الثابت الرئيس في السياسة هو اللاثبات، فلا صداقة مستمرة، ولا عداوة دائمة. كذلك الحال في الحَراك الاجتماعي وفق قانون التطور العمراني لابن خلدون. وإيران والمشرق العربي ليسا خارجين عن قانون السياسة ونظرية التطور الاجتماعي.
هذا يحيل إلى حتمية النظر بعين فاحصة لمآلات الواقع السياسي والاجتماعي علاوة على الواقع الفكري في إيران والمشرق العربي، حيث يبدو الفرق كبيرا اليوم في الجهتين من حيث البناء الفكري والتوجه السياسي وطبيعة وشكل الصراع البيني.
فإيران الثورة التي تشكلت في عام 1979، ليست هي إيران اليوم، بالرغم من تشابه الظروف السياسية والعسكرية.
وبالرغم من احتدام الصراع في إيران في الوقت الراهن- سواء على الصعيد الداخلي بتباين التيارات السياسية وكثرة الاحتجاجات، أو على الصعيد الخارجي باستمرار المهدد الدولي ممثلا في الولايات المتحدة وإسرائيل- فإن تأثير ذلك محليا بات مختلفا عن تأثيره وقت ابتداء الثورة، حيث ضعف الزخم الثوري الذي كان داعما للتيارات المحافظة في أول الثورة، مقابل تنامي الروح الحداثية بين أبناء المجتمع الإيراني، ووهنت ملامح التعظيم للشخصية الدينية في الوقت الراهن، مقابل ما كانت تحظى به من تقدير وإجلال في إطار المجتمع الإيراني بأكمله.
كذلك الحال مع المشرق العربي الذي تلاشت أنظمته القومية اليمينية، وسقط النظام البعثي العراقي الذي تزعّم مواجهة المد الثوري الإيراني، وهدأت الأصوات الدينية والسياسية المتخوفة من تنامي الهلال الشيعي في المنطقة، وبالتالي بدأت تتشكل في الجهتين رؤية يمكن وصفها بأنها أقل توترا إزاء الآخر رغم حالة الاعتداء الذي تعرضت له دول مجلس التعاون الخليجي والأردن خلال الحرب القائمة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ذلك أن الدول العربية لم تنخرط في الحرب ردا على الاعتداءات الإيرانية المرفوضة جملة وتفصيلا، إدراكا منها أنها من حيث تكوينها هذه المرة هي خارج الاستهداف الإيراني التقليدي، بمعنى أن إيران المعاصرة في القرن الـ21 لا تنتمي بشكل كلي لأدبيات 1979 المتطرفة، وأن تغييرا كبيرا قد حدث في البناء الاجتماعي الإيراني، وفرض نفسه وأفكاره على النظام فيها.
في هذا الإطار فإن أكبر إشكالات الذهنية السياسية العربية سابقا هو توحيد نظرتها لمختلف التكوينات السياسية الإيرانية، فلم تستطع أن تلحظ الفوارق الدقيقة بين اليمين واليسار، لكونها قد نظرت بعدسة المفهوم الدولي وليس بالطريقة التي هي عليها في إيران. مع الإشارة إلى أننا نتحدث هنا عن يمين ويسار في الإطار الإسلامي ووفق رؤية شيعية كذلك، وبالتالي فالمفاهيم مختلفة عن السياق العام، فمثلا قام المحافظون الأصوليون في بداية الثورة بدعم منهج الاقتصاد التعاوني ذي النزعة الاشتراكية، وهي مفاهيم يسارية في الإطار الدولي، في حين عمل الإصلاحيون على تعزيز نظام الاقتصاد المفتوح غير الموجّه، وهو مفهوم رأسمالي يميني، وساندهم في ذلك تجار البازار الذين يصنفون تاريخيا بأنهم من المحافظين.
هذا نسق واحد من أنساق متعددة ضمن الذهنية الإيرانية، ولا يرتبط بطبيعة شكلية أو هوية فكرية، فليس كل الملالي- وهم من طلبة العلم الشرعي- محافظين في توجهاتهم، كما ليس كل الفئات المدنية إصلاحيين في توجهاتهم، وهو ما يدعو لمزيد من التأمل وخروج الباحثين السياسيين من قيد التصنيفات المسبقة والذهنيات المرتبطة بها.
