نشرت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للكاتب السوداني الطيب صالح (1929- 2009) متسلسلة في مجلة "حوار" اللبنانية الثقافية عام 1966، وكانت المجلة آنذاك تمثل قبلة للكتاب والمفكرين والمثقفين العرب. وفي العام نفسه نشر صالح الرواية كاملة عن "دار العودة" ببيروت.
منذ ذلك الوقت، أي قبل نحو ستة عقود، لم تتوقف "موسم الهجرة إلى الشمال" عن إثارة الجدل وتوليد الأسئلة، ومنح قرائها من أجيال متعاقبة متعة لا تنتهي بانتهاء القراءة، بل تدفعهم في الغالب إلى العودة إليها مرة بعد أخرى، وكأن النص يحتفظ دائما بأسرار جديدة لم تكتشف بعد.
عبقري الرواية
تلقف النقاد العرب الرواية سريعا واحتفوا بها بإعجاب كبير، حتى أطلق الناقد المصري رجاء النقاش على صاحبها لقب "عبقري الرواية العربية"، وهو اللقب الذي التصق بالطيب صالح حتى اليوم. لكن ما الذي أضافته هذه الرواية فعلا إلى مسار السرد العربي؟ فموضوعها الظاهر، أي العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب أو الجنوب والشمال، سبق أن تناولته أعمال عربية أخرى مثل "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم و"الحي اللاتيني" لسهيل إدريس.
ربما يكمن سر تفرد الرواية، كما يرى كثير من النقاد، في الطريقة التي كتبها بها الطيب صالح: في بنائها المركب للشخصيات، وتلاعبها الماهر بالزمن، وصناعة التوتر بين الذوات المتناقضة. وقد بدت شخصية بطل الرواية مصطفى سعيد متمنعة على التفسير النهائي، الأمر الذي جعل الرواية موضوعا لقراءات لا تنتهي في النقد النفسي والاجتماعي وما بعد الكولونيالي والبنيوي والتفكيكي وغيرها من المقاربات الحديثة.
كما ألهمت الرواية المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في قراءاته لما بعد الاستعمار، وأصبحت أحد النصوص المرجعية التي تستدعى عند الحديث عن الاستشراق والتمثيل الثقافي والعلاقة بين المركز والهامش.
أما في السودان، فقد استقبلت الرواية بحفاوة واسعة، لكنها واجهت أيضا هجوما عنيفا وصل أحيانا إلى المطالبة بمنعها، واتهام صاحبها بتشويه صورة الإنسان السوداني أو الخروج على القيم الاجتماعية. غير أن تلك الحملات لم تمنع النقاد السودانيين من الانكباب على دراستها وتحليلها، فصدرت حولها عشرات الكتب ومئات الأبحاث التي جعلت منها النص السوداني الأكثر حضورا في المشهد النقدي الحديث. وقد أعلنت "مؤسسة الخزانة" السودانية أخيرا إنتاج فيلم وثائقي عنها لمناسبة ذكراها الستين.


