مصر تعلن المشاركة في "قوة الاستقرار" في غزة... هل تقودها؟

أبدت القاهرة على الدوام تحفظها حيال الطلبات الإقليمية أو الدولية لإرسال قوات إلى خارج حدودها

أ ف ب
أ ف ب
تم نشر دبابة قتال رئيسية من طراز M60 تابعة للجيش المصري ومركبة قتال مشاة بالقرب من الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة في 23 مارس 2024

مصر تعلن المشاركة في "قوة الاستقرار" في غزة... هل تقودها؟

أعلنت مصر أنها ستشارك بقواتها ضمن "قوة الاستقرار الدولية" في غزة، واضعة نفسها في قلب ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع الفلسطيني.

وفيما يبعث القرار برسالة واضحة عن التزام القاهرة بأمن غزة واستقرارها بعد الحرب، فإنه يضع الدولة العربية الكبرى أمام اختبار دقيق: كيف تحمي أمنها القومي من دون أن تنزلق إلى صراع مفتوح يصعب التنبؤ بمساراته وكلفته.

شاركت القاهرة بفاعلية في التخطيط لـ"قوة الاستقرار الدولية" منذ البداية، إذ أفادت تقارير بأنها أنشأت مركز قيادة لهذه القوة في العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، على مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات من حدود غزة. وتضم العريش أيضا مركزا لوجستيا كبيرا تصل إليه المساعدات الإنسانية من الدول المانحة قبل نقلها إلى غزة عبر الحدود المشتركة مع سيناء.

ويحوّل وجود مركز قيادة "قوة الاستقرار الدولية" والمركز اللوجستي في العريش المدينة إلى مركز عصبي لمرحلة تثبيت الاستقرار في غزة بعد الحرب، وربما لمرحلة إعادة الإعمار لاحقا.

وتدرّب مصر أيضا مئات العناصر الأمنية الفلسطينية تمهيدا لنشرهم مستقبلا في غزة. ومنذ البداية، أصرت الحكومة المصرية على أن تحصل "قوة الاستقرار الدولية" على تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد صدر هذا التفويض في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد شهر من إعلان خطة وقف إطلاق النار في غزة في منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر.

ولا تبدو قيادة مصر لـ"قوة الاستقرار الدولية" احتمالا بعيدا، بالنظر إلى قربها الجغرافي من غزة، والدور الذي تسعى إلى أدائه في تثبيت الاستقرار وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار بعد الحرب.

رسم خط فاصل

لا تزال المعلومات شحيحة عن حجم "قوة الاستقرار الدولية"، ومواقع انتشارها في غزة، وموعد بدء هذا الانتشار. وليس في ذلك ما يثير الاستغراب، فالقوة لا تزال قيد التشكيل، وقد تُشجع دول إضافية على الانضمام إليها في المرحلة المقبلة.

وحتى الآن، التزمت خمس دول، بينها إندونيسيا والمغرب، بإرسال قوات إلى هذه القوة، إضافة إلى مصر. ويأتي نشر القوة ضمن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، التي تتعثر منذ دخولها حيز التنفيذ رسميا في منتصف يناير/كانون الثاني من هذا العام.

أبدت مصر على الدوام تحفظها حيال الطلبات الإقليمية أو الدولية لإرسال قوات إلى خارج حدودها. غير أن تعديل هذا الموقف، والالتزام بإرسال قوات إلى "قوة الاستقرار الدولية"، يكشفان مدى الأهمية التي يكتسبها استقرار غزة

وينتظر سكان غزة، الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، نشر هذه القوة بترقب كبير، خصوصا أنها يفترض أن تسهم، ضمن مهام أخرى، في تسهيل دخول كميات كافية من المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي أرهقه الجوع والحصار.

غير أن الأثر الأهم لنشر القوة قد يتمثل في رسم خط فاصل واضح بين واقعين متناقضين: حرب خلّفت خسائر بشرية هائلة في غزة، وهدوء يتيح لسكان القطاع استعادة حقهم في الحياة للمرة الأولى منذ عامين، ولا سيما أن خطة وقف إطلاق النار، التي دخلت حيز التنفيذ في منتصف أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، لم تنجح في إنهاء الحرب الإسرائيلية.

غير أن الواقع جاء مختلفا، إذ تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات في مناطق مختلفة من غزة، تسفر عن ضحايا مدنيين وتدفع الحصيلة البشرية إلى ما يزيد على 73 ألف قتيل، بعد هجوم امتد عامين على القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

رويترز
يسير فلسطينيون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرت خلال الحرب، في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة

ومع ذلك، فإن وجود قوات دولية قد يضع حدا للضربات الإسرائيلية في غزة، أو يخفضها على الأقل إلى أدنى مستوى ممكن، تبعا لنطاق انتشار هذه القوات داخل القطاع.

ويبدو هذا الاحتمال أقوى في ظل الدعم الذي تحظى به "قوة الاستقرار الدولية" من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الراعي الرئيس لخطة وقف إطلاق النار في غزة ذات النقاط العشرين.

كما أن الدور القيادي المصري في القوة سيساعد على تبديد أي انطباع بأنها قوة احتلال أجنبية. فمصر، بسجلها الطويل في دعم القضية الفلسطينية ووساطاتها المتكررة بين الفصائل الفلسطينية، وبين الفلسطينيين وإسرائيل، قادرة على منح المهمة غطاء عربيا وإسلاميا ضروريا يحد من قدرة الأطراف الساعية إلى إفشال خطة وقف إطلاق النار على التحريض ضدها.

