ديناميكيات اتفاق إسلام آباد... لبنان "مختبر الردع" بين إسرائيل وإيران

المسار التفاوضي قد يتجاوز ولايتي ترمب وعون معاً

المجلة
المجلة

ديناميكيات اتفاق إسلام آباد... لبنان "مختبر الردع" بين إسرائيل وإيران

سيتمكن دونالد ترمب من القول إنه تلقى هدية ثمينة في يوم ميلاده، أمس الأحد، وذلك بعد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني عن التوصل إلى "اتفاق سلام" بين إيران والولايات المتحدة. وهذا ليس تفصيلا عابرا لرئيس مثل دونالد ترمب يسعى لأن يكون بشخصه محور الأحداث حول العالم. ولذلك من المتوقع أن يقول إن إيران أهدته الاتفاق بمناسبة عيد ميلاده بعد أن كان قبل نحو شهرين يهددها بمحو حضارتها، في أغرب تصريح يصدر عن رئيس دولة في التاريخ الحديث.

ولم يكن قليل الدلالة أن تخرج مظاهرات في إيران تندد بالاتفاق وتقول إنه هدية لترمب في يوم ميلاده، بعد أن كان المتظاهرون قد اتهموا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بالتفريط في دماء "المرشد" علي خامنئي، لتأييدهم توقيع اتفاق مع واشنطن. وهو ما يؤشر إلى حجم الانقسام داخل إيران بشأن هذا الاتفاق والذي استدعى تدخلا شخصيا من "المرشد" الجديد مجتبى خامنئي والذي بعث من مخبئه برسالة عاجلة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي يأمرهم فيها بالسير في الاتفاق.

لكن في المحصلة، لا يعدو هذا التزامن بين عيد ميلاد ترمب وإعلان الاتفاق، سوى مكسب رمزي لترمب الذي أمضى العالم أول سنتين من ولايته يحاول أن يتأقلم معه، وقد تكون حربه ضد إيران، والتي لم يحسم الجدل بعد عما إذا كان قد اندفع إليها بذاته أم إن بنيامين نتنياهو قد جره إليها، محطة مفصلية في ولايته الثانية التي اقتربت من منتصفها؛ إذ لا يعرف بعد عما إذا كان ترمب سيخرج أقوى أو أضعف منها، ولعلّ أولى المحطات التي تنتظره هي الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي كان دنو موعدها أحد أسباب استعجاله إنهاء الحرب مع إيران ولو من دون اتفاق نهائي، لن يتم التوصل إليه على الأرجح.

غني القول إن الاتفاق بصيغته الحالية هو بمثابة تجميد للأزمة أو أداة لإدارتها لا إنهائها

وربما استفادت إيران نفسها بمقدار ما تضررت من أسلوب ترمب وطريقته في إدارة الملف الأكثر خطورة وحساسية خلال ولايته الحالية أي الملف الإيراني، وهذا ما سيتبين خلال الأسابيع بل الأشهر المقبلة، إذ لا يزال أمام الرئيس الأميركي والنظام الإيراني "الجديد" نحو سنتين من التعامل الثنائي الذي لا يحسم الاتفاق الحالي مآلاته.

 وغني القول إن الاتفاق بصيغته الحالية هو بمثابة تجميد للأزمة أو أداة لإدارتها لا إنهائها، إذ يؤدي في مرحلته الأولى إلى "وقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان"، وإعادة إطلاق الملاحة في مضيق هرمز، بما يؤدي إلى تهدئة الأسواق، وخفض أسعار النفط، وهو ما يريده ترمب راهنا. بينما يؤجل التفاوض بشأن القضية النووية، والتي كانت السبب المعلن للحرب، إلى مرحلة ثانية، من المرجح أن تكون طويلة ومعقدة، وقد لا تنتهي إلى اتفاق، ولاسيما أن إيران التي يرجح أن تستفيد من الرفع الجزئي للعقوبات ومن الإفراج عن بعض أموالها المجمدة، وربما من فرض رسوم على عبور الناقلات في مضيق هرمز، لن تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات في الملف النووي، وهو ما يشكل نقطة توجس رئيسة لإسرائيل.

