المشهد من دمشق... "الاقتصاد أولاً" وهاجس العدالة الانتقالية

تتقدم ملفات الإعمار والوظائف على أجندة السوريين

أ.ف.ب
أ.ف.ب

المشهد من دمشق... "الاقتصاد أولاً" وهاجس العدالة الانتقالية

لا مناص من الهموم في هذه الحياة، إلا أن طبيعة هموم الإنسان تخبر الكثير عن البيئة التي يعيش فيها. فالهارب من الموت لا يحمل همّا إلا النجاة، والساكن في بيته أو قصره همّه يختلف عن القابع في أقبية صامتة محكمة بالحديد ورائحة اليأس، والذي تقض مضجعه هواجس التهجير القسري، والعودة القسرية، أو طائرات محملة بارودا، لا يحمل بين أضلعه همّ جودة حياته أو بيته الذي يسكنه. خلال زيارتي الأخيرة لسوريا، لم أبذل جهدا كبيرا لأرى أن السوريين اليوم ارتقوا بهمومهم بعد سنوات مليئة بالخوف والموت والبارود.

خرجت من باب الطائرة القادمة إلى مطار دمشق الدولي، استقبل ركابها شاب لا يتجاوز الثلاثين من العمر بابتسامة قائلا: "الحمدالله على سلامتكم". إجراءات سريعة في المطار، استلام الحقائب، وانطلاق إلى العاصمة، 80 دقيقة هو الوقت الذي استغرقني منذ أن استقبلنا الشاب أمام باب الطائرة إلى لحظة دخولنا شوارع العاصمة، لا خوف، لا حواجز، لا تفتيش على الطرق، ولا أموال تُدفع كي تحمي نفسك وحقائبك من الغياب.

الطرق منارة، الكهرباء لم تنقطع خلال أسبوع كامل إلا ساعتين، ومحطات الوقود لا تشهد ازدحاما أو نقصا في الإمداد. يمازحني سائق التكسي قائلا: "لا خوف على هاتفك، لن يموت من نقص الدعم، فالكهرباء متاحة في أي وقت"، لكنه أمضى الطريق يحدثني عن الغلاء وصعوبة المعيشة، يقول لي "كل شيء موجود وبكثرة، لكن ليس كل شيء يُمكن شراؤه".

آمال ومخاوف

الاحتفال والسعادة بزوال الأسد ونظامه باتا في الماضي اليوم، حتى المقارنة بين زمن الأسد والوقت الحالي أصبحت غير مسموعة بكثرة. فالعيون باتت تنظر إلى المستقبل وخطوات بنائه. ويعيش السوريون اليوم مزيجا من الأمل والخوف: أمل يعززه واقع أفضل من ناحية الخدمات والأمن والمساحة الكبيرة للعمل، وخوف من الغلاء، وانتشار المحسوبيات، وموت العدالة الإنتقالية، وانغلاق الحكومة على نفسها وتدوير شخصياتها في المناصب والمسؤوليات.

في مقهى صغير قرب ساحة الأمويين بدمشق، لم يعد الحديث يُهمس خوفا من الاعتقال أو المخبرين، بل دار حول الوظائف والرواتب والتغييرات الحكومية

يكفي أن تجلس في قهوة أو حديقة أو حتى السير في الطريق، لسماع هموم الناس التي تعبر عن واقع جديد يعيشونه، وهو واقع لا يُذكر فيه اسم الخوف من الموت أو الاعتقال إلا نادرا، واقع شهد تغيّرا ملحوظا عبر عام ونصف عام بعد سقوط نظام الأسد.

جلست مع بعض الأصدقاء في مقهى قرب ساحة الأمويين في دمشق. لم يكن الحديث عن الأمن، كما لم يكن بصوت منخفض خوفا من الاعتقال أو المخبرين. كان عن التغييرات الحكومية، عن الوظائف في قطاعات الحكومة، عن تفاوت الرواتب بين الموظفين القدامى والموظفين الجدد الذين يتم الاتفاق معهم على قاعدة العقود المؤقتة. يقول أحد الأصدقاء إن راتبه لا يتجاوز 200 دولار أميركي، بينما يتقاضى بعض الأشخاص في دائرته رواتب تصل إلى ألف دولار أميركي. يشتكي من التفاوت، لكنه يعقّب: "صحيح هناك تفاوت في الرواتب، لكن من الناحية المؤسساتية أنا موظف حكومي، بينما هم متعاقدون مؤقتون. يبدو أن لكل شيء ثمنا، آمل أن لا تكون هذه الحال طويلة".