مواجهة "حماس"

أبدت مصر على الدوام تحفظها حيال الطلبات الإقليمية أو الدولية لإرسال قوات إلى خارج حدودها. غير أن تعديل هذا الموقف، والالتزام بإرسال قوات إلى "قوة الاستقرار الدولية"، يكشفان مدى الأهمية التي يكتسبها استقرار غزة، وانتقالها من الحرب إلى الهدوء، في حسابات الأمن القومي المصري. فوقف الحرب في غزة سيُبعد، ولو مرحليا، أحد أخطر التهديدات التي واجهت هذا الأمن خلال العامين الماضيين: احتمال تهجير الفلسطينيين إلى مصر.

لا تزال "حماس" مترددة في التخلي عن سلاحها، متذرعة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 60 في المئة من القطاع

وخلال هذين العامين، عارضت القاهرة هذا الاحتمال بكل ما تملكه من أدوات، بما في ذلك التحذير من احتمال انهيار السلام المصري-الإسرائيلي القائم منذ عام 1979. وكادت القاهرة تصل إلى حافة صدام مع واشنطن بسبب رغبة الرئيس ترمب في السيطرة على غزة، وتهجير سكانها، وتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".

غير أن حماسة مصر لانتقال غزة من الحرب إلى الهدوء تبقى محكومة بسقوف واضحة. فـ"قوة الاستقرار الدولية" ستكون مسؤولة، بين مهام أخرى، عن دعم نزع السلاح في غزة. لكن مصر لن تكون على الأرجح مستعدة لمواجهة فصائل غزة، وفي مقدمها "حماس"، لفرض هذا البند إذا رفضت تلك الفصائل التخلي عن سلاحها.

فمثل هذا المسار سيحوّل "قوة الاستقرار الدولية" إلى أداة لحماية إسرائيل، بما يدفع الرأي العام الفلسطيني إلى الانقلاب عليها. كما أن تورط القوة في قتال الفصائل سيجعل غزة ساحة شديدة الخطورة، وهو احتمال يصعب أن تقبل به القاهرة.

وتسعى مصر إلى تطبيق بند نزع السلاح بطريقتها الخاصة: عبر الإقناع لا الإكراه. وقد استضافت اجتماعات عدة للفصائل الفلسطينية، ناقشت خلالها هذه الفصائل التزاماتها بموجب خطة وقف إطلاق النار، بما في ذلك مطلب التخلي عن السلاح.

واجتمعت الفصائل نفسها في القاهرة في 7 يونيو/حزيران، بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان "مجلس السلام"، وهو الهيئة الدولية التي يرأسها ترمب وتشرف على تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، التزام مصر إرسال قوات إلى "قوة الاستقرار الدولية".

وحيدة في الميدان

لم يحقق اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة في 7 يونيو/حزيران أي تقدم في مسألة نزع السلاح.

ولا تزال "حماس"، التي تفيد تقارير بأن لديها نحو 8 آلاف مقاتل في المناطق التي تسيطر عليها داخل غزة، مترددة في التخلي عن سلاحها، متذرعة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 60 في المئة من القطاع.

بالنظر إلى مصالح مصر الاستراتيجية والأمنية في الأراضي الفلسطينية، فإنها ستكون على الأرجح آخر من يغادر الميدان

وكانت "حماس" قد وافقت، بحسب تقارير، أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة على إخراج أسلحتها من الخدمة. غير أن الجماعة الفلسطينية، بتسويفها في هذه المسألة، تعتمد تكتيكا تفاوضيا مألوفا يُنسب كثيرا إلى إيران: إطالة التفاوض إلى ما لا نهاية، من دون تقديم تنازلات حقيقية.

ومن زاوية ما، يعكس هذا التكتيك انعدام ثقة "حماس" بأن إسرائيل ستفي بالجزء الخاص بها من خطة وقف إطلاق النار، أي الانسحاب من غزة. وفي الوقت نفسه، سيمنح إسرائيل، التي ربطت انسحابها بنزع سلاح "حماس"، الذريعة التي تحتاجها للإبقاء على وجودها في القطاع.

أ ف ب
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (في الوسط) يسير على مدرج المطار محاطاً بقائد الجيش المصري الثاني في سيناء محمد عبد الرحمن (على اليسار) ووزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (على اليمين)، لدى هبوطه في مطار العريش، مارس 2024

ويكشف ذلك حجم المخاطر الكامنة في غزة، وهي أرض قد تبقى معلقة إلى أجل غير مسمى بين إسرائيل و"حماس".

ومن شأن وضع كهذا أن يعرقل في نهاية المطاف عمل "قوة الاستقرار الدولية"، وربما يدفع الدول المشاركة فيها إلى الانسحاب. وبالنظر إلى مصالح مصر الاستراتيجية والأمنية في الأراضي الفلسطينية، فإنها ستكون على الأرجح آخر من يغادر الميدان.

وبذلك، قد تجد القاهرة نفسها معزولة ومضطرة إلى تحمل العبء الثقيل لتأمين غزة وحدها، في دور ستكون له كلفة سياسية وأمنية باهظة.

وبالنسبة إلى بلد طالما فضّل الوساطة على التدخل المباشر، قد يتحول هذا الدور إلى أحد أكثر خيارات السياسة الخارجية المصرية حساسية وتعقيدا منذ عقود.

font change


مقالات ذات صلة