ألغام مضيق هرمز... وألغام الاتفاق

الألغام السياسية والنووية والإقليمية المزروعة داخل الاتفاق نفسه ويمسك بفتيلها لاعبون كثر، فقد تحتاج إلى أشهر طويلة من التفاوض. وربما تنفجر قبل الوصول إلى خط النهاية

ألغام مضيق هرمز... وألغام الاتفاق

استمع إلى المقال دقيقة

تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز. كم من الوقت سيستغرق فتحه بعد الاتفاق الأميركي الإيراني؟ كيف ستزال الألغام البحرية؟ متى تعود ناقلات النفط وخطوط الإمداد؟ وهل تنخفض أسعار الطاقة؟ ماذا يعني الاتفاق لمستقبل السيطرة على مضيق هرمز والممرات العالمية الأخرى؟

صحيح أن مذكرة التفاهم الموقعة من الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بيزشكيان تنص على إعادة فتح هرمز خلال ثلاثين يوماً، إلا أن هذا الهدف يتطلب تفكيك الكثير من "الألغام" التي تتعلق بإزالة الألغام والذخائر وضمان سلامة الملاحة وعودة شركات التأمين والثقة من أن المضيق لن يغلق مجدداً.

مع ذلك، فإن هذه ليست سوى الألغام الظاهرة في هرمز. أما الألغام الحقيقية فأعمق من ذلك، وهي موجودة في بنود الاتفاق وقابلة للانفجار وهز قعر المنطقة في أي وقت.

أولها هو الملف النووي الإيراني. فالاتفاق لم يحل المشكلة، بل رحّلها إلى مفاوضات لاحقة. إذ تنص الفقرة الثامنة على التفاوض بشأن مصير مخزون اليورانيوم المخصب وآليات التخصيب والتفتيش الدولي. وهنا تكمن العقدة، فواشنطن تريد تسليم اليورانيوم المخصب وضمانات تمنع طهران من الاقتراب من العتبة النووية، بينما ترفض طهران التخلي عن حقها في التخصيب أو تسليم مخزونها الاستراتيجي. وهذه القضية فجّرت المفاوضات قبل الحرب وكانت قد احتاجت سنوات من البحث قبل التوصل إلى اتفاق تفصيلي في 2015.

يتعلق اللغم الثاني بالعقوبات. فإيران تريد رفعاً سريعاً وشاملاً للعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة وعودة كاملة إلى الأسواق العالمية وصندوق للإعمار. أما واشنطن فتريد ربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية ملموسة وقابلة للتحقق. وبين الموقفين مساحة واسعة من الخلافات. وهنا يبرز عامل الوقت. فترمب يريد إنجازاً سريعاً يقدمه قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني، باعتباره نجاحاً شخصياً أنهى الحرب وأعاد الاستقرار إلى الطاقة، فيما يمتلك الإيرانيون الوقت في إدارة المفاوضات. والتجربة السابقة تشير إلى أن الاتفاقات النووية الكبرى لا تُصاغ خلال ستين يوماً، بل خلال سنوات.

ثم يأتي موضوع لا يقل أهمية. فمذكرة التفاهم لا تكتفي بإعادة فتح المضيق، بل تمنح إيران للمرة الأولى اعترافا أميركياً بدورها في إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالفقرة الخامسة تتحدث عن حوار تقوده طهران مع سلطنة عمان والدول الساحلية الأخرى لتحديد إدارة الخدمات البحرية المستقبلية في هرمز.

خرجت إيران من الحرب بخسائر كبيرة تتعلق باغتيال "المرشد" وتدمير البنية العسكرية والتحتية وانتقال الحرب من الخارج إلى الداخل وضعف دور الوكلاء و"المحور"، لكنها تريد القبض على شريان الطاقة. والأخطر أن إدارة ترمب قبلت ضمنا بهذا الواقع الجديد. قد يبدو ذلك بندا فنيا، لكنه يحمل دلالات بعيدة المدى. والقلق ليس إقليمياً وحسب، خصوصا أنه جاء بعد سلسلة من الاعتداءات على الدول المجاورة، بل إنه سابقة في العلاقات الدولية تخص الممرات البحرية أو تجعل أمن الطاقة العالمي جزءا من التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران.

أي غارة إسرائيلية أو أي مواجهة جديدة مع "حزب الله"، يمكن أن تنسف جولات وقف النار المتكررة وتتحول بسرعة إلى أزمة تهدد مسار المفاوضات

رغم أهمية كل هذه الألغام، فإن هناك لغماً لا يقل عنها أهمية: إسرائيل. فبنيامين نتنياهو ليس سعيداً بالاتفاق ويراه اتفاقاً يمنح إيران مكاسب فورية ويؤجل القضايا الجوهرية المتعلقة بالوكلاء والميليشيات والمسيرات والصواريخ، إلى مرحلة لاحقة غير مضمونة النتائج.

الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم تنص على وقف العمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان. وتعتبر طهران أن هذه "الساحة" جزء من الاتفاق، وأن أي تفاهم نهائي يجب أن يشمل ضمانات تتعلق بسيادة لبنان ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعدة للتعامل مع لبنان بهذه الطريقة. فتل أبيب تعتبر أنها ليست طرفاً في الاتفاق، وأنها ستحتفظ بحقها في التحرك ضد "حزب الله" متى رأت ذلك ضرورياً. وهنا تكمن واحدة من التناقضات في الاتفاق كله. وهذا يعني أن أي غارة إسرائيلية أو أي مواجهة جديدة مع "حزب الله"، يمكن أن تنسف جولات وقف النار المتكررة وتتحول بسرعة إلى أزمة تهدد مسار المفاوضات بأكمله. وربما يصبح لبنان، وليس الملف النووي، الاختبار الحقيقي لقدرة الاتفاق على الصمود.

قد يكون فتح مضيق هرمز أسهل بكثير من فتح الطريق نحو اتفاق نهائي. فالألغام السياسية والنووية والإقليمية المزروعة داخل الاتفاق نفسه ويمسك بفتيلها لاعبون كثر، قد تحتاج إلى أشهر طويلة من التفاوض

ويبقى فوق كل ذلك لغم انعدام الثقة. فإيران تتفاوض مع رئيس أميركي انسحب من الاتفاق النووي السابق ثم خاض حرباً ضدها خلال المفاوضات، وقتل "مرشدها" وقال إنه يريد "تغيير نظامها" أو "تدمير حضارتها". وواشنطن تتفاوض مع نظام يعتبرها "الشيطان الأكبر" ولم يتوقف عن استهدافها وحلفائها وقصف قواعدها وجنودها، ويسعى لكسب الوقت والحفاظ على قدراته النووية. أما إسرائيل، فترى أن الاتفاق غطاء يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها ووكلائها.

لهذا قد يكون فتح مضيق هرمز أسهل بكثير من فتح الطريق نحو اتفاق نهائي. فالألغام البحرية يمكن تحديد مواقعها وإزالتها خلال أسابيع. أما الألغام السياسية والنووية والإقليمية المزروعة داخل الاتفاق نفسه ويمسك بفتيلها لاعبون كثر، فقد تحتاج إلى أشهر طويلة من التفاوض. وربما تنفجر قبل الوصول إلى خط النهاية. وما التأخر في انطلاق المفاوضات والقصف في لبنان سوى عينة مما سنراه.

font change