رويترز
أشخاص يقفون بالقرب من مبنى الركاب في مطار دمشق الدولي، سوريا، 30 ديسمبر 2024

أبدى الأصدقاء مخاوف من المحسوبيات في عمليات التوظيف. فالبعض يتم توظيفه عبر مقابلات، لكن آخرين ياتون مباشرة دون مقابلة. يقول أحد الحضور: "حتى اللحظة، الأمور مقبولة، إنما إذا استمرت المحسوبيات بالظهور فهذا يعني أننا نتوجه نحو نظام حكم منغلق على نفسه، لا يقبل الآخر، ولا يفتح المجال لأصحاب الخبرة بالعمل في المكان الصحيح الذي يخدم الدولة والبلد". يضيف صديق آخر: "في بعض المؤسسات، أُقيل الصالح والطالح دون تمييز. لا أدري هل ترى الحكومة أن كل من بقي في بيته أو مؤسسته خلال سنوات الثورة هو داعم للنظام وفاسد بالضرورة؟ بعض الناس لم يمتلك حتى خيار الهروب من البلد". 

الحديث عن فكرة التمايز بين من بقي في سوريا خلال سنوات الثورة ومن غادر، بين من قاتل ومن هرب إلى دول اللجوء، بين من عانى ومن لم يعان، غلب على كثير من الأحاديث التي سمعتها في زيارتي الأخيرة لسوريا.

يقول موظف في مؤسسة الكهرباء: "بتّ أشعر أنني كنت أموّل الأسد ونظامه وقاتلت معه، لا علاقة لي بنظام الأسد، إلا إن كان الناس يرون عملي في مؤسسة الكهرباء هو قتال لصالح الأسد ونظامه. عائلتي كبيرة، وخبرتي في غير مجالي قليلة. لم أكن قادرا على السفر وحدي، فكيف لي أن أغطي سفر كل أفراد عائلتي". أضاف: "أمضيت 13 عاما من الخوف والجوع والقلق أحاول إبقاء نفسي وعائلتي على قيد الحياة"، ويعقّب: "اعتبار من بقي على أنه هامشي في مستقبل سوريا ظلم كبير، أخرج الآن إلى الطريق، واسأل كل من كان يعيش في سوريا زمن الأسد، قلة قليلة منهم ستقول لك كنا سعداء، والغالبية ستحدثك عن الخوف، عن الموت، عن الجوع، عن الفقر، عن القهر، عن الذل، عن ابتزاز العسكر لهم، عن الإذلال على الحواجز، عن الأمراض التي أصابت أطفالهم نتيجة الاقتتال وانعدام الأمن وأصوات القصف. ابنتي أُصيبت بمرض السكر المبكر نتيجة الخوف الذي عانته على مدار سنوات". وينهي حديثه: "جميعنا عانينا سواء كنا في سوريا أم خارجها، هذه هي الحقيقة". 

إلا أن قسما آخر من السوريين كان لديهم وجهة نظر أخرى، قالوا إن كل الوزارات تعلن عن شواغر بشكل يومي، وتم توظيف كثير من الناس، البعض كان داخل سوريا طوال سنوات الثورة والبعض كان خارجها. يقول أحدهم: "إن أردت العمل في أي وزارة يمكنك أن تخطو الخطوة الأولى على الأقل، أن تتبع إعلان الشواغر في الوزارات ومؤسسات الدولة".

اعتبار من بقي في سوريا هامشيا في مستقبلها ظلم كبير. أمضى كثيرون سنوات يحاولون النجاة من الخوف والجوع والقهر، لا الدفاع عن أحد. جميع السوريين عانوا، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، وهذه هي الحقيقة

أحاديث كثيرة سمعتها من الناس عن غلاء فواتير الكهرباء، ومخاوف من الضرائب الجديدة، وآليات التوظيف الحكومي، وصعوبة الحياة في ظل الرواتب القليلة والسلع الغالية. هموم الناس اليوم لم تعد عن الخوف، أو القتل، أو الدمار، أو الهروب. هي هموم يتشارك معهم بها كل سكان الأرض. هي هموم الإنسان الطبيعي، سماعها كان -على الرغم من صعوبته- مؤشرا إيجابيا الى تقدم في رؤية الناس وتصوراتهم، وانتقال واضح للسوريين في سلّم الأولويات. 