أ ف ب
سيارة محملة بالأمتعة تمر أمام مبنى مدمر في النبطية في 15 يونيو 2026

 وهذا فضلا عن أن النسخة الإيرانية للاتفاق والتي نشرتها وكالة "مهر" شبه الرسمية، تحصر المفاوضات بمصير المواد المخصبة والتخصيب، ورفع العقوبات، وبرنامج إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، وتستبعد النقاش حول برنامج الصواريخ الإيراني ودعم "فصائل المقاومة" بشكل قاطع من جدول الأعمال. وهاتان نقطتان لطالما أصرت تل أبيب على أن تشملهما أي عملية تفاوضية أميركية مع إيران. وإذا كانت النسخة الرسمية للاتفاق لم تصدر بعد للتأكد من صحة ما ورد في النسخة الإيرانية المسربة فإن جولات التفاوض السابقة بين الطرفين، والتي لم تؤد إلى اتفاق، قد انحصرت عمليا في الملف النووي، وبالتالي لا يجب استبعاد أن يتكرر الأمر نفسه خلال المسار التفاوضي الحالي، ولاسيما أنه لا توجد مؤشرات حاسمة إلى إمكان انتهائه إلى اتفاق صلب.    

ولذلك لم يكن مستغربا أن يقول ترمب لصحيفة "نيويورك تايمز" إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، فإنه سيستأنف الهجمات العسكرية على طهران، أو يجعل الولايات المتحدة "حارس الشرق الأوسط" مقابل 20 في المئة من إيرادات المنطقة؛ فحتى لو كان من المستحيل الجزم بتحقق السيناريو الذي يتحدث عنه الرئيس الأميركي، غير أن تصريحه يؤشر إلى أن انتهاء ولايته من دون إبرامه اتفاقا نوويا مع إيران يبقى احتمالا مرجحا جدا.

من الواضح أن الاتفاق مع إيران دخل في بازار التنافس الداخلي عشية الانتخابات النصفية بل أكثر من ذلك، فهو أصبح مؤشرا إلى ملامح خوض السباق الرئاسي بعد نحو سنتين

لذلك فإن البحث في الاحتمالات المرتبطة بالاتفاق النهائي بين واشنطن وإيران، على أهميته، لا يجب أن يغني عن التفكير في الآثار الفورية للاتفاق الحالي، أو بالأحرى في الديناميكيات المتصلة به في البلدان المعنية به بشكل رئيس، ولاسيما في الولايات المتحدة وإسرائيل فضلا عن إيران، ولبنان الذي يتلقى نتائج التقاطعات والتناقضات بين هذه الديناميكيات كلها.

فعلى الجانب الأميركي من الواضح أن الاتفاق مع إيران دخل في بازار التنافس الداخلي عشية الانتخابات النصفية بل أكثر من ذلك، فهو أصبح مؤشرا إلى ملامح خوض السباق الرئاسي بعد نحو سنتين، وتحديدا مع بروز نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، كمفاوض رئيس في هذا الملف، وهو أعلن أمس أنه يخطط لحضور حفل توقيع الاتفاق مع إيران في سويسرا يوم الجمعة المقبل. وليس قليل الدلالة أن يعلن فانس، بالتزامن، بأنه سيناقش مع زوجته، إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية  بعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

أ ف ب
رجل يشق طريقه عبر ممر متضرر بشدة في وسط النبطية في 15 يونيو 2026

علما أن فانس كان من أكثر الشخصيات في الإدارة الأميركية رفضا للحرب ضد إيران بخلاف منافسه الرئاسي المحتمل وزير الخارجية ماركو روبيو، ولذلك اشترطت طهران أن يكون على رأس وفد بلاده في مفاوضات إسلام آباد. كما يمثل فانس أكثر شخصيات الإدارة الأميركية تماهيا مع القاعدة الشعبية المنتقدة لإسرائيل داخل حركة "ماغا"، وهو كان قد تحدث خلال الأيام الماضية عن تناقض بين الأولويات الأميركية والإسرائيلية بشأن إيران، ولذلك سيكون قياس تأثيره في توجهات الإدارة الحالية حاسما في ملفات المنطقة، ولاسيما لبنان، الذي يخضع بشكل مباشر لانعكاسات التناقض الأميركي-الإسرائيلي على أرض الواقع.

ومن الجانب الإسرائيلي غني عن القول أن هناك إجماعا نادرا، وعلى المستويين السياسي والعسكري، على رفض مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، وقد تحولت عنوانا رئيسا للانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل، والتي تشكل محطة حاسمة في مسيرة نتنياهو، وقد تطيح به.

