياق ذاته تتحول الطبيعة في الرواية إلى مرآة دقيقة للحالة النفسية التي يعيشها أونودا، إذ تظهر الغابة كأنها كيان هائل يبتلع البشر ببطء، وتغدو الأشجار والرطوبة والضباب عناصر تشارك في بناء العالم الداخلي للشخصية.

تظهر الغابة كأنها كيان هائل يبتلع البشر ببطء، وتغدو الأشجار والرطوبة والضباب عناصر تشارك في بناء العالم الداخلي للشخصية

يكتب هرتسوغ مشاهده بحس بصري كثيف، فتتحرك الصورة داخل المطر والأوراق المبتلة والأصوات المتشابكة. كما تكتسب الأصوات داخل الرواية حضورا لافتا. فالطنين وصرير الزيزان وخرير المياه وخشخشة الخطوات، تتحول إلى إشارات وجودية يقرأ عبرها أونودا العالم المحيط به. شيئا فشيئا يتشكل في داخله وعي جديد قائم على الإصغاء الدائم والترقب المستمر، فتغدو الحشرات مصدر طمأنينة، ويتحول الصمت إلى إشارة خطر، فيما تصبح الريح احتمالا دائما لاقتراب تهديد مجهول.

غلاف رواية "غبش"

يمنح هذا التحول الرواية طابع الأسطورة البدائية عن الإنسان العائد إلى الطبيعة الأولى، غير أن هذه العودة تتجه نحو اختبار دائم للقلق والارتياب. يعيش أونودا في يقظة متواصلة تحرمه الراحة وتبقيه أسيرا لحالة التأهب المستمرة، ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي تشيده الرواية: ماذا يحدث للإنسان حين يقيم ثلاثين عاما داخل حالة تأهب واحدة؟.

يشكل ظهور نوريو سوزوكي في الرواية منعطفا شديد الإنسانية، إذ يبدو هذا الرحالة الشاب كأنه قادم من زمن مختلف تماما. فهو ينتمي إلى اليابان الجديدة التي خرجت من الحرب واتجهت نحو السفر والانفتاح وثقافة الاستهلاك، فيما يقف أمامه أونودا بوصفه صورة لليابان القديمة المشدودة إلى الإمبراطور والانضباط العسكري والأسطورة القومية.

ومن خلال اللقاء بين الشخصيتين، يبني الكاتب واحدا من أكثر مشاهد الرواية عمقا وحيوية، لأن الحوار بينهما يتجاوز تبادل المعلومات ليتحول إلى مواجهة بين شكلين متباعدين من الوعي: سوزوكي يتحدث بخفة شاب مأخوذ برغبة الاكتشاف والترحال، بينما يتحدث أونودا بروح ناسك عسكري يعيش داخل يقين ثابت لم يتزعزع عبر السنين. حتى اللغة بينهما تبدو متنافرة، أحدهما ينتمي إلى المستقبل، والآخر إلى ماض متصلب.

 Stefano RELLANDINI / AFP
المخرج وكاتب السيناريو الألماني فيرنر هرتسوغ خلال عرض فيلم "أشباح الفيلة" في مهرجان البندقية السينمائي، 2025

وتزداد دلالة شخصية سوزوكي عمقا حين يظهر بوصفه شخصية هرتسوغية بامتياز: رحالة يطارد اليتي والباندا وأونودا بالترتيب نفسه، كأنه يبحث عن الكائنات النادرة والهاربة من العالم الحديث. ومن خلاله يصنع هرتسوغ مرآة معاكسة لأونودا، إذ يعيش الاثنان خارج النظام الاجتماعي المألوف، غير أن كلا منهما اختار طريقا مختلفا لفهم وجوده، أحدهما اتخذ الترحال تعبيرا عن الحرية والانفتاح، فيما كرس الآخر حياته لفكرة الحرب بوصفها مصيرا نهائيا.

بين الوثيقة والقصيدة

يكتب هرتسوغ بجمل مشبعة بالصورة والحس البصري، وفي الوقت نفسه يحافظ على نبرة تقريرية تمنح السرد طابعا توثيقيا. ومن خلال هذا التداخل بين الروائي والوثائقي يكتسب النص طاقته الأسلوبية الفريدة، إذ يبدو السرد أحيانا أقرب إلى تقرير عسكري جاف، ثم ينزلق فجأة نحو حلم استوائي كثيف تغمره الرطوبة والكوابيس والظلال. وتأتي جمله قصيرة في كثير من المواضع، غير أنها محملة إيحاءات واسعة تتجاوز معناها المباشر. فالوصف عنده يرتبط ببناء الحالة الذهنية، حتى يشعر القارئ تدريجيا بأنه يتحرك داخل الضباب نفسه الذي يحيط بأونودا ويعزل وعيه عن العالم. ومن هنا يكتسب عنوان الرواية، "غبش"، دلالته العميقة، إذ يشير إلى حالة إدراك مضطربة تتأرجح بين الحقيقة والوهم، وبين اليقظة والحلم.