سألت أحد الذين كانوا يشتكون من الغلاء، هل كان هذا مما كنتم تعانونه زمن الأسد، أجاب فورا: "هذه كانت آخر همومنا، الأسعار كانت أغلى والسلع نادرة، لكننا لم نكن ننظر لها، كان همّنا البقاء، وعدم التعرض للاعتقال بسبب كلمة أو صورة أو لأن العسكري على الحاجز لم يعجب بك ببساطة"، وتابع: "اليوم ليس كالأمس، فهل نحمل مطالب الأمس الى اليوم؟". 

يخبرني صاحب بقالية كبيرة في ريف دمشق أن كل السلع والمنتجات متوفرة اليوم، حتى تلك التي تُصنع وتباع في الخليج العربي وتركيا وأوروبا. يقول: "لن أحدثك عن السلع التي كانت متاحة زمن النظام السابق، اليوم كل شيء موجود، وبكميات كبيرة، حتى أننا أحيانا نحضر منتجات لم تكن تباع في سوريا من قبل"، ويتابع "أنا مثلا، أحيانا أحضر منتجات جديدة بكميات قليلة، في حال تم شراؤها وطلبها مرة أخرى، أعتمدها بكميات أكبر". حول القدرة الشرائية للناس يقول: "للأسف الأسعار مرتفعة والرواتب متدنية مقارنة بها، والآن مع النظام الضريبي الجديد سترتفع بعض السلع أيضا، كيف سيؤثر ذلك على عملنا، هذا أمر سنكتشفه قريبا". 

أ.ف.ب
صورة جوية لمقر وزارة المالية السورية وحدائق العروزي المجاورة في العاصمة السورية دمشق، 12 يناير 2025

في الوقت نفسه، مدن وقرى في شرق الفرات، الجنوب السوري، والساحل، تعيش حتى اللحظة حالة من الخوف لا تعيشها بقية المناطق. فشرق سوريا لا يزال يشهد حوادث أمنية على يد متطرفين من "قسد"، "داعش"، وبقايا الخلايا الإيرانية. في الجنوب لا يزال ملف السويداء يذكر الناس بأن الاشتباك المسلح قد يحصل في أي لحظة، تضاف إليه مخاوف أهالٍ في درعا من محاولات "حزب الله" اللبناني إعادة نفوذه هناك أو أن ينفذ الجيش الإسرائيلي توغلات جديدة في المنطقة. أما الساحل السوري فيعيش الأهالي مخاوف من عودة التوتر إلى المناطق واشتباك مباشر جديد بين "فلول" النظام السابق والحكومة السورية

أسئلة كثيرة 

كان واضحا أن كثيرا من السوريين لا يملكون معلومات كافية حيال قضايا ومؤسسات كثيرة. يسألون عن البرلمان ومواعيده ومهامه، ويسألون عن قانون الأحزاب وأسباب التأخر فيه، كما يسألون عن الفارق بين "الصندوق السيادي" والبنك المركزي وصندوق التنمية السوري. ويتساءلون عما إذا كانت الأملاك والأموال التي يستحوذ عليها الصندوق السيادي، تذهب إلى البنك المركزي أم يبقى يديرها الصندوق؟ يسألون عن التبرعات التي تأتي إلى سوريا عبر السوريين وغير السوريين، أين تذهب؟ يسألون عن الاتفاقيات التي تم توقيعها مع دول ومؤسسات أجنبية عديدة، لماذا لم يبدأ تطبيقها بعد؟ يسألون عن النفط السوري، وعمَّ إذا بدأ يتدفق من مناطق شرق الفرات وإلى أين يذهب؟ يسألون عن شبكة الاتصالات التي ارتفعت تكلفتها في حين بقيت جودتها كما هي، ويسألون عن العدالة الانتقالية، عن التأخر في صيانة الطرقات التي لا تزال مليئة بالحفر ومظلمة. 

رويترز
الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال حفل افتتاح الدورة الثانية والستين من معرض دمشق الدولي، وهي النسخة الأولى التي تقام منذ سقوط نظام بشار الأسد، دمشق، 27 أغسطس 2025

في الجلسة الواحدة يمكن سماع غالبية تلك الأسئلة. يجيب عنها بعضهم وتبقى أخرى دون إجابة. يقول أحد الصحافيين الذين التقيت بهم إن كثرة الأسئلة عن مواضيع أجوبتها واضحة دليل على حاجة الحكومة لاستراتيجيا إعلامية أكثر فعالية. يضيف: "للأسف كثير من السوريين يعلمون أخبار الحكومة من السوشال ميديا ومن المؤثرين في فيسبوك. هل هذه خطة الحكومة في إخبار الناس عن نفسها وانجازاتها وقراراتها؟ أم أن استراتيجيتها تحتاج إلى إعادة تقييم وتحديث لتصبح أكثر فعالية في إخبار الناس بما يهمهم ويهمها؟"، ويتابع: "ليس كل الناس لديهم وصول إلى الانترنت بشكل دائم، لذلك فإن التعويل على السوشال ميديا كخيار وحيد ليس كافيا". 