وكان مسؤولون إسرائيليون قالوا إن نتنياهو أبلغ ترمب بأن إسرائيل لا تعدُّ نفسها مُلزَمة بالبند الخاص بلبنان في الاتفاق مع إيران، وأن إسرائيل "لن تقبل أي ترتيب يحد من حريتها في العمل ضد "حزب الله". لكن لم يعرف رد الرئيس الأميركي عليه، وهذا في وقت ​قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الاثنين، ⁠إن ​إسرائيل لن ⁠تنسحب من الأراضي التي ⁠سيطرت ‌عليها ‌في ​لبنان.

في السياق، أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى وجود سيناريوهين بشأن لبنان، السيناريو "المتفائل" هو أن لا تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان، وأن تحافظ على حرية عمل كاملة، بالتوازي مع التوصل إلى تسوية سياسية مع لبنان يتم بموجبها إبعاد "حزب الله" عن جنوب لبنان، وإضعاف النفوذ الإيراني في لبنان، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة. وأي انسحاب إسرائيلي سيكون متدرجاً ومشروطاً بنزع السلاح الكامل من جنوب لبنان.

أمَّا السيناريو "المتشائم"، فهو مألوف جداً: أن يُعلَن وقف إطلاق النار، وتنسحب إسرائيل سريعاً من الأراضي التي سيطرت عليها، وتُنقل المسؤولية شكلياً إلى الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، بينما تعود الأوضاع بالتدريج إلى ما كانت عليه، وتستأنف إيران ضخ الموارد، ويتمكن "حزب الله" من إعادة بناء قوته.

استمرار العمليات العسكرية، في إطار مقاومة الاحتلال، قد يؤدي إلى تصعيد إسرائيلي مقابل، ما قد يعيد خلط الأوراق، وربما يهدد الاتفاق الأميركي-الإيراني

وبالتالي فإن السؤال الرئيس المتعلق بكيفية تعامل إسرائيل مع "الجبهة اللبنانية" بعد الاتفاق الإيراني-الأميركي، هو عن حدود الإلزام الأميركي لإسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار، وتحديدا ما إذا كانت واشنطن ستحرم تل أبيب من "حرية الحركة" ضد "حزب الله"، المستمرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وماذا عن موقف واشنطن من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان؟ فهل ستدفع الإدارة الأميركية باتجاه انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، حتى من دون ضمانات أمنية بخلو منطقة جنوب نهر الليطاني من مقاتلي "حزب الله"؟ وهل هذا الأمر سيتحقق وفق المسار اللبناني-الإسرائيلي برعاية أميركية، أم وفق تفاهمات ضمنية بين واشنطن وطهران، تقضي بقبول طهران بإلغاء الجناح العسكري لـ"حزب الله"؟

أ ب
رجل يقود دراجة نارية صغيرة أمام لوحة إعلانية ضخمة تعرض صورة الزعيم الإيراني الراحل علي خامنئي، في الوسط، والمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، مع كتابة عربية تقول: "شكراً إيران"، في الضاحية الجنوبية، 15 يونيو 2026

وفي السياق، كانت القناة 12 الإسرائيلية قد كتبت في 7 يونيو/حزيران الحالي أنه ما دامت إيران تصرّ على وجود رابط بين الساحتين اللبنانية والإسرائيلية، فلا يمكن لهذا الرابط أن يكون أحادي الجانب فقط، إذ يتعين على الولايات المتحدة أن تطالب إيران، كشرط لإنهاء الحرب في لبنان ووقف الضربات الإسرائيلية المكثفة، بوقف المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها طهران لـ"حزب الله"، وبإخراج عناصر "الحرس الثوري" الإيراني، الذين يديرون "حزب الله"، من لبنان.