تظهر العزلة في الرواية باعتبارها عملية إعادة تشكيل للهوية، أكثر من كونها ظرفا خارجيا عابرا

وقد حافظ المترجم إلى حد ما على هذا النفس الغائم الذي يميز لغة هرتسوغ، فجاءت اللغة متماسكة ومشبعة بالإيقاع الداخلي، وقادرة على نقل ذلك التوتر الدائم بين الجمال والقسوة. ولهذا تبدو بعض المقاطع كأنها كتبت بالعربية، خصوصا تلك المشاهد المرتبطة بالغابة والأمطار والكوابيس الليلية.

تظهر العزلة في الرواية باعتبارها عملية إعادة تشكيل للهوية، أكثر من كونها ظرفا خارجيا عابرا. فعلى امتداد العقود الطويلة يفقد أونودا صلته بالعالم الذي عرفه سابقا: الأصدقاء يرحلون، الحرب تنتهي، الإمبراطور يتغير، والمدن تدخل تحولات جديدة، فيما يبقى هو ثابتا داخل الدغل. ليغدو هذا الثبات تعبيرا عن حالة تجمد وجودي تستنزف الإنسان من الداخل.

ومن خلال هذه العزلة تكشف الرواية قدرة العقل على بناء عالم كامل من الشك، فكل منشور ياباني يصل إلى أونودا يبدو في نظره خدعة، وكل صوت في الغابة احتمال لكمين، وكل معلومة تتحول إلى جزء من مؤامرة. وهكذا يتبدل العالم المحيط إلى شبكة من التضليل، فيما تبقى المهمة العسكرية الحقيقة الوحيدة التي يتمسك بها وعيه المرتبك. ومن هنا ينبع البعد التراجيدي في الرواية، إذ يظهر أونودا أسيرا ليقينه الشخصي بقدر ما هو أسير الحرب نفسها. فذلك اليقين الذي منحه القدرة على الاحتمال والبقاء، تحول مع مرور الزمن إلى القوة التي التهمت حياته بأكملها.

 JIJI PRESS / AFP
هيرو أونودا يسلّم سيفه العسكري إلى الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس معلنا استسلامه في مانيلا، 1974

تقف الرواية داخل منطقة أخلاقية شديدة التعقيد، حيث يمتلك أونودا انضباطا مذهلا وإرادة نادرة، غير أن هاتين الصفتين تقودانه تدريجيا نحو مصير عبثي قاس. ومن خلال هذه المفارقة يترك هرتسوغ قارئه عالقا داخل مساحة واسعة من الالتباس، فأونودا يظهر تارة بوصفه بطلا صلبا تمسك بمهمته حتى النهاية، ويظهر تارة أخرى بوصفه ضحية يقين مغلق، فيما يبدو أحيانا شخصية مأسوية علقت بين الأسطورة والواقع.

ويشكل هذا التردد أحد أبرز العناصر الجمالية في الرواية، لأن الكاتب يقترب من شخصيته بعيدا من الأحكام السريعة والتصنيفات الجاهزة. فالإنسان في عالمه أكثر تعقيدا من أي تعريف نهائي، ولهذا تتداخل في أونودا مشاعر الإعجاب والخوف والحزن في آن واحد.

الإنسان سجين مهمته

تنجح رواية "غبش" في تحويل حادثة تاريخية استثنائية إلى تأمل وجودي، حيث تتجاوز الحرب بوصفها حدثا عسكريا لتقترب من الأسئلة المرتبطة بعلاقة الإنسان بأفكاره المطلقة. فالإيمان بفكرة واحدة قد يمنح صاحبه القدرة على الصمود والاحتمال، وقد يسجنه داخلها إلى الأبد.

تكتسب الرواية خصوصية وجعها الإنساني، إذ تفتح باب التأويل على مصراعيه، وتدفع القارئ إلى التفكير في أشكال العزلة الفكرية

يكتب هرتسوغ شخصية أونودا بوصفها صورة مكثفة للإنسان المعاصر الذي يواصل خوض معاركه الداخلية حتى بعد انطفاء أسبابها، ويظل عالقا داخل أوهامه القديمة سنوات طويلة، كأن الخروج منها يعني فقدان المعنى الذي يستند إليه وجوده. ومن هنا تكتسب الرواية خصوصية وجعها الإنساني، إذ تفتح باب التأويل على مصراعيه، وتدفع القارئ إلى التفكير في أشكال العزلة الفكرية التي قد تحاصر الإنسان من الداخل.

وفي خاتمة الرواية يبدو أونودا واقفا داخل الغابة مثل ظل طويل للتاريخ، رجل تآكل الزمن من حوله، فيما بقي هو متشبثا بأمر عسكري وحيد، يتعامل معه بوصفه الأثر الأخير لمعنى يمنحه القدرة على الاستمرار.

font change

مقالات ذات صلة