غضب قد يخرج عن السيطرة

تكتظ شوارع سوريا اليوم بالأصوات التي تطالب بتحسين الواقع الاقتصادي وخفض الأسعار، وتطالب أيضا بتحقيق العدالة الانتقالية. وهم يرون من خلال هذه العدالة من أوغل في دماء أهلهم في لحظة الحساب، إلا أن شكل الحساب وضوابطه هو مربط الفرس اليوم بالنسبة للحكومة السورية التي تسير ببطء في هذا المسار المعقد. تحدثني سيدة سورية فقدت اثنين من عائلتها في سجون نظام الأسد: "لا أستطيع تخيّل أن الحكومة تجلس على لوح بارد وتعمل بهدوء في الوقت الذي لا نعلم فيه نحن -وكثيرون منّا- أين هم الذين فُقدوا في سجون الأسد أو قُتلوا على يد شبيحته وضباطه، العدالة الانتقالية ينبغي أن تكون الخطوة الأولى في مسار إعادة بناء سوريا"، وتضيف: "تجار النظام الذين ساعدوا الأسد في قتلنا وتشريدنا يعيشون اليوم بأمان، ونحن نبحث عن ثمن رغيف الخبز". 

من جهتها، لم تتوقف الحكومة السورية عن اعتقال ضباط النظام منذ سقوط النظام، والتحقيقات معهم مستمرة على أمل تفكيك أكبر كمّ ممكن من شبكات النظام السابق التي أجرمت في حق السوريين. كما أعلنت الحكومة على لسان مسؤوليها أكثر من مرة أن العدالة الانتقالية واعتقال المتورطين بالدم السوري عملية لا تُنفّذ على أساس "الشبهة أو الاشاعة"، وإنما على أساس الأدلة والمسار القانوني. وأكدت أن التنسيق بين لجنة العدالة الانتقالية ووزارة الداخلية لم ينقطع، كما أعلنت أكثر من مرة استعدادها للتعاون مع كل الدول وتقديم الوثائق اللازمة التي تثبت تورط أشخاص يعيشون على تراب هذه الدول ارتكبوا جرائم في حق السوريين. 

ازدادت حالات انتقام بعض السوريين من عناصر وضباط النظام السابق عبر القتل المباشر في الأيام الأخيرة، حتى أن بعض هذه الحالات تم تصويرها ونشرها بين السوريين، وهو أمر بات يتسبب بقلق متزايد في الأوساط الحكومية والشعبية، لما له من تبعات على استقرار الأمن السوري من جهة، وذوبان لحدود العدالة والجهة التي تناط بها مسؤولية تحقيقها. 

الشارع السوري يشهد انقساما حادا حيال حالات العنف التي يقوم بها بعض السوريين، فالبعض يراها نتيجة حتمية لبطء قطار الحكومة على سكة العدالة الانتقالية، في حين يراه البعض الآخر نافذة خطيرة لعنف قد يأخذ منحنيات دموية في الشارع السوري، فالعدالة وتحقيقها أمر لا ينبغي أن يخرج عن قاعات القضاء وغرف التحقيق وفِرق جمع الأدلة، ويعتقد هؤلاء أن السلم الأهلي والاستقرار الأمني في خطر الانهيار حالَ قرر السوريون أن العدالة بيد من حمل السلاح، لا من حمل القانون والسلطة. انقسام وعنف يضعان الحكومة السورية أمام امتحان صعب لضمان سلامة وقانونية خطواتها في مسار العدالة الانتقالية من جهة، وتخفيف الضغط الشعبي من جهة أخرى.