أما على الجانب الإيراني فإن ثمة سؤالا أساسيا حول مآل الانقسام الذي شهده النظام "الجديد" عشية إبرام الاتفاق مع الولايات المتحدة، وما إذا كان سيتم احتواؤه أم إنه سيكون مرشحا للتفاعل والتفاقم، خصوصا أن "الجبهة اللبنانية" والتي يديرها "الحرس الثوري" بشكل مباشر قد تتأثر مباشرة بهذا الانقسام وتحولاته، لناحية سلوك "حزب الله"، تشددا أو مرونة، في المرحلة المقبلة. علما أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان سيجعل "الحزب" وإيران يواجهان تحديا رئيسا، على اعتبار أن التزامهما بوقف إطلاق النار في لبنان، قد يفسر على أنه تسليم وتعايش مع هذا الاحتلال والذي توسع خلال الحرب الراهنة، أما الاستمرار في العمليات العسكرية، في إطار مقاومة الاحتلال، فقد يؤدي إلى تصعيد إسرائيلي مقابل، ما قد يعيد خلط الأوراق، وربما يهدد الاتفاق الأميركي-الإيراني، ولاسيما في حال قصفت تل بيب الضاحية وهو ما قد يستدعي ردا إيرانيا بقصف إسرائيل، وفق معادلة "الضاحية مقابل شمال إسرائيل"، والتي تغاضت عنها إيران، الأحد، بعد أن امتنعت عن قصف إسرائيل ردا على قصفها للضاحية إثر إطلاق "حزب الله" ثلاث مسيرات متفجرة باتجاهها، وقد بررت إيران هذا التغاضي بأنه حصل مقابل تنازلات ووعود أميركية.

مسار التفاوض طويل ومعقد، قد يتجاوز زمنيا المدة المتبقية من ولاية ترمب الثانية، وحتى من ولاية الرئيس اللبناني جوزيف عون التي دخلت عامها الثاني من أصل ست سنوات

هذا مع العلم أن "حزب الله" كان قد اعتبر في بيان ترحيبي بالاتفاق الأميركي الإيراني أنه "لا عودة إلى ما قبل الثاني من مارس/آذار"، أي إلى "حرية الحركة" لإسرائيل، كما تمسك بـ"حق لبنان في الدفاع عن الأرض والسيادة حتى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة النازحين إلى قراهم وعودة الأسرى". وكان مسؤول في "حزب الله" قد صرح لـ"رويترز" أن "موقفنا من وقف النار مرهون بالتزام إسرائيل به".

وفي المقابل صرح مسؤول إسرائيلي صرح لـ"القناة 13"، مساء الإثنين، أن كل عملية عسكرية في لبنان ستخضع بعد الآن للمراجعة، وهو ما يعني فرض قيود على الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان ولكن ليس تجميدها بالمطلق. 

كل ذلك يجعل من لبنان الساحة الرئيسة لقياس معادلات الردع الجديدة في المنطقة، ولاسيما بين إسرائيل وإيران، وهو يجعله عرضة لتلقي تبعات هذا الصراع الممتد والذي قد يكون منفصلا بشكل أو بآخر عن الصراع الأميركي الإيراني، إذ قد يحتفظ بدينامية إقليمية خاصة، بينما تبتعد الولايات المتحدة باتجاه أولويات أخرى، ربما في نصف القارة الشمالي؛ وحتى كتابة هذه السطور بعد ساعات من إعلان التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، كان من الواضح أن هناك انخفاضا كبيرا في التصعيد الإسرائيلي، وكأن المعادلة التي تحاول أن تفرضها تل أبيب في مفاوضاتها مع واشنطن، والتي كانت قد سربت إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال اليومين الماضيين، تقوم على القبول بخفض التصعيد ووقف التوغل داخل الأراضي اللبنانية، مقابل عدم الانسحاب من لبنان إلا في إطار اتفاق ثنائي يؤدي إلى إخراج "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني، وهذا مسار طويل ومعقد، قد يتجاوز زمنيا المدة المتبقية من ولاية ترمب الثانية، وحتى من ولاية الرئيس اللبناني جوزيف عون التي دخلت عامها الثاني من أصل ست سنوات، بينما سيبقى جنوب لبنان مختبر الردع الرئيس بين إيران وإسرائيل، مع تأجيل عودة المهجرين، ولاسيما في القرى الحدودية، أو قرى "الخط الأصفر" كما تسميه إسرائيل إلى أجل غير محدد ومعها إعادة الإعمار. وهذه كلها أسئلة ملحة ستواجهها جولات المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المقبلة والتي ستكون أصعب من سابقاتها وأكثر تأثرا بمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، ومن دون أفق واضح في الحلول والنتائج ما دام "حزب الله" يرفضها بالمطلق.

font change

مقالات ذات صلة