نهر من الشباب 

"المدن والقرى تغلي بالشباب"، عبارة سمعتها مرات كثيرة خلال زيارتي لسوريا. فالمدن السورية اليوم لم تعد خاوية من الشباب الذي كان نظام الأسد يحاصره في كل مكان، يدفعه الى الموت أو التشرد واللجوء. ليست الشوارع مكتظة بالشباب فحسب. ففي دمشق وحلب وحمص تكتظ المقاهي بهم أيضا، منهم عادوا إلى ديارهم بعد سقوط الأسد ونظامه، وآخرون يزورون أهلهم في عطلة العيد. بعض المقاهي تطلب منك حجزا مسبقا، والبعض الآخر تضطر للانتظار فيه قليلا قبل أن تجد طاولة فارغة. اللحوم على غالبية الطاولات، وهي كانت شبه محرمة في ظل انقطاع الكهرباء المزمن الذي أفقد الناس الثقة بجودتها وصلاحيتها. 

رويترز
سوريون يستمتعون بوقتهم في باحة مطعم بيت جبري في دمشق، سوريا، 27 يناير 2025

في احد مطاعم شارع العابد وسط دمشق، الطاولات ممتلئة بالناس، ويشرف على الطاولات أكثر من ثمانية شباب. المطعم نفسه زرته بعد هروب بشار الأسد من سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت الطاولات خاوية، ويقف على عرشها رجل في العقد الخامس يدخن سيجارته، لم يكن يتوقع أن يأتيه "زبون" حتى وقت الذروة. سألت الرجل نفسه عن حركة الناس فيه، قال: "منذ عشر سنوات لم نر المطعم هكذا، إنه ممتلئ بالكامل، أنا أعمل هنا منذ عام 2008... الناس تعود إلى وطنها مجددا، هل هناك أجمل من أن تكون آمنا في بلدك!"

المدن والقرى تغلي بالشباب. لم تعد الشوارع والمقاهي في سوريا تروي حكاية الخوف والغياب، بل حكاية عودة تدريجية إلى الحياة. وكما قال أحد أصحاب المطاعم في دمشق: "الناس تعود إلى وطنها مجددا، وهل هناك أجمل من أن تكون آمنا في بلدك؟"

على حافة منزلها في إحدى قرى جبال القلمون، تجلس سيدة في عقدها السابع، تقول: "يوم أمس أحصيت أكثر من مئتي شاب مروا من أمام منزلي، قبل عامين كان يمر أسبوع دون أن أرى شابا في الحي، كلهم هاجروا وتركوا القرية لكبار السن"، تضيف: "أبعد عن دمشق 50 دقيقة، لم أزرها إلا مرتين بين عامي 2012-2024. الطريق إلى دمشق كان كالسفر إلى دولة ثانية، حواجز كثيرة، كلها تطلب الهويات، وكأن كل حاجز دولة، لا يعترف بالذي قبله، ولا يعترف به من بعده.. اليوم عادت الطريق إلى طبيعتها".

تحدثت السيدة كثيرا عن فرحها بعودة الشباب، وأهمية هذه العودة إلى سوريا دون خوف أو قلق، وتحولهم إلى شلال من القدرات البشرية الجديدة التي غذتها خبرات وظروف متنوعة الشدة. وختمت بالقول: "انشالله حكامنا الجدد يستفيدون من نهر الشباب الجاري". 

أ.ف.ب
علم سوري كبير يرفرف فوق حديقة تشرين في العاصمة السورية دمشق، 4 يونيو 2025

يرى كثيرون أن الحكومة السورية اليوم أمام مرحلة جديدة بعد عام ونصف عام على سقوط الأسد ونظامه الذي امتد لعقود، مرحلة لن تكون سهلة، تحتاج إلى جهود مضاعفة، واستراتيجيات مدروسة. فاختلاف الأولويات، وتركيز الناس على النظر إلى مستقبلهم ومستقبل بلادهم السياسي، الاقتصادي، والمؤسساتي، الحريات، وصلاحيات المسؤولين وحدودها، هي مؤشرات إيجابية وتدل على نجاح السوريين وحكومتهم في التقدم نحو الأمام خطوات كثيرة، إلا أن التقدم والنجاح يخلقان عبئا أكبر على الجميع، ويتطلبان جهودا أكبر من الجميع. 

زرت سوريا بعد سقوط الأسد مرات كثيرة. في زيارتي الأولى شعرت أنها خارج التاريخ، كل شيء فيها باهت وحركة الزمن فيها متوقفة. في زيارتي الأخيرة شعرت أنها دخلت العالم من جديد، وبات شعبها يسابق الزمن ليعيد ترتيب نفسه وبلاده داخل القطار الذي لا يتوقف: قطار التاريخ. 

font change

مقالات ذات صلة